هوامش…ومتون: حياة صاخبة وموت هادئ

عبدالرزّاق الربيعي

في يوم 9 نوفمبر 2016 كنت في قلب الصحراء المغربية أشارك المحتفلين فعاليات المسيرة الخضراء التي انطلقت بمثل هذا التاريخ من عام 1975 بعهد الملك الحسن الثاني بعد مطالبات بأحقية المغرب بالصحراء، وأيد السكان حصولهم على الاستقلال من إسبانيا، عبر مسيرات سلمية، وصار أبناء “العيون” يحتفلون كل عام بمثل هذا اليوم بالمناسبة، ولكن قبل ذهابنا للصحراء أبلغنا بالاتجاه لمطار الحسن الأول لاستقبال أحد كبار الضيوف، فذهبنا، وحين وصلنا سألنا عن ذلك الضيف الذي خرجت “العيون” عن بكرة أبيها لتستقبله يتقدمهم واليها، وقد خلع الزي العسكري الذي كان يرتديه خلال حضوره الاحتفالات الشعبيّة على جناح السرعة، وارتدى بدلة أوروبية، في إشارة إلى أن تلك الشخصية ليست رسمية، ووقفنا معه في صف واحد لتحية الضيف، الذي لم يكن سوى اللاعب مارادونا، كان الخبر مفاجئا لنا، نحن الذين كنّا نشارك في مهرجان شعري، لكن ما العجب؟ ألم نصفّق كلنا لمارادونا الذي قال عنه الشاعر محمود درويش عقب انتهاء كأس العالم 1986″الفرد ليس بدعة في التاريخ”، فمارادونا ليس بدعة، إنّه أسطورة بـ “قدمين معجزتين”، ألم يعترف بأنه سجل هدفا بلمسة يده، ولم يكن مضطرّا، لكن الضمير الحيّ اقتضى منه ذلك شاكرا الحكم الذي لم يكن منتبها عند حدوث خطأ اعتبره عناية إلهية، وحين سئل إن كان قد أحرز الهدف برأسه؟ أم بيده؟ أجاب إجابة شعرية: “نصفه برأسي ونصفه بيد الله”!! هذا هو مارادونا المشاكس، الطفل، الذي تلاحقه الفضائح، ويقابلها بسخرية، بلحمه وشحمه، يأتي لينضمّ إلى موكبنا، واحتفالنا بالصحراء المغربية. قبل لحظات من هبوط الطائرة التي تحمل على متنها الأسطورة، تساءلت مع نفسي: ماذا يحدث لو حصل مكروه للطائرة، هل نعلم أيّ خبر مدوّ سيخرج من الصحراء المغربية للعالم؟ ولم يدم شرودي طويلا، فقد وقفت الطائرة على بعد أمتار منّا، ونزلت الأسطورة من سلّم الطائرة، نزل التاريخ الذي ترويه المستطيلات الخضر، في أعظم تجل من تجلياتها، نزلت قلوبنا معه، مع ذلك كان كل شيء بسيطا، فمارادونا الذي كان يرتدي تي شيرت أسود وسروالا قصيرا، بدا كأنه خارج في نزهة قصيرة، قطع الطريق من الطائرة إلى حيث نقف بخطوات سريعة كأنّه يلاحق كرة في ملعب، تقدّم الوالي للترحيب به، تبعناه، وخرجنا من المطار الصغير لنجد المكان، وقد اكتظّ بالمستقبلين الذين حمل بعضهم الأعلام، وصور الملك، وإلى جانبها صوره، رفع يده لتحيتهم، صعدنا في السيارات، لنتّجه إلى الصحراء، وجدنا هناك كلّ شيء قد أعدّ لتناول وجبة الغداء داخل الخيام، وسط الأغاني، والموسيقى الشعبية، وبعد انتهاء الغداء، وقف مارادونا بقامته القصيرة ليلقي كلمة عبّر من خلالها عن سعادته بتدريب وحضوره مباراة تقام بالمناسبة، وقال” أحب كثيرا الصحراء المغربية، فالمغرب بلد رائع” ثم شارك المحتفلين الرقص، والغناء، لكننا لم نحضر تلك المباراة، لأن موعد عودتنا للدار البيضاء كان قد أزف، مثلما أزفت ساعة رحيله عن عالمنا حين حضر ملك الموت، ومضى مستصحبا معه روح البطل، صانع الألعاب، صديق رؤساء الدول، وكبار الأدباء، “مالئ الدنيا وشاغل” وسائل الإعلام بأخباره، الساحر الذي “أجج فينا عطش الحاجة إلى بطل نصفّق له ندعو له بالنصر، نعلّق له تميمة، ونخاف عليه، وعلى أملنا فيه من الانكسار”، كما وصف درويش، مارادونا الذي بعث حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – أبقاه الله- برقية تعزية ومواساة لفخامة الرئيس الأرجنتيني ألبرتو فرنانديز، برحيله، البطل الذي لم يتردد في خدمة المجتمع، ومنها مشاركته في مزاد خيري لمحاربة كورونا، ومساعدة المتضررين منه، كما نشرت وكالات الأنباء في ٢٧ أبريل الماضي. ورغم الضجة التي أحدثها في الملاعب، وخارجها مات “موتا هادئا “كما توقع، تاركا كلمات أوصى أن تكتب على قبره هي “شكرا لك كرة القدم، أنت الرياضة التي أعطتني أقصى درجات الفرح، والحرية أنت بالفعل مثل لمس السماء باليدين، شكرا لك، هذا ما كنت أريد أن يوضع شاهدا على قبري”، وهو لا يدري أنه أعطانا بدوره أقصى درجات الفرح”، وجعلنا نلمس السماء “بألاعيب قدميه، ولكن هل ستنتهي أسطورته عند هذا الحدّ؟ لا أظن، فمثل مارادونا ستكبر أسطورته يوما بعد آخر، والصخب الذي رافق حياته، سيظلّ يلاحقه ولن يتركه يتنعم بموت هادئ!