قصة رئيس أمريكي في جامعة القاهرة

فصل من مذكرات أوباما –
باراك أوباما –
ترجمة – أحمد شافعي –

عقب تنصيب باراك أوباما رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية، كان عليه أن يفي بعهد انتخابي بتوجيه خطاب إلى العالم الإسلامي، وانتهى أوباما وفريقه إلى أن تكون جامعة القاهرة هي المنصة التي يوجه من خلالها هذا الخطاب.
أثار الخطاب في حينه اهتمامًا كبيرًا في دوائر عديدة. في كتاب سيرته الصادر حديثا بعنوان «أرض ميعاد»، يخصص أوباما فصلًا يتناول فيه خلفية هذا الخطاب، بدءًا بكتابته، وحتى الانتهاء من إلقائه، ملقيًا الضوء على زيارته للمملكة العربية السعودية ومصر ولقائه بزعيميهما الملك عبدالله وحسني مبارك، في ما يلي مقتطفات وافية من هذا الفصل:
بدلًا من الاستمرار فيما بدا للعالم أشبه بحفنة من قرارات السياسة الخارجية ضيقة الأغراض، قررنا أن ألقي خطابين متصلين بجهودنا في مكافحة الإرهاب. الأول منهما، ويوجَّه بالدرجة الأساسية للاستهلاك المحلي، يؤكد أن الأمن الوطني الأمريكي بعيد المدى يعتمد على الإخلاص لدستورنا ولسيادة القانون، ويقر بأننا في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر عجزنا في بعض الأحيان عن الإيفاء بهذه المعايير ويوضح كيف ينبغي لإدارتي أن تتعامل مع مكافحة الإرهاب في المستقبل.
والخطاب الثاني، المجدول إلقاؤه في القاهرة، يتوجَّه إلى جمهور عالمي، وإلى مسلمي العالم على وجه الخصوص. كنت قد تعهدت خلال الحملة بإلقاء خطاب كهذا، وبرغم أن كل ما كان يجري في فريقي آنذاك كان يشير إلى إلغائه، قلت لرام [ رام إيمانويل كبير العاملين في البيت الأبيض آنذاك]: إن الانسحاب ليس خيارًا مطروحًا. قلت: «إننا قد لا نغير المواقف العامة في تلك البلاد بين عشية وضحاها، لكننا لو لم نتعامل مباشرة مع مصادر التوتر بين الغرب والعالم الإسلامي، ونوضح كيف يمكن أن يكون شكل التعايش السلمي، فسوف نظل نخوض حروبًا في المنطقة طول السنوات الثلاثين التالية».

للمساعدة في كتابة الخطابين جنَّدت المواهب الهائلة لكل من بن رودس ـ البالغ من العمر واحدًا وثلاثين عامًا والمسؤول عن كتابة خطاباتي في مجلس الأمن الوطني والذي سرعان ما ستجري ترقيته إلى نائب مستشار الأمن الوطني لشؤون الاتصالات الاستراتيجية. ولو أن برينان [جون برينان مستشار الأمن الوطني ثم مدير المخابرات المركزية الأمريكية في ظل أوباما] كان يمثل شخصًا قادرًا على العمل كوسيط بيني وبين جهاز الأمن الوطني الذي ورثته، فقد كان بن يربط بيني وبين ذاتي الشبابية الأكثر نزوعًا إلى مثالية.
نشأ في منهاتن لأم يهودية ليبرالية وأب من تكساس يعمل في المحاماة، وقد عمل كلاهما في الحكومة في عهد ليندن جونسن، أما هو فكان يدرس لماجستير الكتابة القصصية في جامعة نيويورك حينما وقعت أحداث 11/ 9.
وبدافع من الغضب الوطني، توجه بن إلى العاصمة بحثًا عن طريقة يقدم بها خدماته، فعثر أخيرًا على وظيفة مع لي هاملتن عضو الكونجرس السابق عن إنديانا وساعده في كتابة تقرير مجموعة دراسة العراق المؤثر سنة 2006.
