مجالس التعاون العربية.. هل من عودة؟

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

لعل تجربة رابطة دول جنوب شرق آسيا المعروفة باسم الآسيان تعد تجربة فريدة نشير لها دوما، ومن هنا فإن عودة المجالس العربية تعد خطوة حيوية لكسر الجمود السياسي ونبذ الخلافات ووقف الحروب التي سببت كوارث للشعوب العربية.

شهد عقد الثمانينات من القرن الماضي ظهور عدد من مجالس التعاون العربية وهي مجلس التعاون الخليجي ومجلس التعاون العربي والاتحاد المغاربي ولعبت الجغرافيا دورا مهما وتماثل الأنظمة السياسية كما في حالة مجلس التعاون الخليجي وأيضا عامل الجغرافيا كما في حالة الاتحاد المغاربي الذي ضم تونس والمغرب والجزائر وموريتانيا، كما أن مجلس التعاون العربي الذي ضم مصر والأردن والعراق واليمن استند إلى آليات التعاون بين تلك الدول خاصة في المجال الاقتصادي. وكان المأمول أن تشكل هذه المجالس العربية دورا ملهما لشعوبها والانطلاق إلى تكامل اقتصادي واجتماعي ومسار موحد للتنمية وانضمام دول أخرى لتلك المنظومات الثلاث ومع ذلك لعبت التطورات السياسية خلال الأربعة عقود الماضية دورا في انحسار تلك المجالس وبقي مجلس التعاون كمنظومة تواصل عملها بشكل منتظم على صعيد القمم الخليجية والاجتماعات الوزارية رغم مستجد الأزمة الخليجية التي اندلعت بين عدد من الأعضاء في المجلس عام 2017 وهي الأزمة التي أضعفت المجلس وهددت هذا الكيان الخليجي بالتفكك.

هل من عودة؟

شهد لقاء القاهرة مؤخرا بين الأردن ومصر والعراق على المستوى الوزاري وتحديدا مسؤولي الخارجية نظرة تفاؤل حول إمكانية عودة مجلس التعاون العربي وإيجاد مقاربة سياسية من أجل تفعيل منظومة مجلس التعاون العربي في ظل تحديات مختلفة تواجه الدول الثلاث علاوة على اليمن العضو الرابع الذي دخل في معترك الحرب المعقدة منذ خمس سنوات وليس هناك انفراج قريب لوقف هذه الحرب الكارثية.
إن دول مجلس التعاون العربي بحاجة ماسة – في إطار ظروفها الاقتصادية على وجه الخصوص رغم أن لديها إمكانيات كبيرة على صعيد الموارد الطبيعية كما في الحالة العراقية وأيضا الموارد البشرية كما في الحالتين المصرية والأردنية، كما أن العلاقات بين الدول الثلاث شهدت تطورا كبيرا في المجال التجاري وأيضا في مجال الاستثمار- إلى عودة المجلس ليكون رافدا مهما في هذه المرحلة التي تشهد تحديات للعالم العربي ومنظومته القومية على الصعيد السياسي والاقتصادي، كما أن الموقع الاستراتيجي للدول الثلاث على البحر الأحمر والبحر المتوسط والخليج سوف يكون عاملا مهما لتحقيق تكامل اقتصادي وتجاري سوف يشكل نقطة تحول في مسار التطور والازدهار لتلك الدول، كما أن وقف الحرب في اليمن سوف يشكل مرحلة استقرار في المنطقة لتكون اليمن إضافة مهمة لمجلس التعاون العربي. وما ينطبق على دول مجلس التعاون العربي ينطبق على دول الاتحاد المغاربي ذات الموقع الاستراتيجي على المحيط الأطلسي والبحر المتوسط والقرب الجغرافي من دول الاتحاد الأوروبي وهذا يعطيها ميزة تنافسية في المجال التجاري والاستثمار والمواصلات البحرية والجوية.
لقد شهدت فترة ما قبل جائحة كورونا عددا من اللقاءات بين مسؤولي تلك الدول المغاربية في إطار بذل جهود لعودة نشاط الاتحاد المغاربي من خلال وضع تصورات وآليات العودة، حيث إن دول المغرب تمتلك إمكانيات طبيعية وبشرية كما هو الحال في دول مجلس التعاون العربي كما أن التقارب الجغرافي والاجتماعي يجعل من نجاح المنظومة أمرا ممتازا لشعوب تلك المنطقة خاصة وأن ليبيا بعد إحلال السلام سوف تشكل قوة دفع كبيرة على الصعيد الاقتصادي كما هو الحال مع الجزائر، ومن هنا فإن إعادة التفكير في عودة مجلسي التعاون العربي والاتحاد المغاربي هي ضرورة قومية ووطنية لتلك الدول بحيث تكون هناك في المستقبل منظومة التعاون العربي على ضوء مشروع السوق العربية الكبرى الموحدة وتطوير النقل العربي من المحيط إلى الخليج.
ولعل تجربة رابطة دول جنوب شرق آسيا المعروفة باسم الآسيان تعد تجربة فريدة نشير لها دوما، ومن هنا فإن عودة المجالس العربية تعد خطوة حيوية لكسر الجمود السياسي ونبذ الخلافات ووقف الحروب التي سببت كوارث للشعوب العربية.
هل من دور لبيت العرب؟

