لماذا تزايدت أعداد مشاهير التواصل الاجتماعي ومتابعيهم؟

البعض لا يمتلك مقوّمات العمل ولا يُجيد لغة الإقناع

أهمية وجود ضوابط تنظم قيام الأفراد بالإعلان وأن لا تخرج عن نطاق قيمنا العمانية

تداول مقاطع المروجين ولو من باب التندّر ساهم في انتشار مثل هذه الإعلانات

استطلاع – أحمد الكندي


تزايدت في الآونة الأخيرة ظاهرة إقحام الناس أنفسهم في وسائل التواصل الاجتماعي بقوة، الأمر الذي زاد معه ظهور من يطلق على نفسه – ناشط اجتماعي أو مشاهير السوشيال ميديا – وبمرور الوقت وتطور الوضع إلى قيامهم بالترويج لمنتجات ومشاريع رغم افتقادهم لمقومات العمل الإعلامي، وكذلك عدم امتلاكهم مؤهلات وقدرات إيصال المعلومة أو مميزات المنتج بكافة تفاصليه؛ وبرغم قناعات البعض بأن مثل هؤلاء لا يمكن أن يكون لهم تأثير على المتلقين، إلا أن تزايد أعداد متابعيهم وتداول مقاطعهم – ولو من باب الطرفة والتندّر- ساهم في انتشار مثل هذه الإعلانات التي قد تحمل معها مشاهد أو عبارات خارجة عن الذوق العام، كما أن عدم وجود مراقبة أو مرجعية تقنن عمل الناشطين في هذا المجال زاد الأمر تعقيداً، فأصبح المجال متاحاً للجميع دون ضوابط .
في الاستطلاع التالي نستعرض آراء مجموعة من المهتمين بالشأن الإعلامي وممن لهم حضور في هذا الجانب للتعرّف على جوانب الموضوع ومعرفة سبب ظهور هذه العادة الدخيلة على المجتمع، والمواصفات المطلوبة لممارسي هذه المهنة، وهل لها علاقة بندرة الفرص الوظيفية المتاحة، وأحقية هؤلاء في تقديم إعلانات للجمهور دون الحصول على تصريح من الجهة المختصة والدور المطلوب من المجتمع.
في البداية يقول أحمد بن عبدالله العبري (مختص بالتوعية والإرشاد الاجتماعي والسلوكي): أعتقد أن حب الشهرة والحصول على متابعين ومعجبين في السوشيال ميديا هي من أهم أسباب هذه الظاهرة، وهي للأسف في كثير من الأحيان تخرج عن نطاق الأخلاق والقيم التي تؤطر مجتمعنا العماني وما يعرف عن طبيعة الإنسان فيه والمتصفة بالهيبة والاتزان في القول والفعل، وهذا ما لاحظناه مؤخراً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهي وان كانت حالات فردية ولا تعبر إلا عن تصرفات شخصية إلا أنها تسيء ولو من بعيد لمجتمعنا العماني، ولذلك نقول لا مانع أن يمتهن هؤلاء الترويج والدعاية من خلال وسائل التواصل شريطة أن يكونوا على طبيعتهم المتزنة ومحافظين على قيم وعادات مجتمعنا العماني الأصيل.
وحول ارتباط ظهور هؤلاء المشاهير بندرة الفرص الوظيفية قال: من وجهة نظري لا أرى علاقة بينهما، فالمتابع يجد أن معظم هؤلاء هم أصلا موظفون يعملون سواء في القطاع العام أو الخاص وليسوا باحثين عن عمل، وبالتالي فان هدف ظهورهم الأساسي هو ليس كسب الرزق من خلال قيامهم بالترويج والدعاية، وإن كانوا حققوا ذلك من خلال شهرتهم لاحقاً وكثرة المتابعين لهم، وبالتالي فأنا مع وجود ضوابط وأطر تنظم قيام هؤلاء الأفراد بالدعاية أو الإعلان وعدم جعل برامج السوشيال ميديا ساحة للضحك والسخرية من بعض الأفراد الذين يسيئون بطريقة أو بأخرى لهذا المجتمع، وإيجاد آلية واضحة تحفظ للإنسان العماني كرامته ولهذا المجتمع قيمه ومبادئه.
أما عن دورنا نحن كجمهور فأقول أننا نحن أولاً من يتحمل المسؤولية تجاه شهرة هؤلاء فنحن من جعلناهم مشهورين بتصرفاتنا وسباقنا الأعمى لنشر مقاطعهم لغرض الضحك والترفيه، وبهذا ساهمنا في نشر صورة مغلوطة عن مجتمعنا وعن طبيعة الإنسان العماني، ولذا من الواجب علينا جميعا التكاتف والتعاون للحد من هذه الظاهرة من خلال عدم إعادة نشر أي مقطع أو صور لأي شخصية كانت تمس بطريقة أو بأخرى هيبة المجتمع العماني وأصالته وقيمه الراسخة.