قصيرًا، ناحل الشعر قبل الأوان، ذا حاجبين داكنين دائمي التقطيب، وجد بن نفسه ملقى في عرض اليم، إذ طلب منه فريق حملتنا قليل العدد على الفور أن بعد أوراق تقدير الموقف، والبيانات الصحفية، والخطب الكبرى. ولم يخل الأمر من بعض الآلام: ففي برلين على سبيل المثال صادف هو وفافس [جون فافرو كبير كتبة الخطابات في البيت الأبيض في عهد أوباما] عبارة ألمانية جميلة ـ هي «مجتمع المصير» ـ لتربط بين نقاط الخطاب الكبير الوحيد الذي ألقيته على أرض أجنبية قبل انتخابي، لنكتشف قبل سويعات من موعد صعودي إلى المنصة أن العبارة استعملت في أحد أوائل خطب هتلر أمام الرايخشتاج. (ربما لا يكون هذا هو التأثير الذي تبحث عنه) كذلك قال [مساعدي الشخصي] ريجي لاف بينما انفجرت ضاحكًا واحمرَّ وجه بن احمرارًا ساطعًا). على حداثة سنه، لم يكن بن يخجل من تقييم السياسة أو مناقضة مستشاريَّ الذين يكبرونه، بذكاء حاد وجدية عنيدة لم يكن يخفف من وقعهما إلا ظرف وسخريته من نفسه وحس تهكمي مضبوط. كانت لديه حساسية كاتب، شاركته فيها، فكانت أساس علاقة لا تختلف عن التي أقمتها مع فافس: كان يمكن أن أقضي ساعة مع بن أمليه حججي في موضوع واثقًا في أنني سوف أحصل على مسودة في غضون أيام قليلة بعدها لا أجد فيها صوتي فقط بل أجدها فيها ما هو أكثر جوهرية: أعني رؤيتي الأساسية للعالم، وقلبي نفسه في بعض الأحيان.
انتهينا معًا من خطاب مكافحة الإرهاب بسرعة نسبية، برغم أن بن أنهى إليَّ أنه كلما بعث المسودة إلى البنتاجون أو السي آي آيه لاستطلاع رأيهم، رجعت المسودة وفيها مواضع تحرير، وخطوط حمراء تحت أي كلمة أو مقترح أو توصيف يرون فيه شبهة إثارة للجدل أو انتقاد لممارسات مثل: التعذيب، وأعمال ليست في غاية اللطف قام بها أهل المهنة الذين جاء كثير منهم إلى واشنطن مع إدارة بوش. طلبت من بن أن يتجاهل أغلب اقتراحاتهم. وفي الحادي والعشرين من مايو ألقيت الخطاب في مؤسسة الأراشيف الوطنية واقفًا بجوار أصول إعلان الاستقلال والدستور وقانون الحقوق، تحسبًا لعدم فهم أي شخص داخل الحكومة أو خارجها للمغزى.
كان «خطاب المسلمين» -كما صرنا نسمي الخطاب الكبير الثاني- أكثر مراوغة. بعيدًا عن رسومات الإرهابيين ومشايخ النفط السلبية المتاحة في نشرات الأخبار أو في الأفلام، لم يكن أغلب الأمريكيين يعرفون الكثير عن الإسلام. في الوقت نفسه كانت استطلاعات الرأي تكشف عن اعتقاد المسلمين في العالم بأن الولايات المتحدة معادية لدينهم، وأن سياستنا في الشرق الأوسط قائمة لا على مصلحتنا في تحسين حياة الشعوب بل على الحفاظ على استمرار إمدادات النفط وقتل الإرهابيين وحماية إسرائيل.
في ضوء هذا الانقسام قلت لبن: إن تركيز خطابنا لا بد أن ينصب بقدر أقل على إيضاح معالم السياسات الجديدة وبقدر أكبر على مساعدة الجانبين في فهم كلٍّ الآخر.
