هدية مُفَخَّخة من نتانياهو لبايدن

جيرشوم جورينبيرج – واشنطن بوست
ترجمة قاسم مكي –

يبدو تَلُّ «جيعفات هماتوس» موقعا عقاريا ممتازا. ثمة شجيرات شوكية قصيرة ونفايات تغطي التل عند الطرف الجنوبي للقدس. وهناك هياكل علاها الصدأ لشاحنة «بيك آب» وعربة مقفلة «فان» وسيارة على منحدر، و«نَوَّاسة» وأرجوحتان بجوار بيوت متنقلة هي آخر ما تبقي من معسكر إيواء مؤقت شيّد قبل 30 عاما خلال إحدى موجات الهجرة إلى إسرائيل.
بالنسبة للعقار، الموقعُ كلُّ شيء. وفي السياسة، التوقيتُ بالغ الأهمية. هذا الشهر الموقع والتوقيت اقترنا في جيعفات هاماتوس. فالوكالة الحكومية الإسرائيلية التي تملك الأرض نشرت دعوة لتقديم عطاءات من المطورين العقاريين لبناء أكثر من 1200 شقة على التل. وتقرر أن يكون آخر موعد لتسليم العطاءات 18 يناير. أي قبل يومين من تولي جو بايدن رئاسة الولايات المتحدة. هذه الخطوة استغلال طائش لأيام الرئيس ترامب الأخيرة في السلطة وهدية تنصيب مفخخة لبايدن من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو.
جيعفات هاماتوس تعني بالعبرية «تل الطائرة» وأطلق عليه هذا الاسم عندما سقطت به طائرة إسرائيلية بنيران القوات الأردنية أثناء حرب الأيام الستة في يونيو 1967. وبعد الحرب ضمت إسرائيل جزءا من أرض الضفة الغربية بما في ذلك القدس الشرقية والمناطق الريفية المجاورة مثل جيعفات هاماتوس وأضافتها كلها إلى بلدية القدس الإسرائيلية.
من الجانب الشمالي للتل يمكنك أن تشاهد معظم القدس. وإلى الجنوب توجد مدينة بيت لحم الفلسطينية في الضفة الغربية. أما إلى الشرق والغرب فهناك مستوطنتان يهوديتان كبيرتان شيدتهما إسرائيل على أرض ضمتها إلى أراضيها. ستغلق أعمال البناء في جيعفات هاماتوس الفجوة بين هاتين المستوطنتين وستكمل البنايات العالية الجديدة بها جدارا من المساكن الإسرائيلية التي ستفصل بيت لحم وجنوب الضفة الغربية عن القدس الشرقية والمواقع المقدسة في المدينة القديمة. يتَّسق مشروع التشييد في جيعفات هاماتوس مع نموذج إنشاءات إسرائيلية طويل الأمد في القدس وحولها. والقصد منه فصل القدس الشرقية وتفكيك الضفة الغربية بحيث يستحيل إيجاد دولة فلسطينية على أرض موحدة (غير مقسمة) جغرافيا.
ليس هناك شيء خفي بشأن هذه الأجندة. ففي مقال نشره عام 2018 مركز القدس للشؤون العامة المحافظ، ذكر الباحث اليميني ناداف شراغاي أن البناء في جيعفات هاماتوس سيمنع تقسيما ثانيا للقدس ويحول دون تحقيق الهدف المستقبلي «للفلسطينيين» في جعل «القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية».
وصف شراغاي جيعفات هاماتوس، وهو مصيب في وصفه، بأنها «حي استراتيجي». فالوحدات السكنية هناك أسلحة في معركة سياسية. والهدف الإستراتيجي لنتانياهو واليمين الإسرائيلي هو الإبقاء على الضفة الغربية والفلسطينيين الذين يعيشون هناك تحت الحكم الإسرائيلي الدائم. ولا يرى اليمين ثمنَ ذلك في انتهاكِ حقوق الإنسان ونتيجتِه المرجحة جدا في الأجل الطويل وهي إيجاد دولة واحدة يشكل فيها اليهود أقلية. لقد أمكن لنتانياهو تجاهل الانتقاد الداخلي ولكن ليس الضغط الدولي خصوصا من واشنطن. وكانت سلطات التخطيط الإسرائيلية قد وافقت مبدئيا على البناء في جيعفات هاماتوس في عام 2014. وردَّت إدارة الرئيس باراك أوباما على ذلك بصرامة. وقالت وزارة الخارجية الأمريكية أن بناء المستوطنة سيُبعِد إسرائيل حتى من أقرب حلفائها.» كما أنه «يشكك في التزام إسرائيل المطلق» بالتفاوض حول السلام مع الفلسطينيين». من جانبها، عارضت الحكومات الأوروبية الخطة ولا تزال تعارضها.
والآن طلبت سلطات الأراضي الإسرائيلية فجأة تقديم عطاءات لبناء جيعفات هاماتوس. ظاهريا، البتُّ في زمان ومكان تشييد البنايات السكنية من اختصاص سلطات أدنى كثيرا في التراتبية من رئيس الوزراء. لكن في الواقع، وكما أخبرني دانييل سايديرمان، الخبير الإسرائيلي بسياسات القدس الشرقية، «لايمكن أن يحدث ذلك بدون علم وموافقة نتانياهو».
التوقيت مُتَعمَّد. «هذه الأيام فرصة لن تتكرر» هذا ما كتبه ميكي زوهار، رئيس الائتلاف الحاكم في الكنيست، على تويتر مغردا (أو متبجِّحا) بعد إعلان مديرية أراضي إسرائيل. فمن جهة يستغل نتانياهو فترة الانتقال الأمريكية حيث تبدو إدارة ترامب على استعداد لقبول أجندة رئيس الوزراء الإسرائيلي بجدِّية أكثر، قياسا بأي وقت مضى. ومن جهة أخرى يوجد نتانياهو مشكلة لبايدن من أول يوم يتولى فيه الرئاسة. فإذا بعث بايدن برسالة قوية ضد خطة البناء في جيعفات هماتوس يمكن أن يأمر نتانياهو المسؤولين البيروقراطيين المعنيين بوقف تنفيذها. لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي قد يرحب بمواجهة علنية (بينه وبين بايدن). فكما كانت هي الحال في أثناء سنوات أوباما سيقول لقاعدته الإسرائيلية أنه أفضل من يقف في وجه إدارة ديمقراطية معادية.
ومع وجود العديد من المشاكل التي تنتظر بايدن قد يميل إلى تأجيل التعامل مع تحدي نتانياهو. لكن إذا تجاهل بايدن جعفات هماتوس قد يذهب نتانياهو إلى أبعد من ذلك ويعجِّل بتنفيذ مشروع البناء الاستيطاني في المنطقة إي- 1 (شرق واحد) الذي توقف منذ فترة طويلة. وفي حال تنفيذه سيربط القدس بمستوطنة معاليه أدوميم إلى الشرق منها. إذا أراد بايدن استعادة سياسة أمريكية معقولة تعمل من أجل حل الدولتين سيلزمه إبلاغ نتانياهو في وضوح ودون أي لبس بعدم تشييد جيعفات هماتوس. وإذا أمكنه أن يفعل ذلك في هدوء وتجنب دراما علنية تخدم نتانياهو سياسيا فذلك أفضل. الرئيس المنتخب ليس هو الذي اختار زمان ومكان هذه المعركة. لكنه لا يستطيع تجنبها.