هل اكتساب المهارات الفنية والتدريب المهني أكثر قيمة من التعليم الجامعي؟

المهنة والطبقة الوسطي في بريطانيا

كاميلا كافينديش- الإيكونومست
ترجمة: قاسم مكي

في بريطانيا، التعليم يعني الجامعةَ للطبقات الثرثارة. ولايكاد يحظى أي شيء آخر سواه بالاعتبار. (الطبقات الثرثارة مصطلح متداول يُقصَد به، حسب قاموس كمبردج، مثقفو الطبقة الوسطى الذين يهوون الجدل حول القضايا السياسية والثقافية والاجتماعية ويعبرون عن آراء في مسائل كثيرة- المترجم).
لكن الفجوة بين التعليمين الأكاديمي والمهني أضعفت الإنتاجية وفاقمت من النقص في المهارات.
حالات النقص الحاد التي ذكرها أرباب العمل يوجد العديد منها في قطاعات مثل التشييد والصحة وتقنية المعلومات. رغما عن ذلكـ، لدى 10% فقط ممن بلغوا سن الرشد في بريطانيا شهادات فنية عليا كأعلى مؤهل لهم مقارنة بحوالي 20% في ألمانيا والثُلث في كندا. ومن المتوقع أن تكون مهارات حوالي 20% من القوة العاملة في بريطانيا أدني كثيرا من تلك التي تتطلبها وظائفهم بحلول عام 2030.
تريد الحكومة البريطانية تجسير الفجوة (بين التأهيل الأكاديمي والمهني) وإيجاد ” نظام تعليم إضافي من النمط الألماني وبمستوى عالمي”. ووعدت، في هذا الصدد، ببرنامج يضمن لكل أحد فرصة الحصول على مهارات جديدة في أية مرحلة من حياته. يقدم هذا البرنامج دورات تعليم إضافي مجانية للبالغين غير الحاصلين على شهادات الثانوي المتقدم ( أَيه لَيفيل) أو ما يعادلها. ويتمثل التحدي في تجويد الدورات بالقدر الكافي.
النظام الألماني بدلا من تقسيم الناشئة إلى مسارين تعليميين سريع وبطيء يُدرجهم في طريق مزدوج . فسواء درسوا في الجامعة أو المدرسة الفنية يمكنهم أن يحصلوا بعد التخرج على رواتب وأوضاع وظيفية متشابهة. لكن على الوزراء البريطانيين في مساعيهم لتقليد هذا النظام محاربة نزعة المركَزة لديهم . فنظام التلمذة الألماني، مثله في ذلك مثل شركات “متلستاند” الألمانية المتوسطة الحجم، نتاجُ بيئةٍ معقدة من المُخدِّمين والاتحادات العمالية ونقابات الطوائف المهنية والمجالس المحلية.
في بريطانيا يمكنك أن تبدأ العمل في النجارة بدون أية مؤهلات. أما في ألمانيا فلا يمكن أن تكون نجارا أو سبَّاكا ما لم تتقن المهنة في تلمذة صناعية لفترة يمكن أن تمتد إلى حوالي ثلاث سنوات. وغالبا ما تعقبها فصول مسائية. ويتولى التوجيه في المنهج المهني أساتذة حِرَفيون يعرفون المهنة وليس أكاديميين مزعومين.
بالمقارنة، التدريب المهني في بريطانيا فوضوى. فهناك تشكيلة محيرة من المؤهلات المختلفة التي تزيد عن 12 ألف شهادة تأهيلية. وغالبا ما يُحشر الطلاب في دورات يكون “إكمالها” وليس التعلم الفعلي منها هو المهم. والتعاقد بالباطن على التأهيل الفني منتشر مما يجعل من الصعب مراقبة الجودة. نعم هنالك دورات ممتازة لكن توجد أيضا دورات غير مفيدة. وكليات التعليم الإضافي الجيدة لاتحصل على التمويل ويتلقى معلموها رواتب أقل في المتوسط من نظرائهم في المدارس.
من الممكن أن يكون النظام الألماني متصلبا (مفتقرا إلى المرونة). ومع تغير أوضاع العمل من المستبعد استدامة مهارات التلمذة، حتى ولو كانت ممتازة، طوال الحياة. ويمكن أن تبدو المِهَن مقتصرة على أعضاء نقاباتها الحِرَفية وليس لغيرهم ممارستها. سائقو سيارات الأجرة السوداء في لندن (وهم نظائر هؤلاء في بريطانيا) يهزأ بهم البعض قائلين إن سائق خدمة ” أوبر” الذي يقود سيارة مزودة بجهاز الملاحة عبر القمر الصناعي يقدم خدمة أرخص من سائق الأجرة الذي استثمر أعواما في الإلمام بالطرق الخلفية للمدينة. لكن هذه النظرة تتجاهل دور النقابات الحِرَفية كمستودعات احتياطية ( لايمكن أن توجد إلا خارج الحكومة) لروح الجماعة والتعلُّم.