كان معنى ذلك هو الاعتراف بالإسهامات الاستثنائية التي قدمتها الحضارات الإسلامية في تطوير الرياضيات والعلوم والفن والاعتراف بالدور الذي قام به الاستعمار في بعض صراعات الشرق الأوسط القائمة. كان معناه الاعتراف بلامبالاة الولايات المتحدة من قبل بالفساد والقمع في المنطقة، واشتراكنا في الإطاحة بحكومة إيران المنتخبة ديمقراطيًا خلال الحرب الباردة، وكذلك الاعتراف بالمذلات القاسية التي يحتملها الفلسطينيون المقيمون في المنطقة المحتلة. تصورت أن الاستماع إلى رئيس الولايات المتحدة وهو يتفوه بهذا التاريخ الأساسي كفيل بجعل كثير من الناس يندهشون، وربما بأن يفتح أذهانهم على حقائق قاسية أخرى من قبيل أن: الأصولية الإسلامية التي سيطرت على كثير من العالم الإسلامي لا تتسق مع الانفتاح والتسامح اللذين يقوم عليهما التقدم الحديث، وأن القادة المسلمين في كثير من الأحيان يتحاجون بالمظالم التي تسبب فيها الغرب لإلهاء شعوبهم عن إخفاقاتهم، وأن الدولة الفلسطينية لن تتحقق إلا من خلال التفاوض والتسوية لا التحريض على العنف ومعاداة السامية، وأنه ما لمجتمع أن ينجح بحق وهو يمارس قمعًا ممنهجًا على نسائه.
*
كنا لم نزل نعمل على الخطاب حينما هبطنا إلى الرياض بالسعودية، حيث كان مرتبًا لي أن ألتقي بالملك عبدالله بن عبدالعزيز عاهل الحرمين الشريفين (بمكة والمدينة) وأكثر الزعماء نفوذًا في العالم العربي. لم أكن قد وضعت قدمي من قبل في السعودية، وفي مراسم الاستقبال الباذخة في المطار، كان أول ما لاحظته هو الغياب المطلق للنساء أو الأطفال على المدرج أو في الصالات، ليس سوى صفوف من رجال سود الشوارب في أزياء عسكرية أو في الثوب والغترة التقليديين. وبالطبع كنت أتوقع مثل ذلك، فذلك هو حال الأمور في الخليج.
رتب الملك أن أقيم أنا وفريقي في مزرعة خيوله خارج الرياض، وفيما كان موكبنا المحفوف بالشرطة يسارع على الطريق السريع العريض الخالي من أي ذرة غبار تحت شمس شاحبة، كانت البنايات الحكومية الهائلة الخالية من الزخارف والمساجد والمتاجر ومعارض السيارات الفارهة تنحسر عن صحراء خشنة، خطر لي كم أن الإسلام في السعودية قليل الشبه بنسخة العقيدة التي شهدتها طفلا في إندونيسيا. في جاكرتا في الستينيات والسبعينيات كان الإسلام يحتل تقريبا في ثقافة تلك الأمة مثل ما كانت تحتله المسيحية في أي مدينة أو بلدة عادية في أمريكا، فهو حاضر لكنه غير غالب.
كانت نداءات المؤذن إلى الصلاة علامات في الأيام، والأعراس والجنائز تتبع الشعائر الدينية المفروضة، والنشاط يقل في شهور الصوم [يعني شهر الصوم]، وقد يصعب الحصول على لحم الخنزير في قوائم المطاعم. وفيما عدا ذلك، كان الناس يعيشون حياتهم، فتركب النساء الدراجات النارية في تنانير قصيرة وكعوب عالية وهن ذاهبات إلى العمل، والأولاد والبنات يطلقون الطائرات الورقية، والشباب طوال الشعور يرقصون على موسيقى البيتلز وفرقة جاكسن فايف في أندية الموسيقى المحلية.
كان يصعب إلى حد كبير تمييز المسلمين عن المسيحيين والهندوس والملاحدة أصحاب التعليم الجامعي، مثل زوج أمي، وهم يتكدسون في حافلات جاكرتا المزدحمة، ويملأون مقاعد السينما في أحدث أفلام الكونج فو، ويدخنون في المقاهي المفتوحة، أو يتنزهون في شوارعهم متنافرة الأصوات. كان المتدينون الملتزمون نادرين في تلك الأيام، ومن لم يكن منهم محل سخرية كان منعزلًا على الأقل، شأن أعضاء شهود يهوه الذين يوزعون المناشير في حي من شيكاغو.