جامعة الدول العربية تراجع دورها بسبب الخلافات السياسية بين أعضائها، ومن هنا فإن الدور الممكن الذي تستطيع الجامعة أن تنطلق منه هو تشجيع دول مجالس التعاون العربية على عودة نشاط تلك المجالس وتفعيل عملها، أما مجلس التعاون الخليجي فهو مجلس يتواصل عمله وإن كان بشكل غير مريح بسبب الأزمة الخليجية التي كان لها دور سلبي كبير في تحقيق أهداف شعوبه الطامحة إلى منظومة تكامل اقتصادي واجتماعي تخدم الأجيال الحالية والقادمة. ونحن نتحدث عن مجالس التعاون العربية التي اختفى دورها وهي مجلس التعاون العربي والاتحاد المغاربي، فإن مجلس التعاون قد يذهب إلى نفس المصير إذا تواصلت الأزمة الخليجية بكل أبعادها السلبية والتي أثرت على النسيج الاجتماعي وألحقت الضرر الكبير بمنظومة مجلس التعاون الخليجي لعدة سنوات حتى الآن وشهدت القمم الخليجية تمثيلا متدنيا مما انعكس على الزخم الإيجابي المعتاد لتلك القمم منذ ظهور مجلس التعاون قبل أربعة عقود وتحديدا في شهر مايو 1981.
إن المنظومات الإقليمية تلعب دورا كبيرا في تطوير العلاقات ويحدث الانسجام السياسي والمحافظة على مصالح الإقليم، وهنا نقصد به المنطقة الخليجية التي عانت من حروب مدمرة خلال الأربعة عقود الماضية.
جامعة الدول العربية لابد أن تتحرك في إطار إيجاد مصالحة عربية عربية أولا وبعد ذلك تشجيع الدول العربية على عودة المجالس العربية لأن ذلك سوف يخدم الشعوب العربية وتنطلق منه إلى إيجاد قوة اقتصادية عربية من خلال تلك المجالس أولا ومن خلال منظومة جامعة الدول العربية التي يجب أن تبتعد عن الاستقطاب السياسي الذي وضعها في حرج كبير من خلال اعتذار ست دول عربية عن ترؤس المجلس الوزاري، وهي سابقة تاريخية للجامعة والتي تعد اقدم المنظمات الإقليمية في العالم بمن فيها الأمم المتحدة.

الإرادة السياسية

الذي ينقص صانع القرار العربي على مدى سنوات هي الإرادة السياسية وسرعة اتخاذ القرار الذي يصب للمصلحة الجماعية بعيدا عن الحسابات الضيقة، وهو الأمر الذي أوصل الدول العربية إلى الحالة المعقدة الحالية، فالتكامل الاقتصادي شبه مفقود وحتى خلال جائحة كورونا لم نر هبة عربية للتعاون والتخفيف من المشكلات الاقتصادية التي نتجت عن الجائحة، عكس الدول الأوروبية والآسيوية التي شهدت خططا كبيرة لتحفيز الاقتصاد وهذا ما شهدته دول الاتحاد الأوروبي والى حد ما الدول الآسيوية، خاصة الدور الصيني الذي تحدى حدود العملاق الآسيوي وكانت هناك تطلعات الى أن تكون منظومة مجلس التعاون الخليجي ذات دور مشهود من خلال خطوات للتلاحم الاقتصادي على اعتبار أن التحدي الحالي يحتاج إلى تضافر الجهود الجماعية بعيدا عن الحسابات والمواقف السياسية، وفي ظل الجائحة تمت خطوات تعاون حتى بين دول ذات علاقات سلبية.
ومن هنا، فإن منظومة مجلس التعاون الخليجي تعاني بسبب الأزمة الخليجية أولا وأيضا بسبب التوجهات السياسية وهذه معضلة تحتاج إلى إعادة النظر ومراجعة موضوعية لانطلاق مجلس التعاون إلى آفاق أرحب لتحقيق ما ركز عليه القادة المؤسسون -رحمهم الله- والذين حرصوا على نجاح المنظومة الخليجية لتحقيق آمال شعوبهم.
إن الإرادة السياسية هي من الخطوات الحاسمة لانطلاق مجالس التعاون العربية من جديد وفق أهداف تخدم الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج وتكون لبنة لتعاون استراتيجي في مجال الأمن الزراعي، حيث وجود السودان الشقيق بكل ما يملك من إمكانيات كبيرة.
وفي ظل وجود رأسمال خليجي مهم وفي وجود مقدرات طبيعية وبشرية لخلق نهضة عربية تحتاج إلى تلك الإرادة السياسية فهل نشهد عودة قريبة لمجلس التعاون العربي والاتحاد المغاربي وتفعيل مجلس التعاون الخليجي من خلال حل الأزمة الخليجية؟
نأمل ذلك لتحقيق مصالح العالم العربي.