التضامن .. ممارسة تتحرر من عوالق الذات

أحمد بن سالم الفلاحي –

تشكل القدرة على إيجاد توازن بين تجاذبات النفس في التكوين والتمكين الذاهب على بناءات الذات الخاصة، وبين إعطاء مساحة واسعة للتضامن مع الآخر، إحدى التحديات المهمة بين الفرد وذاته، فالذات؛ بطبيعة الخليقة، تحب أن تتعالى على كل الذوات المحيطة، وأن تشكل لها كيانا مستقلا معززا بكل أدوات القوة.

يأتي التضامن واحدا من المفاهيم المحورية في الممارسة الإنسانية الخالصة، وهو الموصل إلى مستوى التعاضد، وبقدر العلاقات الوشائجية القائمة بين التضامن والتعاضد، إلا أن الأول هو المؤسس الحقيقي للثاني، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يمر مشروع التعاضد دون تكون لبنات التضامن هي القاعدة المؤسسة له، والمتداخلة في بنيانه، والتضامن هو عقد اجتماعي عالي القدر والقيمة، تعارف الناس عليه، وأقروه منفذا مهما من منافذ البعد الإنساني في تلاحمه، تآزره، ومن يُفعّل مشروعه الإنساني فقد استطاع أن يتحرر من كثير من تجاذبات الذات، وأن ينأى بنفسه عن السقوط في مستنقع الربح والخسارة، فـ«التضامن» يتحرر من أي التزام رسمي، وبالتالي فهو ينحو منحى المبادرات الذاتية الخالصة، وتذهب سريعًا إلى البعد الإنساني المحض، ولذلك قد لا يلقى التضامن ذلك الالتفاف الجمعي الـ«حشد» في كثير من المواقف، لغياب حقيقته الخالصة، التي تستنكر المصالح الذاتية، وتتجرد من تأثيرات الخاص، ولذا لا يقدم على التضامن بفاعلية إلا من تكون عنده القدرة على التحرر من هذه التجاذبات الخاصة (الذات، الأسرة، العرق، المذهب، النوع) ولذلك عندما تشاهد، أو تقرأ عن أناس يجوبون المناطق الفقيرة في العالم، وفي مناطق الحروب والنزاعات، بغية إطعام طفل فقير لا يجد قوت يومه وكسوته، وإيواء أسرة فقدت عائلها، لتعيش وضعًا إنسانيًا معززًا بالقيم الإنسانية الصادقة، تدرك عندها أن هذا الإنسان حقا قد تحرر من كل ذواتياته الخاصة، وامتطى سلم المجد الإنساني الجميل، و«قليل فاعله».
يشكل التضامن مفترقا جوهريا في معنى البعد الإنساني، ويتخلص من الكثير من حسابات الربح والخسارة، المادية السريعة، فمن يتضامن مع آخر، يدرك أنه لن يقبض مالًا فوريًا وافرًا، ولن يستلم جائزة ذات قيمة في لحظة تكريم منقولة عبر شاشات التلفزة، بل قد يرى أرقام حساباته البنكية تتراجع «ظاهريا» ولكنها تتعاظم «معنويا» عند رب العزة والجلال و(هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) ربما قد ينظر البعض أن حالة الـ«تضامن» على أنها موقوتة بالأحداث الكبيرة، سواء على مستوى الفرد، أو مستوى الجماعة، وأتصور أن هذا الفهم يحتاج إلى مراجعة من قبل من يظن ذلك، لأن الأحداث، وخاصة المؤلمة منها، هي ظرف زمني، لا يعمر طويلا، وبالتالي متى ربط الـ«تضامن» بالظروف الطارئة، أصبح مرتبطا بذلك فقط، بينما مشروعاتنا الإنسانية ممتدة ما قبل الظروف الطارئة، وفي الظروف غير الطارئة، وما بعد الظروف الطارئة، فإذا تم تعزيز الـ«تضامن» بمركز الحياة فقط، فقد تفقد أطرافها عاملًا معززًا مهمًا للبقاء والاستمرار، وهذه مثلبة، لا بد أن يعاد ترتيبها من جديد، فالتضامن لا يخضع، أو يستجيب للشعارات الانفعالية الـ«مناسباتية» وإلا لزالت مع زوال الحدث، وبالتالي لن تؤسس منطلقات إنسانية خالدة، تستجيب لجميع متطلبات الحاضر والمستقبل في آن واحد، وتكرس عملها وفاعليتها لتعضيد مشروعات الحياة الإنسانية منها على وجه الخصوص.
