ما مكامن الداء في أزمات الأمة وتراجعاتها؟

عبد الله العليان –

الحديث عن الأزمات الكبيرة التي تعيش فيها الأمة منذ ما يزيد عن قرن، قائم ومتفاعل من خلال الكثير من البحوث والدراسات الفكرية والسياسية من عدة عقود، حول ما هو المخرج مما نعيش فيه؟
لكن كل هذه الدراسات والنقاشات والحوارات، لم تحرك ساكنا في هذه الأزمات المستعصية التي لا تزال تزيد ولا تنقص! فالبعض من الباحثين يرى أن العقلية العربية الساكنة في الماضي، وفي الجذور القديمة التي تعيد إنتاج تلك الأفكار ولا تخرج منها، هي التي تقف حاجزا أمام النهوض والتقدم الذي تنشده الأمة وتتطلع إليه، وهذه الرؤية تبناها الأكاديمي البحريني د. محمد جابر الأنصاري، وطرحها في بعض مؤلفاته، ومن هذه المؤلفات(تكوين العرب السياسي..

ومغزى الدولة القطرية)، وكتاب (التأزم السياسي عند العرب وموقف الإسلام) وكتاب (العرب والسياسة: أين الخلل؟)، والبعض الآخر من الباحثين، يرى أن العقل العربي من العوامل الأساسية التي تراجعت فيه الأمة عن التقدم والنهضة، وهذا العقل لا بد من نقده ـ وكشف ما يعيقه من سلبيات وارتباكات سياسية وفكرية، للخروج من التراجعات والعوائق التي أسهمت فيما نحن فيه منذ ما يعرف بصدمة الغرب، أو الاحتكاك بالنهضة الأوروبية، وهذا الرأي تبناه المفكر المغربي د. محمد عابد الجابري في مشروعه الشهير في نقد العقل العربي بأجزائه الأربعة.
والبعض الآخر من الباحثين المتأثرين بالنهضة الغربية، يرون أن الحل فيما نحن فيه، أن علينا أن نتبع الغرب ونقلده، فيما سار عليه حذوا بحذو، الإيجابي منه والسلبي من أجل أن نكون مثله من خلال الالتحاق به ونسير سيرته، ونعمل قطيعة من تراثنا ونجاوزه، إن أردنا أن ننهض وننطلق كما كان العالم الغربي، وهذا الرأي يتبناه الأكاديمي د.عبد الله العروي، والبعض من الباحثين ممن درس أغلبهم في الجامعات الغربية، والبعض الآخر يرى الحل في النظم الاشتراكية الثورية، وتطبيق الحزب الواحد والدولة الشمولية، التي تمسك فيها الحكومة بمفاصل الدولة، بكل صغيرة وكبيرة، من خلال حكم الفرد الواحد والحزب الواحد، ويأكل الشعب وينام، ولا دخل له بأي شيء من أمور الحياة، فالدولة هي التي تقوم نيابة عنه، وهذه الأفكار اتجه لها بعض من الباحثين اليساريين في بعض بلادنا العربية، لكن هذه النظم التي طبقت فيها النظرية الاشتراكية بعيوبها ومنطقاتها، لم تحقق نجاحا لأنها مجرد نقل للفكرة من خارج الحدود، دون النظر للواقع وأثره في مواجهة القيم المستقرة، ويكفي أن الكتلة الاشتراكية في شرق أوروبا نفسها، منبع هذه الأفكار، تساقطت تباعا، وألغت الحزب الواحد، واتجهت لتطبيق النظام الليبرالي، مع بعض التعديلات الطفيفة، والسماح للتعددية الحزبية.
لكن العديد من الباحثين العرب والمسلمين، كانت لهم رؤيتهم الفكرية تجاه أزمات وتراجعات الأمة وما تبعها من حركات الإصلاح التي حاولت طرح ما ينبغي أن نقوم به للخروج من المأزق، لكن عوامل عديدة وقفت ضدها منها الاحتلال، ولا شك الأزمة كانت لها أسبابها السياسية والفكرية، التي أسهمت في هذا التراجع والحديث عنها واسع ومتعدد الرؤى، لكن من العدل والإنصاف أنه لا دخل للعقل العربي، أو العقل الإسلامي، أو الجذور أو التراث في واقعنا منذ ما قبل الاحتلال الأجنبي للبلاد العربية، أو ما بعده، هو السبب في ما جرى للأمة، فهذا العقل العربي الإسلامي منذ العصور الأولى للإسلام، أسس حضارة كبيرة استفاد منها الغرب نفسه في نهضته، وهذه الوقائع اعترف بها بعض الباحثين الغربيين، ومنها مؤلفات تحدثت عن أثر الحضارة العربية / الإسلامية على الغرب وحضارته المعاصرة، وهذا يبرز أن العقل العربي قادر على الاستجابة واستلهام كل العلوم والإضافة إليها، وهم في ذلك الوقت اقرب إلى العقل البدوي أو جذور القبيلة، بعد أقل من قرن على ظهور الإسلام.