أوجب فيروسُ كورونا التغيير. فبرنامج المخصصات المالية للحاصلين على إجازات مؤقتة يوشك على الانتهاء. وتتبدى في الأفق بطالة جماعية. وسيلزم مرور بعض الوقت لإرساء قواعد المنافسة العادلة بين التعليمين العالي والإضافي. لكن يجب إيلاء أولوية فورية لعلم الحساب. فإلمام حوالي نصف البالغين في بريطانيا بالحساب لايتعدى مستوى المدرسة الأولية. وما هو أسوأ أننا،كما يبدو، نعود القهقرى. فأولئك الذين تتراوح اعمارهم بين 16 إلى 34 عاما أقل علما بالحساب ممن تتراوح أعمارهم بين 45 و75 عاما.
هذا شيء مفزع. فالممرضون بحاجة إلى معرفة الرياضيات لقياس معدلات التغذية الوريدية وجرعات الدواء. ويلزَم المساعدين الإداريين تسجيل الفواتير بطريقة صحيحة. والأمية المالية يمكن أن تجعل الناس يعانون في وضع الموازنات وتُغرقهم في الديون.
يجب علينا الشروع في التركيز على المهارات الحياتية وليس لأداء وظائف محددة. نادرا ما تتطرق المواد التدريبية إلى جوانب مثل النزعات وتكوين الشخصية والقدرة على الإحساس بمشاعر الآخرين إلخ . لكن هذه الجوانب مهمة للمخدّمين (أرباب العمل).
كما يبدو من بعض الأدبيات التي تتناول موضوع الأتمتة وكأن مهارات أصحاب الياقات الزرقاء (العمال ) لم تعد مطلوبة. لكن ذلك لم يحدث. فالذكاء الاصطناعي لن يصلح لي سخَّان الماء بسرعة إذا تعطل. كما يبدو لي أن مصففة الشعر ومن تتولى رعاية خالتي (العجوز) تتمتعان بذكاء عاطفي يفوق ما لدى العديد من المهنيين الذين أجرؤ على القول بأن نتيجة اختبار ذكائهم التي كثيرا ما تُمدّح ربما انتزعتها الآلات”الذكية”. وفي سباقنا لإسباغ صفة المهنة على الكثير من الوظائف قللنا من قيمة قوة الشكيمة والفطرة السليمة وتركنا وراءنا العديدين من أصحاب المهن .
بريطانيا في ذروة العملية التعليمية ناجحة إلى حد غير عادي. فنحن نُعَلِّم بعضَ أفضلِ العقول في العالم في بعض أفضل الجامعات. لكننا أيضا تركنا عددا كبيرا جدا من الناس بدون فرصة أو أمل. فإذا أنت لم تحصل على مؤهل معادل لشهادة المستوى الثانوي “المتقدم” في سن الثامنة عشرة لن تكون لديك تقريبا فرصة الإنتقال إلى تأهيل أعلى، حسب تقرير لجنة رجل الأعمال فيليب أوغار الذي صدر في العام الماضي وتناول موضوع التعليم بعد هذه السن. ويالنظر إلى طول متوسط العمر المتوقع، ستُعاني من ذلك طوال حياتك.
صار الحصول على الشهادة الجامعية على أساس التفرغ الكامل المطلبَ المثالي لنصف سكان بريطانيا. لكن الأتمتة وازدياد وتيرة الشيخوخة تعنيان أننا بحاجة إلى نظام
أكثر تنوعا يمكِّننا من تكييف الدورات التدريبية مع أمسياتنا (أوقات فراغنا) ووظائفنا طوال حياتنا. منحت سنغافورة، التي يُعتبر سكانها من بين الأسرع شيخوخة في العالم، كلَّ مواطن قسيمة تدريب يمكن أن يصرفها نقدا في أية سن للإلتحاق بدورات تدريبية تُراجَع بدقَّة للتحقق من أثرها الفعلي. وإذا أمكن لبرنامج بريطانيا المذكور ضمان التدريب على مهارات حقيقية طوال الحياة ربما ستدرك الطبقة الوسطى أن هنالك أكثر من طريق واحد للنجاح.

  • الكاتبة زميل أول بجامعة هارفارد ومستشارة وزارة الصحة والرعاية الإجتماعية بالمملكة المتحدة