الـ “ملاحقة” الجماعية

أحمد بن سالم الفلاحي
shialoom@gmail.com
من القناعات الموجودة عند كثير منا؛ بحكم التجربة؛ أن الفرد هو الذي يصنع تاريخه، وليس بالجماعة التي ينتمي إليها، والجماعة هنا، ليست تحديدا؛ بالدائرة الضيقة بالفرد من أسرته، وقبيلته، وإنما تذهب الفكرة إلى الجماعة الإنسانية، ولذلك هنا من سطع نجمه، وشعت شموسه في مواطن بعيدة عن وطنه الأم، وعن جماعته الأم، وعن أسرته الأم، وهذا ما يؤكد مقولة: “ها أنا ذا” ولكن مع ذلك وبهذه الميزة الفردية بجميع استحقاقاتها لن تعفيك عن مشقة الناس لأجلك، وهذه المشقة هي ذلك الحرص الشديد من قبل الجماعة الإنسانية؛ التي تبذل أنت الجهد الجهيد لتحييد نشاطاتك عن دعمها لك، حتى لا يكون هناك “خط رجعة” ليقال لك بعد عمر منجز، أن كل ما أنت عليه من فضل هو عائد إلى مؤازرة جماعتك الإنسانية لك، نعم؛ قد تكون هناك مؤازرة نسبية، ولكن هذه المؤازرة النسبية لن يكون لها دور محوري يشار إليه بالبنان، إن لم تقابل باستعداد غير عادي من جهدك الفردي الخالص. وهذه الملاحقة “الجماعية” إن تجوز التسمية؛ تظل في بحثها الدؤوب عنك، تتقصى أوراقك الساقطة، أكثر من أوراقك الخضراء اليانعة، دون ضرورة ملحة إلى ذلك، ولكن فقط، لمراكمة أوراقك الساقطة، وبعد أن تغرق في وحل الظروف المتكالبة عليك من جانب، تكون هناك شخصية أخرى واقعة تحت نفس الشاكلة الإنسانية، وهي إنسانية بامتياز، لأن جل المخلوقات؛ كما نعيش ونشاهد؛ ليست عندها هذه الـ “حشرية” كما هو الحال عند الإنسان العاقل، والخطورة تكمن أكثر عندما يستسلم هذا الفرد لهذه الـ “ملاحقة” الجماعية، ويتوازى معها في تلبية متطلباتها، لأجل توسعة مساحة الرضا عنه، وهذا ما لا يمكن تحقيقه، بأي حال من الأحوال، مهما كانت الظروف مواتية لذلك، لأن البشر كلهم يقعون تحت تصنيف “الأغيار” أي الحالة المتغيرة باستمرار، وغير المستقرة على حال، ولذلك ينظر إلى كثير من الناجحين في هذه الحياة أنهم يعملون انطلاقا من قناعاتهم، ومن بيئة أفكارهم المتحررة من أي تجاذبات مرتبطة بالآخر، سواء هذه التجاذبات مباشرة “مصالح” أو غير مباشرة “لأجل خاطر” فالخواطر في العلاقات الإنسانية هي مجرد ومضات مؤقتة، استهلاكية في ذات لحظتها الزمنية، أما غير ذلك فيفضل العودة إلى القناعات الفردية، والقرار الحر النزيه. من مقولات شارلي شابلن، الممثل الكوميدي الإنجليزي – كما قرأت -:”الحياة قد تصبح رائعة إذا تركك الناس وشأنك”- انتهى النص – وترك الناس لشأنك؛ هو بمثابة الحلم الذي لم يتحقق على أرض الواقع حتى الآن، على الرغم من تجربة الحياة التي مرت بها الإنسانية منذ نشأتها الأولى، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فالثيمة الإنسانية؛ على ما يبدو؛ أنها مجتمعة على هذه الملاحقة بصور مختلفة، وبأدوات متباينة؛ بما يتوافق مع كل عصر. هل هذه الملاحقة هي انعكاس؛ شديد القرب؛ لما يظهره الفرد من نتائج أعماله؟ وهل تتفق الثقافات في جميع محطات الشعوب الإنسانية والجغرافية على ذات النسق في هذه الملاحقة؟ وما الذي يحدد مستوى النسبية في هذه الملاحقة بين تجربة إنسانية وأخرى؟ وهل تختلف الملاحقة؛ تكثيفا؛ بناء على المستوى الاجتماعي الذي يكون عليه الفرد؟ أي هل الاجتماعية تنتصر لذاتها فقط في هذه المسألة؟ هذه الأسئلة وغيرها لم تبررها التجربة الإنسانية في شأن هذه الملاحقة، وظلت الممارسة ذاتها بغض النظر على المستوى الفكري أو المادي للمجتمعات – أي تتساوى المجتمعات في هذا التقييم؛ غنيها وفقيرها – والخلاصة من هذا كله أنك واقع في مصيدة التقييم السلبي أكثر منه الإيجابي، ولن يتركك الناس وشأنك، ولذلك لا تلقي بالا بكافة السهام المتواردة إليك من اتجاهاتك الأربع، وافترض أنك تعيش حياة رائعة.