نوافذ :ردم الفجوات

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

فجوات كثيرة تفصل بين ضفتي النهر، وعلينا اجتيازها، سواء باجتهادنا الشخصي؛ بما نملكه من أدوات معرفية، أو مادية، أو معنوية، أو بمساعدة الآخرين لنا، والذين هم؛ في المقابل؛ ينتظرون منا مساعدتهم، فحالات التعاون لا بد لها من اجتياز أية فجوة فاصلة بين ضفتين، حيث مشروع الحياة يبقى ويستمر، ولذلك تشهد الحياة هذا الارتقاء، وهذا النجاح، وهذا الإنجاز في مجالاتها المختلفة.
يذهب الفهم هنا أكثر إلى أن لكل بداية نهاية، وأن أي أمر في حياتنا لا بد أن يقع بين نقطتين محوريتين، وتجسير الفجوة بينهما ليس من الأمر اليسير، فلا بد أن تكون هناك مغالبة، ومجاهدة، وتضحية، وإلا سوف نتموضع في أماكننا، ولن نبرحها، وبذلك سوف تتعطل مشاريع الحياة اليومية، وهي المشاريع التي لا بد أن تستمر لتبقى الحياة كما يريدها كل منا، ولو بمستوى نسبي يرضي هذا الطموح الذي يغلي بين جوانب أنفسنا التي نشعر.
فـ (ردم الفجوات) يستلزم الكثير من الاستعداد، فتحقيق الغايات ليس بالأمر الهين، فما بين الجهل والعلم ثمة فجوة عميقة تحتاج إلى الكثير من المجاهدة والتضحية، والسهر، والسفر، وما يصاحب ذلك كله من مشقات لا أول لها ولا آخر، وما بين الفقر والغنى فجوة أخرى، لا تكون بأقل من سابقتها من حيث الجهد، والبلاء، والمجاهدة، والمرور بعقبات الخسارة والخسارة، حتى الوصول إلى الربح اليسير في مراحله الأولى. هنا من يستعذب مفهوم «ولد وفي فمه ملعقة من ذهب» وشخصيا لا أخال أن الأمر بهذه البساطة، والواقع يقول إنه من وقع في فخ هذه المفهوم سريعا ما سلم هذه الملعقة في أقرب مكان للتخلص منها، وعاد ليجر أذيال الخيبة، فالجفوات ثمنها غال، وهذا الغلاء لن يتجاوزه إلا من عض على ملعقة الخشب أولا؛ ليصل إلى ملعقة الذهب، والتاريخ يكتب بأحرف من نور لوقائع وقصص من رمتهم الحياة خارج دوائرها المغلفة، ولسبب بسيط أنهم ظنوا بدوام حال ملعقة الذهب التي ولدوا على ذائقتها، فإذا بحال هذه الملاعق الذهبية تكسوها مرارة الصدأ. لذلك يظن؛ مخطئا؛ من ينتظر غيره؛ بصورة مطلقة؛ ليردم عنه فجوات أحوال الأيام وظروفها القاسية، فـ «ليس الفتى من يقول كان أبي؛ بل الفتى من يقول ها أنا ذا» فمساحة أحدنا الآمنة تبقى هي المساحة المشرعة التي ننتصر فيها؛ بجهودنا الصادقة، في النضال، والبذل، والعطاء، حيث نستعذب طعم الحياة النقي، ولذلك قيل في المثل: «ما أحد يربي ولد غيره».
نعم؛ قد نتفق أن هناك من يقفون عاجزين عن الوصول إلى الطرف الآخر من الضفة، وهنا يمكن أن نسلم لأمر آخر، وهو أنه ليست كل الضفاف هينة الوصول إليها، ولذلك غرق الكثيرون ما بين الضفتين، فالوسائل المتاحة لا تكفي، وهذا ما يعيدنا إلى مفهوم الأخذ بالأسباب، وليست كل الضفاف متاحة للوصول إليها بنفس مستوى الوسائل، وإلا تساوى الجميع، وهذا يغالط مفهوم الحياة القائم على التباين في المواقف، والمواقع، وهذه من حكم الله في خلقه، وهذا الأمر؛ يقينا؛ لا يحد من الطموح، للوصول للأفضل، فالطموح مشروع متاحة أسبابه للجميع بلا استثناء.
في (ردم الفجوات) الكثير من القلق، والكثير من الارتباك والكثير من التصادم، والكثير من التعاون، والكثير من التكافل، والكثير من التوافق، فالفرد كائن اجتماعي، واجتماعيته هذه هي التي تدفع به نحو اجتياز كل الصعاب لتجاوز تموضعه، أو مربعه الأول، إلى المربع المنجز المحقق للطموحات والآمال، ومن استشعر بشيء من هذا، فلن يستطيع أي مخلوق أن يقف دون تحقيقه لما يريده ويتمناه، فقط أن يبقى شرف المحاولة، والنظر في المسافة الفاصلة للمرحلة والتي يليها على أنها امتحان يمكن تجاوزه بالعزيمة والإصرار.