التحولات المحتملة للسياسة الخارجية الأمريكية: التحدي الصيني
د. صلاح أبو نار -
تمثل الصين أو إذا اردنا دقة التعبير عن المنظور الأمريكي «التحدي الصيني»، المشكلة التي ستقف على رأس أولويات السياسة الخارجية لرئاسة بايدن، كما كان موقعها بالنسبة لسياسة ترامب الخارجية. وعلى مدى العقود الأربعة القادمة على الأقل، من المتوقع أن يظل التحدي الصيني على رأس قائمة الأولويات الخارجية لأي رئيس أمريكي قادم، حتى تحسم نتائج الصراع الجاري بين القوتين عبر عملية إعادة تشكيل عميقة لتوازنات ومؤسسات وآليات عمل النظام الدولي. كيف يدرك الرئيس الجديد أبعاد هذا «التحدي الصيني»؟ وكيف يتصور ويخطط لسبل وأدوات مواجهته؟ ما هي المكونات الأساسية لتصور بايدن والديمقراطيين لطبيعة التحدي الصيني؟
سنعثر على بعض المكونات البارزة داخل الخطاب السياسي، تشير إلى تسلطية النظام الصيني المتطورة عبر تسليحها بتقنيات الرقابة الإلكترونية، وسياسات التهجير والعزل الجماعي لليوجور، وتطور القدرات العسكرية الصينية المتواصل. ولكن علينا أن لا ننخدع في الحضور البارز لتلك العناصر. فالتسلطية لا تمثل هما سياسيا يشغل الخطاب نفسه بمواجهته حركيا، مكتفيا بالإدانة الصارمة والقول إن مجرد وجودها سيشل قدرة الصين على المنافسة العالمية للنموذج الأمريكي. ولا يستشعر الخطاب أن قوة الصين العسكرية تشكل تهديدا لأمريكا، بل يبدو مقتنعا أنها في حاجة لعقود حتى تشكل هذا التهديد. وما هو جوهري في هذا التصور سنجده في عناصر أخرى. أولها النمو المطرد للاقتصاد الصيني، عبر ربطه بنمط علاقة الدولة بالاقتصاد، ونمط سياسات التبادل التجاري، وتوسع النفوذ الاقتصادي على امتداد العالم. وهنا يجرى الحديث المحدد عن دور الدولة الصينية في الدعم غير القانوني للصناعات الصينية، والتلاعب في قيمة العملة الوطنية، والتدخل في تحديد معدلات تبادل اليوان مع الدولار، وعدم احترام حقوق الملكية الفكرية في مجال التكنولوجيا، والتمييز بين الشركات. وثانيها التطور الصيني السريع والنوعي الناتج عن الاستثمار المكثف في تكنولوجيا المستقبل، مثل الذكاء الاصطناعي والطاقة وتكنولوجيا الجيل الخامس الاتصالية وغير ذلك. وهنا نرصد الاعتراف الأمريكي بالطفرات التقنية الصينية في بعض المجالات، والتي جعلت أمريكا متخلفة عنها وتبدو قابلة للاتساع. وثالثها تطورات النفوذ السياسي والعسكري في شرق الباسفيكي. عبر التوسع العسكري الصيني في بحر الصين الجنوبي، بما يشكله من تهديد محتمل لكبار حلفاء أمريكا الآسيويين، والسيطرة على مياه هذا المعبر التجاري الدولي، والتوسع في بناء الجزر الصناعية. وعبر التصلب الصيني في حسم مشاكلها السياسية مع تايوان وخاصة المضايق، وانتهاك الاستقلال الذاتي لهونج كونج وتهديدها بالتدخل العسكري، وكلاهما من أوثق حلفاء أمريكا وأهم مرتكزات قوتها. وما يثير الانزعاج الأمريكي ليس مجرد وجود تلك التهديدات على جسامتها، بل اندراجها في إطار مخطط صعود تاريخي صيني ينفذ عبر مراحل وعلى مدى زمني طويل. ولكن هناك عوامل أخرى نعثر على مؤشرات وجودها داخل الخطاب السياسي الأمريكي العام، ونفترض فعلها داخل الخطاب الديمقراطي. منها سقوط الرهان الأمريكي على كون التحول إلى اقتصاد السوق سيحمل معه بالضرورة تفككا حتميا ينسف سيطرة الحزب الشيوعي كما حدث في الاتحاد السوفييتى، ومنها تماسك وكفاءة النخبة الصينية الحاكمة ونجاحها في مزج التسلطية بالمؤسسية، ومنها ضخامة الحجم ومعه ضخامة طاقات الصين الكيفية، ومنها تبني الصين لرؤية خارجية لا تقوم على الصدام وبناء مناطق نفوذ وسيطرة حصرية وتتبنى نوعا من التشاركية، ومنها نمط الوعي التاريخي الصيني الذي ينطلق من الإحساس بالتمايز الحضاري والمركزية التاريخية.
