عشية الاقتراع .. ما الذي يقلق أمريكا؟

إميل أمين كاتب مصري –
دخلت الولايات المتحدة الأمريكية في الأيام الأخيرة قبل الاقتراع، فأسبوع واحد هو ذاك الذي يفصل تصويت الأمريكيين، واختيار الرئيس الجديد للولايات المتحدة الأمريكية. سال حبر كثير في واقع الحال على الأوراق في الحديث عن مفارقات هذه الانتخابات غير المسبوقة، وتساءل الأمريكيون إلى أين تذهب بهم، وهل ستكون أداة من أدوات التوفيق، أم دربا يقود إلى التفريق؟ ليس خفيا عن الأعين، ولا خافيا عن الأذهان أن النسيج المجتمعي الأمريكي قد تعرض في العقدين الأخيرين إلى اهتراءات جمة، ومن جملة أسباب الأمر وما دعا إلى تفاقمه، الجائحة التي حلت بالأمريكيين، والخسائر المادية والنفسية التي خلّفها الوباء من ورائه. على أن الأمريكيين يشعرون بشيء كبير من القلق هذه المرة، والجميع يداري ويواري، على أمل أن تمر العاصفة بسلام، وأن تتوقف القوى السياسية المتشابكة عن التصادم بعضها مع بعض، والتفرغ لإعادة بناء الوطن مرة أخرى، ولتعود أمريكا وكما يرى المنظرون لنموذجها، مدينة فوق جبل.
وهنا يطل السؤال برأسه: ما الذي يجعل الأمريكيين قلقين بصورة غير طبيعية على مشارف هذه الانتخابات؟ يمكن الرجوع إلى ثلاثة أسباب مؤكدة تتسبب في هذا القلق، وهي بالترتيب كالتالي: أولا: لعل السبب الأول الذي يزعج النخبة والعوام في الداخل الأمريكي اليوم، هو مآل هذه الانتخابات، وموقف الرئيس ترامب منها، والرجل لا يكف عن التصريح بأنه لن يقبل بهزيمة تتسبب فيها عمليات تزوير. يمكن للمرء أن يتخيل وقوع تزوير في انتخابات تجري في دولة من دول العالم الثالث، لكن أن يحدث ذلك في الولايات المتحدة الأمريكية، فهذا مستبعد جدا. على أن واقع حال الانتخابات هذه المرة ربما يقودنا إلى ذلك، إذ أن التصويت عبر البريد، في محاولة لتجنب الإصابة بوباء كورونا، يفتح الأبواب بالفعل إلى هواجس التزوير، والأسئلة كثيرة، إذ كيف يمكن وضع مراقبة وثيقة ولصيقة على نحو أربعين مليون صوت تم عبر البريد، ومن يضمن سلامة وصول تلك الأصوات من غير تلاعب لصالح هذا المرشح أو ذاك، ثم وربما هذا هو الأهم، كيف سيتم فرز تلك الأصوات وبأي آلية، وكلها أسئلة تعمق الشكوك، ليس فقط عند الرئيس ترامب، بل عند عموم الأمريكيين، أولئك الذين يدركون ما وراء الاتهامات المتبادلة التي يمكن أن تنطلق من أنصار الحزبين الكبيرين، والدماء المتوقع أن تسيل في كل الأحوال ومهما كان من شأن النتيجة.
هل ما نقول به تخمينات مجردة أم معلومات أمريكية من مصادر موثوقة؟
بحسب تقرير جديد لموقع الإذاعة الأمريكية العامة NPR فقد شهد الاقتراع المبكر في الانتخابات العامة الأمريكية إقبالا تاريخيا هذه المرة، لكن أخطاء إدارية وتقنية، وحالة من عدم الثقة حتى الساعة شابت التصويت.
وقد وجد استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث، أن نسبة الناخبين المسجلين الذين يقولون إن الانتخابات تتم إدارتها بشكل جيد قد انخفضت خلال العامين الماضيين، وذلك من 81 % في أكتوبر 2018 إلى 62% هذا العام.