أما السعودية فقد كانت مختلفة دائما. فلقد بدأ عبدالعزيز آل سعود أول ملك للسعودية ووالد الملك عبدالله حكمه في عام 1932 واعتنق بشدة تعاليم عالم القرن الثامن عشر محمد بن عبدالوهاب. وكان أتباع ابن عبدالوهاب يلتزمون بمعتقدات دينية اعتبرت محافظة حتى بمعايير الثقافة العربية التقليدية: كالتفرقة بين الجنسين في المجال العام، واجتناب الاتصال بغير المسلمين، ورفض الفن والموسيقى وغيرهما من المسرات العلمانية التي قد تلهي عن الإيمان. وفي أعقاب انهيار الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، دعم الملك عبدالعزيز سيطرته على القبائل العربية المنافسة وأسس السعودية بما يتسق مع مبادئ الحركة الوهابية.

كانت القاهرة الكبرى، عاصمة مصر، تضم ستة عشر مليون نسمة. لم نر منهم أحدًا ونحن ننتقل بالسيارات من المطار في اليوم التالي. الشوارع الشهيرة بزحامها كانت خاوية بامتداد أميال، إلا من رجال الشرطة الموزعين في كل مكان، شهادة على القبضة الاستثنائية التي يشددها الرئيس المصري حسني مبارك على البلد، وعلى حقيقة أن الرئيس الأمريكي هدف مغرٍ للجماعات المتطرفة المحلية.
لو كان النظام الملكي السعودي الملتزم بالتقاليد يمثل مسارًا للحكم العربي الحديث، فإن نظام مصر الأوتقراطي الحاكم يمثل المسار الآخر. في مطلع الخمسينيات، قام عقيد في الجيش المصري ذا شخصية كاريزمية ومهذبة اسمه جمال عبدالناصر بترتيب إطاحة عسكرية بالنظام الملكي المصري وأقام بدلا منه دولة علمانية ذات حزب واحد. وسرعان ما قام بعد ذلك بتأميم قناة السويس، والتغلب على مساعي تدخل عسكري من البريطانيين والفرنسيين، مما جعله شخصية عالمية في الحرب ضد الاستعمار والزعيم الأكثر شعبية في العالم العربي.
مضى ناصر في تأميم الصناعات الأساسية، وبدء إصلاح زراعي محلي، وإطلاق مشروعات عامة ضخمة، مستهدفًا من ذلك كله القضاء على الآثار الباقية لكل من الحكم البريطاني وماضي مصر الإقطاعي. وعلى المستوى الدولي، نشط في الترويج لقومية عربية علمانية ذات طابع اشتراكي غائم، وخاض حربًا خاسرة ضد الإسرائيليين، وساعد في تكوين منظمة التحرير الفلسطينية وجامعة الدول العربية وأصبح عضوًا مؤسسًا في حركة عدم الانحياز التي رفضت ظاهريًا التحزب لأي من طرفي الحرب الباردة، لكنها أثارت ريبة واشنطن وغضبها، وذلك جزئيًا لأن ناصر كان يقبل المساعدات الاقتصادية والعسكرية من السوفييت. كما أنه حمل حملة صارمة على المعارضة وتكوين أحزاب سياسية معارضة في مصر، واستهدف بصفة خاصة جماعة الإخوان المسلمين التي كانت تسعى إلى إقامة حكم إسلامي من خلال حشد سياسي شعبي وأعمال خيرية، لكنها احتوت أيضًا عناصر كانت تنحو أحيانًا إلى العنف.
شاع أسلوب ناصر الاستبدادي في الحكم لدرجة أن سعى زعماء آخرون في الشرق الأوسط إلى محاكاته بعد وفاته سنة 1970. ولكن الافتقار إلى عمق شخصية ناصر وقدرته على الاتصال بالجماهير جعل رجالًا مثل حافظ الأسد في سوريا وصدام حسين في العراق والقذافي في ليبيا يحافظون على سلطتهم إلى حد كبير من خلال الفساد والمحاباة والقمع القاسي والاستمرار في الحملات غير المجدية على إسرائيل.