الدور المؤسساتي

أما عزّة بنت سعيد الرقيشية (معلمة) فتقول: أعتقد هناك عدة أسباب لتزايد هذه الظاهرة أبرزها ضعف الدور المؤسساتي في تنمية مهارات المتخصصين في السلك الإعلامي سواءً طلبة تخصصات الإعلام أو الخريجين أو العاملين فيه، وللأسف لعدم الاهتمام بالإعلام الرقمي والذي لا نستطيع فصله عن بقية أشكال الإعلام التقليدية، علاوةً على ذلك، غياب الرادع القانوني الذي يجرّم هذا السلوك، وكذلك افتقارنا لثقافة حماية الطفل وغياب دور مؤسساتي يراقب هذا السلوك، فكم من طفل يتم استغلاله لترويج الإعلانات من قِبل والديه.
وتوضح الرقيشية مواصفات من يمتهن هذه المهنة قائلة: أعتقد أن هناك أربعة مواصفات رئيسية. أولًا الثقافة العامة، ثم الموضوعية، وثالثًا المصداقية، ورابعًا الخبرة الإعلاميّة. وعن علاقة ذلك بتوافر الفرص الوظيفية تقول: هذا سبب واحد فقط وأميل للقول أنه لا يشمل سوى بعض هؤلاء الذين يتلبسون هذه المسميات الوظيفية؛ لأن بعضهم مشاهير في جهات أخرى، كالتمثيل مثلًا، كما أن غياب الدور المؤسساتي والقانوني يشكل عاملًا مسببًا في ظهور هؤلاء وتكاثرهم. لذلك؛ تدخل المؤسسات كوزارة الإعلام بالتعاون مع وزارة العدل سيخلق نتيجة إيجابية.