ومن هؤلاء الذين أصبحت أحاديثهم ناضجة بالطرح العقلاني والمنطقي، والناقدة للأطروحات الفكرية التي ناقشت الأزمات والتراجعات، المفكر والفيلسوف د. طه عبد الرحمن، والمفكر د.عبد الوهاب المسيري، د. محمد عمارة، وغيرهم من المفكرين الذين طرحوا الكثير من الآراء التي تناقش حالة الأمة، لانتشالها من واقعها وظروفها، وليس تبني الأفكار والنظريات الاستشراقية، التي كانت لها مرئيات أخرى تجاه واقعنا، وهي التي في نفس الوقت، سبقت الحملة الاستعمارية لاحتلال البلاد العربية، وساهم هذا الاحتلال في التخلف والتشرذم والتراجع على كل المستويات.
وفي هذا الجانب يرى د. برهان غليون في كتابه (المحنة العربية الدولة ضد الأمة) أن ـ «استخدام المفاهيم والمقولات الحديثة مثل الأمة والطبقة والحزب والفرد والقانون، في الحديث عن السياسة في المجتمع العربي والإسلامي المعاصر. ومن آثار هذه النزعة وتفرعاتها أيضا العودة بمناهج في المجتمعات الإسلامية والعربية إلى المذاهب الاستشراقية التقليدية المتمحورة حول الفيلولوجية، واستنتاج سلوك المجتمعات وممارستها التاريخية ونشاطها، وصراعاتها وتناقضاتها، من المصطلحات والمفردات وما تخفيه من معان متنوعة، متناسقة أو متناقضة، وجعل الكشف عن محتواها المعجمي الكلاسيكي، المدخل الرئيسي إلى فهم سلوك العرب السياسي الحاضر وإدراك مغزاه».
ويستطرد د. غليون في فقرة أخرى من تعليقه، وكأنه يشير إلى آراء د. محمد جابر الأنصاري التي طرحها عن ظاهرة «اللادولة» في القسم الأول من كتابه (التأزم السياسي عند العرب) «مدلول أزمة المصطلح» فيقول: وهكذا حاول أن يفسر البعض مشاكل الدولة العربية الحديثة وضعف بنيتها المؤسسية من خلال إرجاع مفردة الدولة إلى مصدرها المعجمي وهو دال، أي تغيّر. ويستنتج من ذلك سلوكا عاما ولا تاريخيا ثابتا للعرب في علاقتهم بالدولة هو النظر إليها كتغيّر وليس كثبات، ويكتشف بالتالي سبب غياب مفهوم المؤسسة ووجودها معا في ممارسة السلطة».
والحقيقة أنني استغرب من هذه الاستنتاجات التي طرحها البعض لواقعنا العربي في العصر الحديث، وتجاهل أخطاء الزعامات والنخب السياسية العربية، التي امتلكت الفعل والقرار واتخاذه، في الوقت الذي تم تغييب الشعوب من المشاركة في هذا القرار السياسي أو ذاك سواء عبر المؤسسات البرلمانية التي همّشت من الفاعلية الديمقراطية، أو غيرها من مؤسسات المجتمع المدني التي كان من الممكن أن تلعب الدور الإيجابي، لو كان لها صوت مسموع، لا مقموع في المجتمع، هذا بافتراض وجود مثل هذه المؤسسات.
ولا شك أن البعض ممن تحدث عن وضع الأمة، يركز دائما على مشكلاتها من منظور الآخر المختلف وليس من الواقع ذاته وما ينبغي إصلاحه، لكنه يحلل وينقد وفق نظرة الآخر وواقعه ونظرته، ويرى أنه إذا أرادت الأمة أن تصل إلى ما وصل إليه الغرب، أن تتجه للتقليد السلبي والاستهلاك، وليس إلى الإبداع، من خلال المناهج العلمية وطرق الاستفادة منها في النهوض العلمي والتكنولوجي، وهذا ما فعلته اليابان، والصين، وكوريا، وماليزيا، وآخرها الهند التي بدأت في الانطلاق التكنولوجي، وهذا هو الأمر الجدير بالتقدير والاحترام إذ ما أردنا الانطلاق الصحيح للتقدم والنهوض، ومع أن تلك الدول لم تتخل عن قيمها وتراثها وتقاليدها الموغلة في القدم، ونجحت حتى في منافسة الغرب في الصناعات المهمة المتعددة، ومن الدول الإسلامية التي تعتبر صاعدة تكنولوجيا بشكل كبير ومتنام، تركيا الراهنة، التي أصبحت من الدول التي يشار إليها بالبنان في التقدم العلمي والتقني، والنهوض الاقتصادي.
أمتنا بحاجة للخروج من أزماتها المختلفة، السياسية منها والفكرية والاقتصادية، أن تتجه إلى المراجعة الجدية، والى رؤى أكثر واقعية تجاه مطالب الشعوب، التي تتطلع إلى الديمقراطية الصحيحة، والى الرؤى المنطقية في القضايا الملتبسة والمعقدة للخروج من هذه الأزمات وإزاحتها من الصدارة، دون أن تقمع شعوبها ودون أن تستمر في الممارسات الخاطئة في إقصاء الرأي الآخر المختلف، لأن هذه المواقف والسياسات لن تحقق للأنظمة الاستقرار أو النهوض أو النجاح، في غياب الحريات واستمرار التعسف والقمع والإقصاء.