بعد اغتيال أنور السادات -خليفة ناصر- في عام 1981، تولى حسني مبارك السلطة مستعملًا الصيغة نفسها تقريبًا، مع فارق واحد جدير بالملاحظة: كان السادات قد وقّع اتفاقية سلام مع إسرائيل وجعل مصر حليفًا للولايات المتحدة، فجعل سلسلة متعاقبة من الإدارات الأمريكية تغض الطرف عن فساد النظام المتزايد، وسجل حقوق الإنسان المهلهل، ومعاداة السامية بين الحين والآخر. وبتدفق المساعدات لا من الولايات المتحدة وحدها بل ومن السعوديين وغيرهم من دول الخليج الثرية بالنفط، لم يبال مبارك مطلقًا بإصلاح اقتصاد بلده الراكد فترك الآن جيلًا من الشباب المصري الساخط العاجز عن العثور على عمل.
وصل موكبنا إلى قصر القبة -وهو مبنى أنيق يرجع إلى منتصف القرن التاسع عشر وأحد ثلاثة قصور رئاسية في القاهرة- وبعد مراسم الاستقبال، دعاني مبارك إلى مكتبه لنقاش استغرق ساعة. كان في الحادية والثمانين لكنه لم يزل عريض الكتفين متينًا ذا أنف روماني وشعر أسود مصفف إلى الخلف وعينين كثيفتي الجفون بما يعطيه مظهر رجل ألف القيادة حتى ناله منها شيء من الضجر. بعد الحديث معه عن الاقتصاد المصري وطلب اقتراحات حول كيفية تنشيط عملية السلام العربي الإسرائيلي، أثرت موضوع حقوق الإنسان، واقترحت خطوات قد يتخذها لإطلاق سراح السجناء السياسيين وتخفيف القيود المفروضة على الصحافة.
بإنجليزية ذات لكنة لكنها تبقى مقبولة، ابتعد مبارك بأدب عن الكلام في مخاوفي، مؤكدًا أن أجهزته الأمنية لا تستهدف إلا المتطرفين الإسلاميين وأن الشعب المصري يدعم نهجه الحازم. خرجت بانطباع سوف آلفه تمام الألفة في تعاملاتي مع الطغاة الموغلين في العمر: وهو أنهم يغلقون عليهم قصورهم، وكل تفاعل لهم إنما يتم من خلال الموظفين المذعنين المحيطين بهم من ذوي الوجوه الجامدة، وأنهم عاجزون عن التمييز بين مصالحهم الشخصية ومصالح بلادهم، وأن أفعالهم محكومة بغرض واحد لا يتجاوز الحفاظ على الشبكة المعقدة من المحاباة والمصالح التجارية التي أبقتهم في السلطة.
كم كان التناقض صارخًا مع القاعة الكبرى التي دخلت إليها في جامعة القاهرة لأجدها متخمة بالحيوية والطاقة. كنا قد ضغطنا على الحكومة كي تتيح خطابي أمام قطاع عريض من المجتمع المصري، وبدا واضحًا أن مجرد حضور طلبة جامعيين وصحفيين وباحثين وقيادات منظمات نسائية وناشطين اجتماعيين بل وبعض الشيوخ البارزين وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين ضمن الحضور الذي بلغ ثلاثة آلاف فرد سوف يساعد في إبراز ذلك الحدث المنتظر وصوله من خلال التلفزيون إلى جمهور عالمي. ما كدت أخطو على المسرح وألقي تحية الإسلام: «السلام عليكم» حتى ضج الحضور بالتصفيق. كنت حريصًا على أن أوضح أنه ما من خطبة كفيلة بحل المشاكل الراسخة. لكن مع استمرار الهتاف والتصفيق خلال كلامي عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة والتسامح الديني والحاجة إلى سلام حقيقي بين إسرائيل آمنة ودولة فلسطينية مستقلة ذاتيًا، بدأت أقدر على تصور شرق أوسط جديد. في تلك اللحظة، لم يكن يصعب تصور واقع بديل يقوم فيه الشباب الحاضرون في تلك القاعة ببناء الأعمال والمدارس وقيادة حكومات متجاوبة فاعلة، والبدء في إعادة تخيل دينهم تخيلًا لا يتنكر للتراث ولكنه ينفتح في الوقت نفسه على مصادر أخرى للحكمة. ولعل المسؤولين الحكوميين رفيعي المستوى الذين جلسوا متجهمي الوجوه في الصف الثالث استطاعوا أن يتخيلوا ذلك أيضًا.