ساحة للجميع

فيما يقول أحمد بن ياسر الرقيشي (معلم ومهتم ببرامج التواصل): إن ازدياد هؤلاء الأشخاص من وجهة نظري يعود إلى عدة أسباب: أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت من مواقع افتراضية إلى مواقع تقود حياة وفكر مجتمع برمته، وبعضها له رؤية واضحة في متابعة الأخبار وتوجيه الرأي العام، فدخول المشاهير يعود إلى الجمهور لأنه الوتر الذي يلعب به المشهور في طرح مادته، بغض النظر عن جوهرها وقوتها والنتائج المرجوة منها، وهذا الظهور كسر كل القواعد السابقة في الشهرة التي كانت معروفة قبل وجود هذه المواقع من حيث المغزى في طرح المفيد، الآن تجد أن الترويج لشركات معروفة أو منتجات راقية بين الجمهور تتم عن طريق هؤلاء المشاهير، وهنا أشير إلى أن المشهور لا يعرض للنخبة وإنما يعرضه للجميع بغض النظر عن المستوى العلمي والثقافي، لذلك تتسلل المواد عديمة القيمة بسهولة للمجتمع لأن القاعدة الجماهيرية غير المثقفة كبيرة، وأرى أن قلة وعي الجمهور هي السبب الرئيسي في انتشار أصحاب هذه الهواية.
وقال: من بين المواصفات المطلوبة احترام الذوق العام للمجتمع، وعدم المبالغة في الترويج للمادة بحيث تكون مطابقة للواقع، وأن يكون واعٍ بالمادة التي يقدمها فلا يعقل أن يقدم استشارة طبية لأمر يجهله أو يروج لدواء لا يعرف شيء عنه أو حتى أثاره الجانبية، وأضاف: ربما بعض من يمتهنون هذه المهنة ليس لديهم عمل، ولكن معظم المشاهير المعروفين يمتلكون وظائف، ولكن هناك “مشاهير اللحظة” لربما وجودهم من أجل التكسب والرزق، وظهورهم يكون لفترة معينة حين يرتفع سقف شهرتهم.
وعن أهمية وجود ضوابط قال: نعم مع وجود مواد قانونية تتحكم في المحتوى المقدم للجمهور، لأن ظهور هؤلاء أصبح يؤثر على المجتمع داخلياً وخارجياً ويشوهه بشكل كبير، وعليه فإن وجود مواد منظمة وقانون يجرم التنقيص والظهور بشكل مخل للآداب العامة، وتفعيل قانون استخدام المواد التقنية والاتصالات المرئية والمسموعة أمر حيوي، ومحاسبة الشركات والجهات التي تقدم المواد للجمهور عن طريق هؤلاء إذا كانت غير مطابقة للمواصفات المعروضة، كذلك أهمية الحصول على الترخيص من أجل المصداقية وهذا الذي يتوافق مع حماية المستهلك، لأن المادة التي يروج لها كتخفيض يجب أن تكون صحيحة، لأن في الأغلب الترويج يكون بهدف جذب الزبون لفترة معينة ومن ثم تعود الأسعار كما كانت، وأرى أن يكون الترخيص للمادة واضح في تحديد مواصفاتها والمعايير القياسية التي يجب أن تكون عليه.
وأخيراً يقول: علينا التوقف عن جعل هؤلاء مشاهير من خلال عدم تداول المواد التي يقدمونها للجمهور بطريقة رديئة، وتفعيل القوانين التي تحد من هذه الظاهرة في المجتمع لدى الجهات المعنية إن وجدت، وزيادة الوعي لتوضيح خطورة هؤلاء على المجتمع، والتأثير على فئة من شرائحه من خلال الترويج لمواد ضارة أحيانا ً خصوصا ً فئة الشباب، كالترويج للبروتينات التي تزيد العضلات أو تنقص الوزن أو الترويج للملابس أو الأحذية أو الساعات باهظة الثمن، كما يجب أن يكون المجتمع واعياً في خياراته ولا يتبع مثل هذه الحملات التي تهدف فقط للربح والكسب السريع بالإغراء المبالغ فيه.

تصاريح وشروط

أما أحمد بن مرهون البوسعيدي (ماجستير موهبة وإبداع) فيقول: هناك العديد من الأسباب لظهور المشاهير والتي من ضمنها: التقليد الأعمى وحب الشهرة والكسب المالي السريع وانعدام الوعي والإدراك لدى البعض، لذلك فإن المواصفات المطلوبة لممارسي هذه المهنة هي الثقافة والوعي والإبداع والإنسانية، ولا أرى أن ندرة الفرص الوظيفية سبباً لظهورهم، فالكثير ممن يطلقون على أنفسهم لقب مشاهير هم لديهم أعمالهم.
لذا أؤيد تقنين مثل هذه الإعلانات بشدة، وأتمنى أن تكون هناك تصاريح من الوزارات المعنية، ويكون لها شروط معينة وإذا لم يلتزم بها الشخص يسحب منه التصريح، وأهمها الحفاظ على الهوية الوطنية المجتمعية، فهناك من هؤلاء من ينقل صورة سيئة عن المجتمع بدعوى الحرية، ويجب أن تنتهي حرية الفرد عندما تبدأ حرية المجتمع والهوية المجتمعية فهي حق لكل مواطن، ولذلك يجب على الجهات المعنية الحفاظ على الهوية الوطنية من العبث وعدم نقل صورة سيئة عنها.

