شجريان

عادل محمود

عبر التاريخ .. حنجرة المغني مستهدفة، إلى أن جاءت المدنية، واعترفت بمهارة الإنسان، الذي احتاج ملايين السنين حتى وصل إلى التفوق على صوت العصفور.
لدى موت المغني الإيراني شجريان، قبل أسابيع، منعت السلطات احتشاد معجبيه على أسوار المقبرة في مشهد، خشية الإنشاد الجماعي لمعجبيه والترنم بأغانيه التي لم تكن تروق للسلطات، فمنع صوته من الإذاعة والتلفزة طيلة ربع قرن.
كان أحمدي نجاد، الرئيس الإيراني الأسبق، قد وصف المتظاهرين بأنهم مجموعة من الحثالة. فقال شجريان:
“أنا صوت هذه الحثالة… وسأبقى صوتها دائمًا”.
لقد صنف صوت هذا المغني العظيم من بين أجمل 50 صوتًا في العالم. وتتردد أغانيه في كل مكان.
لشجريان صوت من يوقظ الموتى، ويشيع في الأحياء الأمل والسرور الإنساني العميق، حين تصل الأغنية إلى مرتبة الإشادة، الجميلة والفعالة، حياة الإنسان. وأذكر أنني ذهلت عندما سمعته أول مرة. وأدخلني صوته إلى مسرح الكون العلوي، في المنطقة الحرة بين الأرض والسماء.
تذكرت كيف دمرت عشرات الأصوات بمنعها من العيش، ومنع المغنين من الحصول على لقمتهم، وخصوصًا النساء.
ضمن الممنوعات أن تغني امرأة بمفردها، حتى أن أحد الملالي قال ردًا على سؤال جواز أن تغني المرأة لزوجها: لا يجوز إذا كان الهدف إثارة الشهوات.
ولقد ربطوا دائمًا الغناء بالشهوة والرغبة المحرمة. وبالفساد الخلقي. والمشكلة هي في الفحص؛ أي أغنية هذه التي تنشر الإفساد؟ وما الجهة الفاحصة، التي ترسب بين يديها كل الأغنيات؟ الأغنية الوحيدة التي تمر من المحكمة، أغنية المهد… أم لطفلها في السرير.
لقد وصل التدقيق في هذه المسألة إلى حد أن المغني قد يجبر على النزول عن المسرح إذا تلوّى وهو يغني انفعالًا مع كلماته وصوته، أو تحرك زيادة عن عمود الخشب.
ومع ذلك فقد استطاعت بعض الفرق الموسيقية، بقيادة عباقرة موسيقيين، أن تزيّن آلاتها بفريق من النساء الجميلات العازفات، كفرقة “ماه بانو” التي غنت لكبار شعراء إيران، ولعظماء نشيدهم الصوفي.
كان التصفيق ممنوعًا أيضًا إذا شابه الطرب لمقطع مثير للاشتباه، وكذلك الرقص، وفي حده الأدنى التمايل!
طبعًا لم ينج الشعراء من التفتيش بالثياب الداخلية لقصائدهم:
ورق الخريف الأصفر والملون
حين يهوي من الأشجار
يشبه في تمايله… الراقصات
هذه القطعة (لا أذكر قائلها) منعت من النشر… وكذلك شاعرها.