أكثر الناس .. لا يشكرون

أحمد بن سالم الفلاحي
shialoom@gmail.com
من القليل النادر أن لا تجد من لا يشكو حتى من نفسه، ويشتكي من غيره، وكأن هذه الشكوى هي من مستلزمات الفطرة عند كل شخص، فهذا، يشتكي من قلة ما في اليد (مال، ولد، جاه) وآخر من ظلم الآخرين له (حيث يشعر بالحرمان من أشياء يرى الآخرين أنهم كانوا السبب في حرمانه) وثالث، من آخرين أفضل منه (حققوا مستوى معيشي أفضل، وصلوا إلى مناصب عليا، حققوا نجاحات مختلفة في الحياة) مع أن الحكمة تقول في الوقت الذي تتمد فيه على فراش الراحة، هناك من يشقى في بناء المجد -بتصرف- وقس على ذلك أمثلة كثيرة، وفي كل ذلك يشعر أحدهم بالضم، وبالغبن، وبالحرمان، وكأن كل الأشياء السيئة التي تحدث في هذا الكون هي مسلّطة عليه دون غيره، ومن هنا ينكفئ هؤلاء الناس على أنفسهم، إلى درجة التأزم، والنظر إلى الحياة بنظرة سوداوية قاتمة، حيث ينتقل من منطقة الشعور بالتفاؤل، إلى منطقة الشعور بالتشاؤم، ويحمل نفسه، في المقابل، كل الهزائم النفسية التي مر به، ولا يزال، ولا يترك لنفسه فرصة استعادة الأنفاس لبدء مرحلة جديدة أكثر تفاؤلا، مع أن نبينا -صلى الله عليه وسلم- يحثنا على الاطمئنان والرضا: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا»
ومما يؤسف له أكثر، أن يجد هذا النوع من الناس من يسانده في نظرته السوداوية هذه، ويؤازره بشحنه بالكثير من المواقف السلبية، ومحطات الإخفاق التي تحدث من حوله، سواء على المستوى المجتمعي، أو على المستوى الرسمي، ويبدأ الجميع في كيل التهم، جزافا، دون دليل، وكأن الجميع نصب نفسه في إطلاق الأحكام، والنادر جدا، من يقف مع نفسه ليستنطق مجموعة النعم التي عليها، والتي لا تتوفر عند كثير من البشر، هذه إشكالية بشرية بامتياز، والمحظوظ من يخرج من عنق هذه الزجاجة، بكثير من الرضى، والقناعة، ولعل في ذلك حكمة الخالق في خلقه، وهو الأعلم بخفايا خلقه.
مما قرأته مؤخرا عبر صفحة الـ«واتس أب» النص التالي: «يبلغ عدد سكان الأرض الحاليين حوالي 7.8 مليار نسمة، إنه رقم كبير وضخم، ومع ذلك، فقد قام شخص ما بتكثيف 7.8 مليار نسمة في العالم إلى 100 شخص، ثم أجرى إحصاءات النسب المئوية المختلفة كون التحليل الناتج أسهل نسبيًا في الفهم» ويذهب النص في التحليل، والوصول إلى النسب التالية: «من أصل 100 شخص، 77 لها منازل خاصة بهم، و23 ليس لديهم مكان للعيش فيه، ومن أصل 100 شخص، 48 يعيشون على أقل من دولارين باليوم، و39 يعيشون أكثر من دولارين، و3 يعيشون بترف وغنى فاحش، ومن أصل 100 شخص، 87 لديهم مياه شرب نظيفة، و13 يفتقرون إلى مياه الشرب النقية وتصلهم مياه ملوثة، ومن أصل 100 شخص، 75 لديهم هواتف محمولة، و25 محرومون من هواتف نقالة، ومن أصل 100 شخص، 83 يمكنهم القراءة والكتابة، و17 أميون لا يقرأون أو يكتبون» ويختتم النص بالتالي: «إذا كان لديك منزلك وتتناول وجبات كاملة وتشرب الماء النظيف ولديك هاتف محمول ويمكنك تصفح الإنترنت وتذهب إلى الكلية، فأنت في منطقة الامتياز الضئيلة أي في فئة الأقل من 7٪، فأشكر ربك على هذه النعم وأعتني بصحتك جيدًا (…)».
ومن جميل قول ابن السماك – محمد بن صبيح العِجْليُّ الكوفيُّ، المعروف، الواعِظ الزاهد المشهور -(حسب المصدر) قال في وصف الدنيا: «طاعِمُها لا يشبع، وشاربها لا يَرْوىَ، والناظر إليها لا يمل، ولم نَرَ شيئًا أعجب منها ومن أهلها (…)».