المصداقية والنزاهة

وتتحدّث الشهلاء بنت سليمان الرواحية (خريجة علاقات عامة واتصال من جامعة العلوم التطبيقية) فتقول: ربما يكون السبب الرئيسي للظهور هو انتشار وسائل التواصل الاجتماعي بشكل كبير جدا عند الناس بمختلف الفئات العمرية، حيث أصبح لدى كل شخص رغبة في تقديم شيء مختلف عن الآخرين ليحافظ على أعداد المتابعين وزيادتهم، وبما أن الناس أكثروا من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي فصار أصحاب المشاريع يتجهون إلى هؤلاء الأشخاص الذين لديهم أعداد كبيرة من المتابعين، حتى يضمن صاحب المشروع أن إعلانه سوف يصل لأكبر عدد من المتابعين، كما أن زيادة أوقات الفراغ لدى الشباب أحد أسباب انتشار هذه العادة، فيجعلهم هذا الفراغ يقومون بتصرفات ربما غير مرغوب بها أو غير محبذة، كالمقاطع الغنائية والتمثيلية والرقص والمقالب ونقد أمور معينة في المجتمع فقط من أجل جذب المتابعين؛ لذلك يجب على الشباب استثمار وقتهم جيدا وتفريغ طاقاتهم في أمور مفيدة.
وعن المواصفات المطلوبة لممارسي هذه المهنة قالت الشهلاء: يجب أن يتحلى كل شخص في هذه المهنة بالنزاهة والمصداقية والعقلانية والاحترام لنفسه من حيث اتخاذ قرارات سليمة وصحيحة كما يجب أن يكون هناك قوانين وضوابط لهذه الإعلانات للحد من انتشارها وانتشار أشخاص بمحتوى غير لائق وربما محتوى ضعيف لا فائدة منه فقط من أجل الحصول على المتابعين، وبالتالي الحصول على المال، ويحق لهم الترويج للتخفيضات في حالة أن صاحب المشروع أو المالك هو الذي يعطي التخفيض والأسعار، شريطة أن تكون هذه الأسعار صحيحة وليست لإيهام الزبائن أو للاستخدام الإعلاني فقط .

البحث عن مصدر دخل إضافي

بينما تختتم الحديث هاجر بنت مالك السديرية (معلمة) فترى أن الانتشار حدث بسبب عدم توفر الفرص الوظيفية وزيادة الباحثين عن العمل والرغبة في إيجاد مصدر دخل من وراء السوشيال ميديا، وقد يلجأ البعض لمثل هذه الإعلانات من أجل الشهرة، كما قد يكون الافتقار لضوابط هذه المهنة من قبل المؤسسات المعنية سبباً في انتشارها بلا حدود.
وعن المواصفات المطلوبة للشخص المعلن، قالت السديرية: القدرة على الحديث بطلاقة واللباقة فيه والثراء اللغوي لدى الفرد وسرعة البديهة من الأشياء الضرورية، كما أن الفكر والثقافة والوعي الإيجابي من أهم مقومات هذه المهنة، أضف إلى ذلك الشخصية والروح الجميلة وعدم الرغبة فقط في المحاكاة والتقليد.
وقالت: في البداية لم تكن ندرة الوظائف سبباً ولكن في الآونة الأخيرة نعم بسبب انتشار ثقافة إن “الشهرة تجيب فلوس” فهي الدافع لهذا الانتشار، وأؤيد تدخّل بعض الجهات إن وجدت لوضع الأسس والضوابط حيث ستتضح الرؤية عند الكثير ومنهم هذه الفئة؛ وتنهي الحديث بالقول يجب علينا عدم متابعة كل من هب ودب واختيار أصحاب العقول الهادفة والحديث الطيب والأسلوب اللبق وعدم الترويج لتلك الفئة التي لا تليق بنا متابعته، والبعض يطالب بوجود تصريح للناشطين بهذه المجال، ولكني لا أرى ضرورة في ذلك لأن هذا مصدر من مصادر الرزق، كما أن تهيئة البيئة للطفل ومعرفته بمثل هذه القضايا أمرا في غاية الأهمية.