وكيف يري الديمقراطيون سبل مواجهة التحدي الصيني؟
يتفق الديمقراطيون مع الجمهوريين على تشخيص طبيعة التحدي الصيني، ولكنهم يرفضون استراتيجية ترامب لمواجهة هذا التحدي. يرفض بايدن سياسة الحرب التجارية الواسعة والمتصاعدة، ويرى أنها لا تحقق هدفها بل ألحقت أضرارا جسيمة بالمنتجين والمستهلكين الأمريكيين، وعجزت بتوسعها الأوروبي عن التمييز بين الخصوم والحلفاء. ولكنه لا ينوي التراجع عنها، بل لن يواصل مسيرة تصعيدها وقد يخفف منها. وما هو البديل؟ سنعثر على مفهوم البديل المركزي في مقالة بايدن المنشورة في «فورين آفيرز» عدد مارس - أبريل 2020 بعنوان «لماذا يجب أن تستعيد أمريكا قيادتها للعالم؟»، وداخل جزئها الثاني «سياسة خارجية من أجل الطبقة الوسطى». ما هي مكونات البديل؟. أول هذه المكونات وقاعدتها الأساسية يتعلق بالداخل الأمريكي، ويطرح أنه إذا أرادت أمريكا تحقيق النجاح على المستوى الاقتصادي العالمي ومواجهة «التحدي الصيني»، يتعين عليها تكثيف استثماراتها في مجالات البنى الأساسية والبحث والتطوير والتعليم والرعاية الصحية. وعبر هذا الاستثمار ستتولد ديناميكية اقتصادية تشكل الطبقة الوسطى قوتها المحركة، ولن تتولد تلك الديناميكية من مجرد كثافة وتنوع الاستثمار بل من توازن وعدالة توجهاته بين القطاعات الأثنية والنوعية والدينية، وتأمين أجور عادلة للعاملين. وتشكل تلك الديناميكية الأساس القوي لمواجهة فقدان الأسواق أمام المنتجات الصينية داخليا وخارجيا، والقوة الدافعة للتوسع في الأسواق الخارجية. وثاني هذه المكونات تنحية سياسات الحرب التجارية والرسوم الجمركية، والاحتكام للقواعد المنظمة للنظام الاقتصادي الدولي مع تطويرها وجعلها أكثر عدالة، وبالتالي رفع القيود التجارية ومناهضة الحمائية. وسوف تؤدى سياسات الخروج من اتفاقيات التجارة الدولية ورفض الدخول في أخرى جديدة، إلى ترك مجال التجارة الدولية وتطوير قواعدها للآخرين، بينما أن أمريكا هي الأكثر تأهيلا لأداء هذه المهمة. ولكن على المدى القريب لن تدخل الرئاسة الجديدة في اتفاقيات تجارية جديدة، حتى تنهض عمليات الاستثمارات الداخلية ومعها تتأكد القدرة الأمريكية على المنافسة العالمية. وثالث هذه المكونات ما تدعوه المقالة ببناء جبهة عالمية متحدة ضد الصين. يقف في قلبها قوى التحالف الأطلسي، وهو ما يعني التحرك لتخطى الأزمات التي خلفتها سياسات ترامب داخله، وعلى رأسها مد نطاق الحرب التجارية لتشمل أوروبا. لكن التحالف يجب أن يتسع ليشمل كل قوى العالم الديمقراطية. والخلاصة أن هذا التحالف ليس مجرد تكتل ديمقراطي عالمي، بل أيضا تكتل اقتصادي قادر عبر ثقله على إلزام الصين وحلفائها باتباع معايير النظام الاقتصادي العالمي. ويستدعى المكون الثالث معه مفهوم التفاوض كآلية لبناء التوافقات وحل الخلافات، والمؤسسية الدولية كمؤسسات للتفاوض وإدارة المنازعات، وتتطلب سياسات إصلاحية متوافق عليها. ورابع هذه المكونات يتعلق بالسياسة الخارجية الصينية في مجالها الجغرافي القريب، وسنجد مادته الأساسية داخل برنامج الحزب. لا تمثل الصين تحديا عسكريا أساسيا، ولكن بعض سياساتها تجاه محيطها الجغرافي المباشر تمثل تهديدا مباشرا للمصالح الأمريكية. وفى هذا الصدد يؤكد البرنامج على حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي، ومناهضة ما يدعوه الترهيب الصيني في مياهه، ودعم الحق التايواني في الحل السلمي لمشكلة المضايق، ودعم الاستقلال الذاتي لهونج كونج في مواجهة تطبيق الصين لقانون الأمن القومى الجديد. وما هي وسائل المواجهة؟ رفع مستوى القوة العسكرية البحرية الأمريكية في الباسفيكي، وتعميق الروابط مع بلدان المنطقة الحليفة، واتباع سلوك حازم يجعل بكين تدرك عواقب أعمالها.
