إطلاق الأجزاء الثمانية الأولى من “المعجم التاريخي للغة العربية”

الشارقة “العمانية”: أعلن في الشارقة اليوم عن إطلاق المجلدات الأولى من “المعجم التاريخي للغة العربية”؛ الذي يؤرّخُ لمفردات لغة الضاد وتحولات استخدامها منذ عصر ما قبل الإسلام إلى العصر الحاضر.
جاء ذلك خلال حفل أقيم في مدينة خورفكان بالشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة بحضور عدد من رؤساء مجامع اللغة العربية وعلماء اللغة العربية والفقهاء في العالم العربي.
ويحقق إطلاق هذا المنجز، مهمة تاريخية تعود جذورها إلى قرابة مائة عام، وقُدّمت في سبيل إتمامها جهود ومحاولاتٌ تعرضت للتأجيل والإلغاء وجانب بعضَها الصواب، وكان من أبرزها تجربة مجمع القاهرة سنة 1936 التي انطلقت تحت إشراف المستعرب الألماني فيشر عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة آنذاك، وتوقفت بعد أن أُعدت البطاقات الأولى من حرف الهمزة.
و قد وجه سمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى بدولة الإمارات حاكم الشارقة رسالة بهذه المناسبة هنّأ فيها أبناء العربيّة بهذا المعجمِ “الذي يُؤَرّخُ لألفاظِ العربيّةِ منذُ العصرِ الجاهلي الذي سَبَقَ بُزوغَ شمسِ الإسلام، مُرورًا بالعصرِ الأمويِّ فالعبّاسيّ فَعَصْرِ الدّولِ والإمارات ووُصولاً إلى العصرِ الحديث”.
وأوضح سموه أنّ هذا المعجمَ لا يشرحُ الألفاظَ ولا يُعرّفُ بدلالاتِ الكلماتِ ويُعطي تواريخَ استعمالها فقط، وإنّما “يحفظُ تاريخَ الأمّةِ..ويُخلّدُ مآثرَ العرب وأيّامَهُم، ويُحافظُ على الذّاكرةِ العربيّة من أقصى الجزيرة العربيّة شرقا إلى المحيطِ الأطلسيِّ غَرْبًا، ويؤرّخُ للنُّصوص والأشعار، ويُثبِتُ الأخبارَ والأقوالَ التي نطقَ بها المسلمون وهم في بلادهم وراء النهرين وأقاصي آسيا، ويحفظ تاريخَ إفريقيّة المسلمة.
وألقى الدكتور حسن عبد اللطيف الشافعي، رئيس اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية، كلمة متلفزة، استعرض فيها الجهود والمحاولات السابقة لإنجاز معجم تاريخي للغة العربية، وبخاصة بعد تعثّر المشروع الذي أشرف عليه المستشرق ” فيشر” (1936)، موضحاً أن الاهتمام تجدّد بقضية المعجم التاريخي خلال العقد الأول من القرن الحالي، وأن مؤلفات عدة للغويين العرب تناولت طبيعة الموضوع ومتطلباته وتجاربه ومشكلاته؛ إلى أن تكفل مجمع الشارقة للغة العربية بالمتطلبات العلمية والمادية التي وقفت سابقاً دون إنجاز المعجم.
واستعرض الدكتور امحمد صافي المستغانمي، الأمين العام لمجمع اللغة العربية بالشارقة، مسيرة المعجم ومراحل إنجاز الأجزاء الثمانية الأولى منه، متطرقا لمنهج العمل المتبع وطرق التجهيز التقني والفني لإتمام أعمال تحرير المجلدات وفرق العمل واللجان العاملة ضمن مجامع اللغة المنتشرة في العالم العربي.
بدوره، أوضح الدكتور مأمون وجيه، المدير العلمي لمشروع المعجم قائلا: إن فترة الإعداد للمعجم استغرقت أكثر من سنتين، وخضع المشروع لتخطيط علمي، وفق المعايير العلمية لصناعة المعاجم اللغوية التاريخية. وأضاف: “لمّا استقرت صيغة المعجم وتحددت ملامحه، تقررت هيكلةُ مشروعِه وحوكمتُه؛ لينتظم العملُ؛ وكذلك حُدِّدت تُخومه وخريطتُه الزمنية عبرَ خمسةِ أعصرٍ ليس غيرُ، ورُسِمت سياستُه العلميةُ ومنهجيةُ تحريرِه، وأُنجزت مدونتُه الرقْمية، وشُكلت لجانُه العلمية، في المجامع العربية على السواء. ودُرب المحررون والخبراء على المدونة والصنعةِ المعجمية”.
