بين الأمان الوظيفي والحرية

حمدة بنت سعيد الشامسية
hamdahus@yahoo.com

يلجأ البعض لريادة الأعمال بهدف التحرر من قيود الوظيفة، وهو بلا شك أمر محمود، لكن أحيانا يتم تلميع الصورة بشكل مبالغ فيه لريادة الأعمال، الأمر الذي يجعل البعض يخاطر بترك وظيفته من أجل بدء مشروعه الخاص، فقط ليصطدم بواقع مختلف، بدءا من القوانين والأنظمة ، مرورا بالعمل المضني الذي يتطلبه المشروع في بدايته حتى يقف على رجليه، وانتهاء بربحية المشروع التي قد لا تتحقق منذ البداية، هنا يتكسر الحلم الذي رسمه الشاب لنفسه بترك الوظيفة، خاصة وأن الغالبية يلجئون للعمل لحساب أنفسهم، وهو بهذا ينتقل من سجن الوظيفة ليجد نفسه في سجن أكبر، وربما أصعب.
ذلك أن الفئة التي تلجأ للعمل الحر ترتفع عندها قيمة (الاعتماد على النفس) أكثر من قيمة (الحرية ) أحيانا، بالتالي هو يريد أن يكون الآمر الناهي في مشروعه، وهذا يجعله يقوم بكل العمل بنفسه، لأن لا أحد آخر يمكنه تنفيذ العمل بذات الجودة، لغياب الثقة أحيانا في الآخرين، خاصة وأن من يختار هذا النوع من العمل هم الاختصاصيون، ذوو المهارات العالية جدا، كالأطباء والمحاميين والمهندسين، الذين يعتقدون بأنهم الأفضل في مجالهم، وهم في الغالب كذلك.
لكن اعتماد المرء على ذاته بهذا الشكل، قد يشكل مخاطرة كبيرة حتى على حياته ، بسبب العمل لساعات طويلة ، يفقد أيضا التوازن بين الأسرة والعمل إذ يستغرق العمل جل وقته، وهذا العمل يحمل أكبر قدر من المخاطرة أيضا بسبب اعتماده عليه وحده، فتوقفه عن العمل يعني توقف دخله، أي دخل أسرته، هذا النوع من الناس لا يسمح لنفسه حتى أن يمرض، بمعنى أنه في أشد حالات مرضه ستجده يجاهد من أجل الذهاب للعمل، لهذا ربما يحتاج رائد العمل للتفكير بتوسعة عمله تدريجيا ليتحول إلى شركة، يسهم بها في خلق وظائف للمجتمع من حوله، وفي ذات الوقت يخفف الضغط عن نفسه، حتى يجد الوقت لحياته.
إلا إذا كنت سعيدا بذلك، وراضيا عن حياتك كصاحب عمل أو حتى موظف فابقَ حيث أنت، لأنه سيكون من الصعب عليك منح ثقتك للآخرين إذا كانت قيمة الاعتماد على النفس عالية عندك، بالتالي يصعب عليك تأسيس شركة، أيضا إذا كانت قيمة الأمان الوظيفي عندك عالية فسيكون من الصعب عليك ترك الوظيفة وتحمل مخاطرة العمل الحر، لذا من المهم جدا النظر إلى القيم التي تسير حياتك، لأن الناس ليسوا سواء، وما يناسبك قد لا يناسب غيرك.
وفي حال اتخذت قرار العمل الحر، يمكنك القيام بذلك تدريجيا، بدون أن تترك وظيفتك، لأنك ستحتاج إلى دخلك من الوظيفة في البدايات في حال كان مشروعك صغيرا، ويعتمد عليك وحدك للبقاء.