تركت المسرح وسط تحية طويلة وقف خلالها الحضور وحرصت على أن أعثر على بن الذي يصيبه التوتر فلا يشاهدني وأنا ألقي خطابا ساعد في كتابته، بل ينزوي بدلًا من ذلك في غرفة خلفية ينقر على هاتفه البلاك بيري. رأيته مبتسمًا ابتسامة من الأذن إلى الأذن.
قلت «أظنه نجح».
قال بلا أدنى حس تهكمي: «كان تاريخيًا».

*
في سنوات لاحقة، كان من ينتقدونني، بل وبعض من أنصاري، يجدون سعادة كبيرة في المقارنة بين النبرة السامية الآملة في خطاب القاهرة وبين الواقع الجهم القائم في الشرق الأوسط خلال فترتي ولايتي. فتكشف المقارنة -بالنسبة إلى بعضهم- عن خطيئة السذاجة التي دمرت حلفاء أساسيين للولايات المتحدة مثل مبارك فكانت بذلك تقوية لقوى الفوضى. وكانت المشكلة -بالنسبة إلى آخرين- لا تتمثل في الرؤية المعروضة في الخطاب بل فيما رأوه فشلا في تطبيق تلك الرؤية عبر عمل فعال ذي معنى. وكنت أميل إلى الرد، بالطبع، موضحًا أنني كنت أول من قال: إن خطابًا واحدًا لن يحل تحديات المنطقة المزمنة، وأن علينا أن ندفع بكل مبادرة ذكرتها في ذلك اليوم، سواء أكانت كبيرة الحجم (كصفقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين) أم صغيرة (كإنشاء برامج تدريبية لرجال الأعمال المبتدئين)، وإنني لم أزل مؤمنًا بالحجج التي بسطتها في القاهرة.
لكن في النهاية، الحقائق التي حدثت بالفعل تبقى حقائق، ولم تزل مجموعة الأسئلة التي جاهدتها في شبابي حين كنت أعمل منظمًا مثارة. ما جدوى وصف العالم كما ينبغي أن يكون بينما الجهود اللازمة لتحقيق هذا العالم محكوم عليها بالفشل؟ أكان [الرئيس التشيكي] فاكلاف هافل على حق حينما قال: إن رفع سقف التوقعات يكتب على المرء خيبة الأمل؟ هل كان واردًا أن المبادئ المجردة والمثل العقلية العليا كانت وسوف تظل أبدًا مجرد ادعاءات، ومسكِّنات، ووسيلة لصد انتصار اليأس، لكنها لا تضاهي الدوافع الأساسية التي تحركنا حقًا، فمهما تكن أقوالنا أو أفعالنا، يظل التاريخ ماضيا في مساره المحدد سلفًا، في دائرة لا تنتهي، قوامها الخوف والجوع والصراع والهيمنة والضعف؟
حتى في ذلك الوقت، كانت الشكوك تنتابني بصورة طبيعية، فسرعان ما انزاحت حلاوة الخطاب أمام أفكار العمل الكثير الذي ينتظرني في الوطن والقوى العديدة المصطفة ضد ما كنت أرجو القيام به. زادت الرحلة التي قمنا بها عقب الخطاب من عمق أفكاري: رحلة بالطائرة العمودية لخمس عشرة دقيقة، حلّقنا فيها عاليا فوق المدينة المنبسطة، إلى أن اختفت فجأة غابة المباني ذات اللون الأصفر الباهت والمظهر التكعيبي وحلت محلها الصحراء والشمس وخطوط الأهرام الهندسية البديعة تشق الأفق شقا. عند هبوطنا، كان في استقبالنا كبير علماء المصريات في القاهرة، ذلك الرجل الغريب المبتهج ذو القبعة عريضة الحافة المستلة مباشرة من فيلم إنديانا جونز، وعلى مدار الساعات العديدة التالية انفردت وفريقي بالمكان كله. تسلّقنا الحجارة العتيقة الجلمودية في واجهة كل هرم. وقفنا في ظل أبي الهول، شاخصين إلى نظرته الصامتة غير المكترثة. سرنا في ممر رأسي ضيق لنقف داخل إحدى غرف الفراعنة الداخلية المعتمة، التي أكدتها كلمات آكس [ديفيد آكسيرولد كبير مستشاري أوباما] الخالدة ونحن نرجع نازلين السلم:
«اللعنة يا رام، أبطئ قليلا، إن مؤخرتك في وجهي».