تبقى الإشكالية، وهي صغيرة جدا، أن الثقافة المادية تتعزز يوما بعد يوم في الذاكرة الجمعية، أكثر من القيم الإنسانية العميقة، وينظر إلى هذا التعزيز، وكأنه ميزة عصرية يجب التسليم لها، وبأي منطق تكون عليه، وفي ذلك مواجهة غير محمودة بين هذه الصورة التي تفرض نفسها بقوة المادة، وبين مجموعة من القيم الإنسانية التي لا تزال تنتصر إلى أشياء كثيرة، هي خارج السياق المادي الصلف، ولكنها لا تزال تلعب بورقتها الرابحة في تعضيد الأفراد بعضهم ببعض، وفي لملمة الكثير من الشتات، لأن ميزة القيم تحتاج إلى كثير من التعلم، والتدريب، والمعايشة، والمجاهدة، ولنا في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ الأثر: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يمجسانه، أو ينصرانه، أو يهودانه» ومن جميل ما قرأت أيضا: لـ«بوفال نوح هراري في كتابه (العاقل، تاريخ مختصر للنوع البشري) – مترجم – ما نصه: (بما أن البشر يولدون غير مكتملي النمو فبالإمكان تعليمهم وتشكيلهم اجتماعيًا إلى درجة أكبر بكثير من أي حيوان آخر. تخرج معظم الثدييات من الرحم كآنية خزف مصقولة خارجة من الفرن، وأي محاولة لإعادة تشكيلها ستؤدي فقط إلى خدشها أو كسرها. أما البشر فإنهم يخرجون من الرحم كزجاج ذائب من التنور، من الممكن عزلهم ومطهم وتشكليهم بحرية مدهشة…)» – انتهى النص.
تبهرنا بعض المواقف التي نراها في المشاهد الـ«مرئية» عبر وسائل الإعلام المختلفة، وهي تنقل لنا قطيعا من الحيوانات (أبقار، ظباء، حمير وحشية، أيائل، وحيد القرن، وغيرها الكثير) وهي تنتصر لأحد أفراد القطيع في مجابهة الحيوانات المفترسة، وفي مرات كثيرة تنجح في الحيلولة دون تحقيق ما يذهب إليه الحيوان المفترس من افتراس هذا الحيوان المغلوب على أمره، وهذا السلوك إن يحدث من مخلوقات أعجمية، لا يحكمها عقل، وإنما تحركها العاطفة أو الغريزة، فقط، فهل تحول الحكمة أمام الإنسان العاقل لأن يصل إلى ذروة هذا الفعل الإنساني؟ لا أتصور ذلك، فـ«التضامن» قيمة إنسانية تحتاج فقط، إلى كثير من المجاهدة، لأن تحقيقها يمر باستحقاق مهم، وهو المجاهدة بين ما تتكور عليه الذات، وبين ما تنادي به القيمة الإنسانية، وهو صراع أزلي، تنتصر فيه الذات مرة، وتنتصر فيه القيم مرة أخرى، وفي انتصار القيم أعياد خصبة بالعطاء لتعزيز شجرة الحياة، ونضارة نورقها.
حيث تشكل القدرة على إيجاد توازن بين تجاذبات النفس في التكوين والتمكين الذاهب على بناءات الذات الخاصة، وبين إعطاء مساحة واسعة للتضامن مع الآخر، أحد التحديات المهمة بين الفرد وذاته، فالذات؛ بطبيعة الخليقة، تحب أن تتعالى على كل الذوات المحيطة، وأن تشكل لها كيانا مستقلا معززا بكل أدوات القوة، بينما يأتي الإنسان الحامل لذاته ليقتسم مع الآخرين شيئا مما يساعد على بناء ذواتهم في صورة من صور المؤازرة، ويمثل الـ«تضامن» أحد هذه البناءات.
ينظر، أحيانا، إلى أن هناك ثمة مفارقات جوهرية بين تضامن الأنظمة، وبين تضامن الشعوب، أو المجتمعات، ففي الأولى تتقدم المصالح الكبرى، أو القومية للكيان السياسي ككل، بغض النظر عما يجلبه تحقيق هذه المصالح من مآسٍ على شعوب أخرى من احتلال، وسرقة مقوماتها الاقتصادية، وفي كل ذلك هو تحقيق لمصلحة خاصة لفرد يقف بكل عنجهية وتسلط على رأس السلطة، ولذلك تتضامن الأنظمة المتسلطة مع بعضها البعض لتحقيق ذلك كله، تحت مبدأ «الغاية تبرر الوسيلة» حيث يتضمن ذلك اتفاقات سرية، وتنازلات في اقتسام المصالح، أما في شأن تضامن الشعوب والمجتمعات فهي تنحو المنحى الإنساني الصرف، ولذلك تخرج معظم التضامنات الإنسانية عن حسابات الساسة، وتشكل لنفسها منهجا منفصلا ومختلفا، قد يتبناه فرد بعينه، وقد تتبناه مجموعة من الأفراد اتفقت إرادتهم الشخصية على تضامن ما، لمساعدة شعوب ما، في بقع جغرافية ما، وفي حالات كثيرة تثور شعوب العالم للتضامن مع قضية إنسانية خالصة، قد يكون مكان القضية في مكان ناء يفصله مع عوالم الآخرين مسافات بعيدة تقدر بآلاف الكيلو مترات، ولكن لأن هناك بعدًا إنسانيًا شديد الحساسية، تشترك فيه البشرية، فإن هذه البشرية لن ترضى ولن تتنازل عن مكتسباتها، ولو كان الموقع بعيدا، والحياة غير الحياة، وظروف الناس غيرها عن آخرين.
تمثل الشعوب المغلوبة على أمرها نسبة كبيرة جدا، مقارنة بشعوب العالم التي تعيش على الرفاه، ولذلك يأتي التضامن سواء عبر بعده الرسمي الذي تمثله منظمات إنسانية كثيرة، أو عبر بعده الفردي الذي يمثله اجتهاد الأفراد من ذات أنفسهم، في تأزرهم لإخوانهم من الإنسانية، ليشكل التئاما للجروح الغائرة التي تعيشها هذه الشعوب المقهورة.