وتُؤرّخُ الأجزاء الثمانية الأولى التي تمَّ الكشف عنها لتاريخ المفردات التي تبدأ بحرفي الهمزة والباء، وجاءت في ثمانية مجلدات تعرض تطوّر وتحوّل معاني المفردات ودلالات استخدامها عبر العصور؛ بدءاً من عصر ما قبل الإسلام، والعصر الإسلامي (1-132 هـ)، مروراً بالعصر العباسي (133-656هـ)، والدول والإمارات (657-1213هــ)، وصولاً إلى العصر الحديث (1214هــ حتى اليوم.
ويشارك في إنجاز المعجم، الذي يشرف عليه اتّحاد المجامع اللغوية والعلمية في القاهرة، عشرة مجامع عربية، ويتولى مجمع اللغة العربية في الشارقة إدارة لجنته التنفيذية، ويستند المعجم في إنجازه إلى قاعدة بيانات تم جمعها وأتمتتها ووضع منهجيات وأنظمة الرجوع إليها خلال الأعوام الثلاثة الماضية لتضم اليوم قرابة 20 ألف كتاب ومصدر ووثيقة تاريخية باللغة العربية منها نقوش وآثار يعود تاريخها إلى القرن الثالث قبل الإسلام.
ويشكل المعجم، إلى جانب أنه يبحث ويوثّق لمفردات اللغة العربية، مكتبة إلكترونية ضخمة مكوّنة من أمّهات كتب اللغة والأدب والشعر والفلسفة والمعارف العلمية المتنوعة تمكّن الباحثين والقرّاء بعد الانتهاء من مراحل إعداده كاملة، الوصول إلى آلاف الكتب والمصادر والوثائق يُعرض بعضها إلكترونياً للمرة الأولى في تاريخ المحتوى المعرفي العربي.
ويختص المعجم بتوضيح عدد من المعلومات الرئيسة هي تاريخ الألفاظ العربية؛ حيث يبحث عن تاريخ الكلمة من حيث جذرها، ويبحث عن جميع الألفاظ المشتقّة منها وتقلّباتها الصوتيّة، ويقوم بتتبّع تاريخ الكلمة الواحدة ورصد المستعمل الأوّل لها منذ الجاهليّة إلى العصر الحديث مركّزا على الاستعمال الحي للغة، أي أنّه يختلف عن سائر المعاجم السابقة أنّه يستشهد بالنصوص الحيّة قرآنا وحديثا وشعرا وخطبا ورسائل وغيرها.
ويكشف المعجم تطور المصطلحات عبر العصور، ويرصدُ تاريخ دخول الكلمات الجديدة المستحدثة في اللغة المستعملة، والكلمات التي اندثرت وزالت من قاموس الاستعمال مع ذكر الأسباب المؤثّرة في ذلك؛ حيث يبحث عن تطور الكلمة عبر الزمان وعلى ألسن العرب وغيرهم من المتكلّمين باللسان العربي منذ ما قبل الإسلام إلى اليوم.
إلى جانب ذلك، يعرض المعجم تاريخ نشأة العلوم والفنون؛ إذ يبحث في علوم اللسان العربي عن جميع العلوم التي نشأت تحت ظل البحوث اللغوية قديما وحديثا من نحوٍ وصرفٍ وفقه لغة ولسانيات وصوتيات وعلوم البلاغة والعروض وغيرها، ويتوقف عند المصطلحات التي ولدت ونشأت في رحاب هذه العلوم.
ويقدّم المعجم مقارنات بين الألفاظ في اللغة العربية وبين ما انحدر منها في اللغة العبرية والأكّادية والسّريانية والحبشية وغيرها، وفي هذا المجال كُلفت لجنة متخصّصة برصد أوجه الشّبه والاختلاف بين الألفاظ العربية وما يقابلها في تلك اللغات، وذكر الشواهد الحية التي تدلّ على ذلك مع توثيقٍ للمصادر والكتب التي أُخِذت منها.
تجدر الإشارة إلى أنّ المنصة الرقمية التي أعدت لإنجاز المعجم تتميّز بسهولة البحث، وسرعة الحصول على المعلومة واسترجاع النصوص وإظهار النتائج في سياقاتها التاريخية، إضافة إلى أنها تشتمل على قارئ آلي للنصوص المصورة، معتمدة على قاعدة بيانات تساعد الباحثين على التعرّف على مداخل كل جذر، والوصول إلى مبتغاهم في السياقات التاريخية المتنوعة.