ومن الواضح إننا أمام تحول أساسي في منطق المواجهة الأمريكية للتحدي الصيني. مثلهم مثل الجمهوريون، يؤمن الديمقراطيون أنهم يواجهون مشكلة كبرى مع الصين، ولا يختلفون معهم جذريا في تحديد مكوناتها. ولكن بينما واجه ترامب المشكلة مواجهة السياسية أحادية، متصورا حلها عبر عدة معارك في مدى زمني قصير، يريد بايدن إدارتها بمنطق المواجهة التاريخية الجماعية، مقتنعا بأن كسبها سيحدث عبر تحولات هيكلية ومؤسسية عامة، وليس عبر معارك سياسية حادة ومتتالية. ويحمل هذا التحول مزيجا من التهدئة والتدرجية وجماعية الإدارة وروح المساومة والتوافق بين الخصوم. وهناك مؤشرات عديدة تخلق ظرفا سياسيا داعما لهذا التحول في نمط الإدارة. منها توفر درجة عالية من التفاعل مباشر بين بايدن ومساعديه والقيادات الصينية. وفقا لدانيل رسل المسؤول السابق في رئاسة أوباما، التقى بايدن مع الرئيس الصيني 8 مرات لمدة 25 ساعة، على مدى 18 شهرا فيما بين 2011 و2012. ومنها تخلى الصينيون عن قناعتهم القديمة أن الجمهوريين أكثر مرونة في سياساتهم الصينية. رصد المحللون الصينيون أن «قوة عمل» الكونجرس الخاصة بالصين والمعروفة بتشددها تجاه الصين، تتكون من 15 عضوا كلهم جمهوريون. كما رصدوا تصويت 229 ديمقراطيا لصالح قانون إدانه أشكال التمييز ضد الصينيين في سبتمبر 2020، مقابل تأييد 14 جمهوريا فقط. ومنها وعي الصينيين بعمق الانقسام السياسي في المجتمع الأمريكي بما يضفيه على القاعدة الديمقراطية في الكونجرس من هشاشة، وبتوافق الجمهوريين والديمقراطيين حول طبيعة التحدي الصيني، وكلا العاملين يدفعان لقدر من الاعتدال والتوافق في الإدارة الصينية للنزاع، دعما لموقف الإدارة الجديدة. ومنها قناعة بايدن والفريق المحيط بأن العلاقة مع الصين ليست تناقضية بالكامل، ووجود أرضية لتعاون حقيقي يحمل قدرا من الموازنة مع عوامل الصراع، مثل الموقف من قضايا المناخ وضبط التسلح النووي مشتركة. ومنها أخيراً موقف أغلب قادة الدول الآسيوية الحليفة من سياسات ترامب. في البداية تحمس قادة اليابان وكوريا واستراليا وغيرهم لتشدده مع الصين، لكنهم تدريجيا فقدوا الكثير من حماسهم نتيجة لاتباعه استراتيجية «نحن أو الصين»، ورفضوا سياساته التجارية والانسحاب الأمريكي من معاهدة الشراكة التجارية عبر الباسفيكى ومواقفه العدائية تجاه فيتنام والفلبين، ومن شأن هذا أن يجعلهم قوة مرحبة بسياسات بايدن الصينية.
