سياسة عُمان الثابتة والمتغيرات الدولية

عبد الله العليان –

في الذكرى الخمسين لنهضة عمان الحديثة ومناسبة عيدها الوطني، نستذكر سياسة عُمان الخارجية على مدار خمسة عقود متوالية، تجاه القضايا الإقليمية والدولية، وكيف تعاطت بلادنا مع الكثير من التحولات والصراعات الدولية التي تحدث بين الدول بين الوقت والآخر، ومنها نشوب العديد من حروب والتوترات في المنطقة العربية والدولية، لأسباب سياسية واقتصادية وخلافات حدودية، وغيرها من الخلافات والصراعات، ومن هذه المنطلقات السياسية المبدئية التي سارت عليها السلطنة، أنها نأت بنفسها عن سياسية المحاور والخلافات الإقليمية والدولية بما يجنبها اتخاذ مواقف ليست منطقة أو داخلة في ثوابتها الأساسية.
ولاقت هذه السياسية التقدير والاحترام في المؤتمرات واللقاءات التي تجري عادة، وعندما كنا نشارك كعمانيين في هذه الملتقيات الإقليمية، في مناسبات خارج السلطنة، كنا نسمع التقدير الكبير لهذه السياسة، من بعض الباحثين والأكاديميين المتابعين والمهتمين بساسة المنطقة والآراء السياسية الرسمية، التي تنطلق منها تجاه الأحداث التي في المنطقة وخارجها، وما لسياسة بلادنا في كل القضايا، وكانت الحكمة والعقلانية التي تميزت بها، وكذلك جهودها الدبلوماسية، لحل الخلافات البينية بين الكثير من الدول والمساهمة في وقف التوترات والنزاعات التي تحدث، ولا تزال هذه السياسية ثابتة، والتي سار عليها العاهل الراحل جلالة السلطان قابوس -تغمده الله بالرحمة والمغفرة-
منذ بداية توليه مقاليد الحكم عام 1970، وأكد على هذه السياسية المبدئية جلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله-.
ويقول جلالة السلطان قابوس -رحمه الله- في خطابه، بالعيد الوطني الخامس عشر: «إننا إذ نعتز بالصداقات التي تربط عُمان والأسرة الدولية فإننا نؤكد في ذات الوقت حرصنا على الاستمرار في أداء دورنا كاملاً لسياستنا التي تسعى بكل إخلاص إلى الصداقة والتعاون مع الجميع وتناصر القضايا العادلة لكافة بلدان وشعوب العالم وتعمل من أجل السلام والاستقرار».
كما أن جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -أيده الله- أكد على السياسة العمانية الثابتة والمبدئية، في القضايا العربية والدولية، التي سار عليها جلالة السلطان قابوس في فترة حكمه، وكانت محل التقدير والاحترام من كل دول العالم، وقال جلالته في خطابه بعد تسلمه مقاليد الحكم في الحادي عشر من يناير الماضي: «إننا سوف نترسّم خطى السلطان الراحل مؤكدين على الثوابت التي اختطها لسياسة بلادنا الخارجية القائمة على التعايش السلمي بين الأمم والشعوب وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير واحترام سيادة الدول وعلى التعاون الدولي في مختلف المجالات، كما سنبقى كما عهدنا العالم في عهد المغفور له بإذن الله تعالى حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور داعين ومساهمين في حل الخلافات بالطرق السلمية وباذلين الجهد لإيجاد حلول مرضية لها بروح من الوفاق والتفاهم».
وفي خطاب جلالة السلطان هيثم بن طارق وفقه الله تعالى، في الثالث والعشرين من فبراير الماضي، أشار جلالته للدور الذي ستقوم به السلطنة في المنظمة الدولية، مع بقية أعضاء المنظمة، بما يعزز السلام والأمن، وإنهاء الحروب والتوترات في العالم، وقال جلالته في خطابه: «ستواصل عمان دورها كعضو فاعل في منظمة الأمم المتحدة تحترم ميثاقها وتعمل مع الدول الأعضاء على تحقيق السلم والأمن الدوليين ونشر الرخاء الاقتصادي في جميع دول العالم وسنبني علاقاتنا مع جميع دول العالم على تراث عظيم خلفه لنا السلطان الراحل عليه رحمة الله ومغفرته، أساسه الالتزام بعلاقات الصداقة والتعاون مع الجميع واحترام المواثيق والقوانين والاتفاقيات التي أمضيناها مع مختلف الدول والمنظمات».
ولا شك أن سياسة السلطنة الثابتة، سعت ولا تزال تتابع لحل الكثير من الخلافات والتوترات العربية والدولية، من أجل إقامة علاقات يسودها السلام والوئام القائم على التفاهم والاحترام المتبادل، والتحاور لحل المشكلات والخلافات، ومن هذه الجهود، دور السلطنة في الاتفاق النووي الشهير الذي تم بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، في مسقط عام 2015، إلا أن الولايات بعد استلام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، انسحبت من هذا الاتفاق من جانب واحد عام 2018!