هل يمكن أن يكون الرئيس ترامب على حق في مخاوفه وهواجسه بشأن النتائج المتوقعة، لا سيما أن القاصي والداني يعلم علم اليقين كيف أن الدولة الأمريكية العميقة تعمل ضده؟ تبقى كل الاحتمالات واردة، والسيناريوهات مفتوحة وفي مقدمها ما اطلق عليه «البنتاجون»، وزارة الدفاع الأمريكية السيناريو المرعب، أي اللجوء إلى القوات المسلحة الأمريكية سواء للنزول إلى الشارع ومواجهة الجماهير، أو الدخول إلى البيت الأبيض وإخراج الرئيس الأمريكي عنوة، وكلاهما أسوأ من الآخر، بل إن أحلاهما مر. نهار الخامس والعشرين من سبتمبر الماضي، نشرت صحيفة نيويورك تايمز ذائعة الصيت تقريرا متعلقا برغبة الرئيس ترامب في استدعاء قانون قديم يعود إلى عام 1807، ويسمى قانون التمرد ويخول الرئيس إرسال قوات في الخدمة الفعلية إلى الشوارع الأمريكية، لقمع الاحتجاجات. هنا تبدت مخاوف الجنرالات من أن تحدث مواجهات بين قوات الحرس الوطني الأمريكي من جهة، وبين أفرع القوات المسلحة الأمريكية من ناحية أخرى، وما بين المشهدين يمكن أن تشتعل أمريكا لا سيما إذا انخرطت الجماهير الغفيرة في القلب من المشهد. ومع القلق مع رفض الرئيس الأمريكي الخروج من البيت الأبيض إذا اعتبر الانتخابات مزورة، فهل سيشهد الأمريكيون خاصة والعالم عامة، قيام رئيس الأركان المشتركة بإرسال فرقة البحرية أو مشاتها لإخراج ترامب من البيت الأبيض، وكيف يمكن أن تكون تبعات هذا المشهد على الحياة السياسية في الداخل الأمريكي، والاستحقاقات التي ستنفجر في صفوف الجمهوريين الذين سيعتبرون ولا شك ما جرى مهانة كبرى لا يمكن الصمت أمامها، ما يعود بنا من جديد إلى دائرة سيناريو الرعب المتوقع.
ثانيا: السبب الآخر الذي يجعل من القلق الأمريكي في النهار والأرق في الليل أمرًا واردًا، موصول بالتدخلات الأجنبية الخارجية، لا سيما الصينية والروسية، حيث يتوقع الأمريكيون أن تزداد حدتها، بل إن خبراء أمريكيين في مجال مواجهة الإرهاب قد صرحوا لموقع «بيزنس انسايدر» أن متطرفين روسا قد يستغلون علاقاتهم بجماعات تفوق البيض في الولايات المتحدة لإثارة العنف يوم الانتخابات. وتاليا كانت السلطات في مدينة نيويورك تبدأ استعداداتها لمواجهة العنف المحتمل وقوعه بعد الانتخابات.
ما الذي يتبقى إذن؟
ثالثا: القلق من المخاوف الاقتصادية التي تخيّم على أمريكا لا سيما بعد تصريحات نائب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي «ريتشارد كلاريدا»، والتي أشار فيها إلى أن الاقتصاد الأمريكي سوف يستغرق وقتًا أطول وسط حالة من عدم اليقين تجاه وباء «كوفيد-19». كلاريدا أشار أيضًا إلى أن النشاط الاقتصادي والتوظيفات سوف تستغرق بعض الوقت للعودة إلى المستويات التي كانت سائدة في ذروة دورة الأعمال خلال فبراير الماضي، وأنه سيكون هناك حاجة للدعم الإضافي من السياسة النقدية وربما السياسة المالية. هل هناك مخاوف أخرى غير مرئية يمكن أن تصب جام غضبها على الشارع الأمريكي؟ أغلب الظن أن صراع القطبية العالمية يقود الآن إلى مواجهة خفية تارة وعلنية تارة أخرى ما بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، ولهذا هناك ظنون كبيرة جدا بأن الصين تقوم بعمل منظم خلف الكواليس الأمريكية، لا سيما أن ظلها يتغلغل يوما تلو الآخر هناك، ولهذا وضعت قيود على تأشيرات الصينيين إلى أمريكا.
هنا أيضًا للمرء أن يتذكر ما أشار إليه الرئيس ترامب قبل بضعة أسابيع من أن الصين سوف تفعل المستحيل كي لا أفوز في الانتخابات.
القلق من الصين يضيف أبعادًا أخرى إلى قلق الأمريكيين، فهل ستنجو أمريكا من كابوس 3 نوفمبر المقبل؟