مقامات : رسائل «1»

فاطمة الشيدية –

يا صديقتي البعيدة:-
«كيفك أنت» كما تقول فيروز؛ خاصة في هذه الأيام في عيد مولدها المتجدد بالمحبة والجمال.
أتخيلك الآن، وأتخيل صباحاتنا الباردة معًا، ومزاج قهوتك المرة برائحتها التي تخترق الروح؛ نحن المعطوبون أو الجاهزون للعطب كل لحظة، المرهقون بأجسادنا وأرواحنا، نحن الذين نصل متأخرين غالبًا؛ لأننا لا نحب الزحام ولا نجيد المنافسة، في كل أدوار الحياة؛ في الحب، وفي الفرح، وفي فهم العالم، وفي تذوق الجمال الذي يحتويه، وفي التهام المعرفة، وفي قتل الأغبياء في دوائرنا الضجرة، وفي زرع بذور السلام في الأرواح المكتوية بالنار في حروب لا نعرف ضد من، وفي احتواء النور والرضا، وفي الصمت النبيل لمواجهة تفاهات العالم، وحده الحزن حجز لنا مقعدًا أثيرًا قرب النافذة لنصل إليه باكرًا جدًا.
نحن الذين لا صباحات لنا. بل يبدأ صباحنا حينما يضحك طفل في مكان ما من هذا العالم، وحين تهدل حمامة تستشرف السلام، وحين يقبض رجل كبير في السن على لحيته بوجع أو بحنان ويتنهد، وحين تتذكر عجوز وجهها جميلا في المرآة، وحين يفسح الصمت المجال لرائحة القهوة لتقول كل شيء.

أكتب لكِ اليوم كما دائمًا لأعري روحي من حرقة لا تبرد وقلق لا يهدأ ولأخبرك بعض أفكاري المجنونة، فأنا مثلك أيتها الغريبة الأطوار، الماثلة في العزلة، الدافئة اللغة، أنا مثلك أحيا بين الكلمات وألبسها كمعطف قديم، وأخرج منها مغسولة بالألم أو المحبة، وبها أعيش ما أحب وما أكره، فمثلا أنا أكره من يقول عن أمه «والدتي» أكرهه وربما أحتقره، فمن يقول «الوالدة» وخاصة من الرجال، فهو ضمنيًا هو يخجل من حنانها ودفئها المغمور فيه، ويضعها في خانة كل من لها رحم من الحيوانات، فالأم ليست من ولدت فقط إنها الروح التي ترعى، والقلب الذي يرجف خوفًا، والحنان الذي يغرق الكون، إنها القلق والحب والسهر والدفء والمحبة! وأحب من يقول أمي، ويتلمظ بها كقطعة شيكولاته، كلحن عظيم، كحنان كوني أزلي أبدي.

أعرف أنكِ نسوية منحازة للنساء، ومثلكِ ما زلت بحسي النسوي أكره رعونة الرجل وعنصريته البغيضة ضد المرأة النابعة من ذكوريته الشرقية، لذا أضيف على الفيس بوك كل امرأة تطلب صداقتي فورا بلا تردد، فالمرأة كائن أناني ومغرور، لا ترسل الرسائل بلا غاية سوى التسلل لحياة الآخر، ولا تستعرض حضورها، ولا تبادر بالمديح، ولا تكذب بغية صداقة، إنها إذا أحبتك ستتلطف في الكلام قليلا، وإذا لم تحبك ستصمت بهدوء بلا إزعاجات وهذا عكس ما يفعله الرجل غالبًا.

ماذا عن إدمانك للكتب والقراءة بهوس وجنون؟ عني تخلصت من عادة كنز الكتب، وأصبحت أحيا في أمان المعرفة بوجود الكتب الرقمية، ولا أتحرك مسافة صغيرة أو كبيرة إلا مع «Kindle» الصديق الصغير في حجمه، والكبير في فعله، صديق العين الذي يشعرك بالراحة تماما حين تقرأ فيه، فسطحه  الذي يشبه الورق تماما بلا ضوء يشعرك بمتعة القراءة في كتاب، كما أنه يحميك من مشتتات الإنترنت والإعلانات التي قد تأخذك لمكان لم تخطط للدلوف إليه؛ لأنه مخصص للقراءة فقط.  هذا الصديق يشعرك بالأمان والقدرة على الاختيار حسب مزاجك من الكتب، كما يمكنك أن تحمله بحجمه الصغير أينما ذهبت كمكتبة متنقلة بها ما لذ وطاب. ولذا فهو مناسب جدًا لطلبة العلم وللباحثين. ولذا أخزن فيه الكثير من الكتب المهمة، كما أستلذ معه عادة تنزيل الكتب بصيغة pdf، وهي هواية قديمة ولذيذة. فلا يمكن مهما حاولنا أن نجمع كل الكتب في مكتبة مهما كبرت ولذا لا بد أن نخضع لشروط العصر فالنشر الورقي مهما استمر لابد أن يتوقف وعلينا أن نحترم التقنية التي تساعدنا.
هذا من جهة ومن جهة أخرى، فقد أصبحت لدينا «لوتس وروازن» في البلد، وهما مكتبتان عظيمتان فعلا يجد المرء فيها كل ما يريد ليشبع رغبته في القراءة، ولذا أصبح القارئ يستشعر الأمان من شح الكتب، وأظن أنه أصبح على دور النشر في معارض الكتب أن تقدم إغراءات واضحة وفارقة في الأسعار، فلا يجب أن يكون سعر الكتاب عبر النت وفي المكتبات أرخص منه في المعرض وإلا فلا تنتظر مبيعات وافرة. فالقارئ أصبح يعي البعد التجاري في هذه الدور وعبر المعارض. بل ولا فائدة في القراءة إذا لم تصنع الوعي.

لقد نشأت ككل أبناء القرى العمانية تقريبًا على دلة الشاي مع الحليب توضع في صدر البيت مع الخبز والبيض كل صباح، ذلك الشاي المنكّه بالزعتر أو الزنجبيل غالبًا، تلك النكهة الساحرة، الذي تشكل ذاكرةً حيةً على مر السنين، وحالةَ حنينٍ دائمة.
ولكنني أصبحت اليوم أستثني منه الحليب لقرارات تتعلق بالثقافة الصحية التي تعنى بالجسد هذه الثقافة التي أحبها وأهتم بها، فهي الوعي الذي يحميني من جنون الكتابة ومتاهاتها، الوعي بما يجب أن نأكل ونشرب بعلاقتنا بالكون الأرض وما عليها من نباتات تهبنا الحياة والصحة والجمال والخير والعافية.
هذه ليست رسالتي الأخيرة، وأتمنى أن يكون ثمة بريد بين هنا وهناك يومًا لأجد ردًا منك !

أحبك فكوني بخير