ولذلك فإن تقدير المجتمع الدولي الدائم والمعروف، لسياسة عمان وثوابتها في إرساء مبدأ السلم والحوار والتفاهم بين الدول بدلًا من سياسية والمحاور بهدف إثارة الصراعات والتوترات، التي لن تأتي إلا بالخراب والدمار للدول، والأزمات والمشكلات لشعوبها، بدلًا من التنمية الحقة التي يحتاجها عالمنا المعاصر مع زيادة السكانية المتنامية، ولذلك فإن السلطنة بفضل السياسة الحكيمة والمتوازنة، خطت خطوات مهمة في إقامة علاقات جيدة ومتوازنة مع حسن الجوار، على الرغم من المتغيرات والتحولات التي حدثت في المنطقة في العقود الماضية، وكانت لهذه السياسة التي تنتهجها السلطنة، الأثر الإيجابي والإسهام الفعال في دعم الاستقرار والتعاون، وإقامة علاقات يسودها الاحترام المتبادل والدفع به إلى آفاق مهمة في التعاون في كل المجالات.
وقد أشرت في موضوعات سابقة إلى الركائز الأساسية للسياسة العمانية المعروفة، التي أصبحت واضحة لكل متابع للتحرك السياسي العماني في مجال السلام العالمي، وقلت أنها حددت المعالم الرئيسية في القضايا العربية والدولية، ومنها: سياسة حسن الجوار، وعدم التدخل في شؤون الآخرين الداخلية، ومراعاة حسن الجوار والروابط المشتركة، والصداقة المتبادلة التي تجمع السلطنة بالدول الأخرى الشقيقة والصديقة، بما يسودها الوفاق والتعاون المشترك، والتقارب في القضايا الإقليمية والدولية وغيرها من مجالات التعاون.
كما أن السلطنة قد اتخذت سياسةً محددةً وثابتةً ومستمرةً، تقوم على الدعم الكامل للنضال الفلسطيني في مختلف الأصعدة والمستويات، وعلى تأييد كل ما من شأنه أن يقرب من التوصل إلى حل شامل ودائم وعادل في إطار الشرعية الدولية. وفي هذا المجال أكد جلالة السلطان قابوس -رحمه الله- أن سلطنة عمان مع الحل الذي يضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. ووقفت السلطنة دائمًا بجانب الشعب الفلسطيني وأيدت قضيته العادلة في كافة المحافل. وسارعت إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة، وإلى تأييد ما اتخذه المجلس الوطني في اجتماع الجزائر من قرارات لدعم نضاله، معربة عن أملها في أن تكون هذه الخطوة مدعاة لفهم أكبر من قبل المجتمع الدولي بما يساعد على وضع حل عادل في منطقة الشرق الأوسط.
ولا شك أن هذه السياسة العمانية المعلنة، أنها لا تتخذ سياسات متقلبة أو متسرعة في التطورات السياسية التي تحدث في العالم، قبل أن تتم الدراسة العميقة، لكل الأمور والمستجدات التي تستدعي رأيًا معينًا وإيجابيًا كما تراه، وهذه من ركائز هذه السياسية التي تنتهجها السلطنة، وحافظت عليها بصفة دائمة، وعرفت بها في كل المحافل الدولية، ومنها توزيع قاعدة الأصدقاء في العالم، وعندما كانت العلاقات بين السلطنة والاتحاد السوفيتي والصين مقطوعة، بسبب تأييد الصين لبعض السياسات المضادة للسلطنة في بداية السبعينات، فإنها عندما وجدت تحركات من بعض الأطراف، لإعادة العلاقات بينهما، فإن السلطنة رحبت بإقامة العلاقات مع الاتحاد السوفيتي (سابقًا) والصين، وتطورت هذه العلاقات، وأصبحت من العلاقات الممتازة في الكثير من مجالات التعاون الاقتصادي والاجتماعي، وغيرها من المجالات الثنائية.
وقد اتخذت السلطنة في سياساتها منهجًا قويمًا ورؤية ثاقبة، في المتغيرات السياسية وتحولاتها التي عادة لا تتسم بالثبات، وجعلتها طريقًا ومبدأ عامًا في كل التحركات والمواقف السياسية التي تتطلب رأيًا محددًا وثاقبًا، لاسيما في القضايا الساخنة والمضطربة في عالم اليوم.. ومع النهضة العمانية الجديدة والمتجددة بقيادة جلالة السلطان هيثم حفظه الله، سوف تكون هذه السياسة قائمة ومستمرة، وستزداد رسوخًا باعتبارها من الثوابت الراسخة.