في لحظة ما، وأنا واقف أشاهد جيبس [روبرت جيبس السكرتير الصحفي لأوباما] وبعض أعضاء الفريق وهم يحاولون ركوب الجمال لالتقاط الصور السياحية الإلزامية، تقدم إلى ريجي ومارفن لأصحبهما بداخل ممر في أحد معابد الأهرام الصغرى.
قال ريجي «انظر يا ريس» مشيرًا إلى الجدار. هنالك، منحوتة في الحجر الأملس المسامي، صورة داكنة لوجه رجل. ليس الوجه المعهود في الرسوم الهيروغليفية، بل لقطة مباشرة لرأس. وجه طولي، بيضاوي. أذنان ناتئتان كأنهما مقبضان. صورة كاريكاتورية لي مزورة بطريقة ما في العصر القديم.
قال مارفن: «لعله أحد الأقارب».
ضحكنا جميعا آنذاك، ومضى كلاهما للانضمام إلى راكبي الجمال. لم يستطع مرشدنا أن يقول لي من بالضبط المرسوم في تلك الصورة، ولا حتى إن كانت ترجع إلى عهد الأهرامات. ولكنني وقفت إلى الجدار لمزيد من التمعن، محاولا أن أتخيل الحياة الكامنة وراء النحت. هل كان عضوًا في البلاط الملكي؟ أم عبدًا. أم كبيرًا للعمال؟ ربما كان مجرد مخرب شاعر بالضجر، خرج للتخييم بالليل بعد قرون من بناء الجدار، وبإلهام من النجوم وإحساسه بالوحدة رسم صورة لنفسه. حاولت أن أتخيل الهموم والأوجاع التي قد تكون استهلكته وطبيعة العالم الذي كان يعيش فيه، ورجحت أنه مليء بالصراعات ومكائد القصور والمغازي والكوارث والأحداث التي ربما في ذلك الوقت ما كانت تقل عما سوف أواجه أنا عن قريب فور رجوعي إلى واشنطن. كل ذلك طواه النسيان، ولم تبق له من أهمية، الفرعون والعبد، وكبير العمل، كلهم استحالوا إلى تراب.
تمامًا ككل خطاب لي، وكل قانون أصدرته، وكل قرار اتخذته، سوف يطويه النسيان عما قريب.
تمامًا كما أنني أنا وكل من أحبهم سوف نستحيل يومًا إلى تراب.

ملاحظة من المترجم

في الصفحات العديدة المكملة لهذا الفصل من الكتاب، يحكي أوباما أنه اتجه من القاهرة إلى ألمانيا. وفي ثنايا ذلك كتب:
«كنا قد فكرنا في الأصل في رحلة إلى تل أبيب بعد خطابي في القاهرة، ولكن مراعاة لأمنيات الحكومة الإسرائيلية بألا أجعل التركيز الأساسي في خطابي ينصب على القضية الفلسطينية ـ لكي لا أغذي الفهم الذي يذهب إلى أن الصراع العربي-الفلسطيني هو السبب الجذري للاضطراب في الشرق الأوسط ـ استقر رأينا على جولة في أحد مراكز الهولوكوست لأشير إلى التزامي بأمن إسرائيل والشعب اليهودي».