وسائل التواصل الاجتماعي: هل يمكن أن ننجو؟

علي بن داود اللواتي –

يمكن لمواليد الثمانينيات حتى بداية التسعينيات تقريبًا أن يصفوا كيف كان العالَم قبل المنصّات الاجتماعية «الافتراضية»، وماذا يعني التواصل غير «الافتراضي» أو كيف تكون العلاقات خارج الفضاء «الافتراضي»، وذلك باعتبارهم آخر جيل مازال يملكُ صورًا حميمة كثيرة للعالَم الحقيقي القابع هناك خلف شاشات الأجهزة الذكية. يُخبرني أحد كبار السن: «لا أفهمُ كيف يتحمّل الجيل الحالي أن يكون حاضرًا طوال الوقت على منصّات التواصل الاجتماعي». مازال هؤلاء يشعرون بوجود مشكلة؛ لأنّ لديهم مقارنة وصورا ذهنيّة بصيغة (ما قبل وما بعد)، ولكنّ المشكلة الحقيقية هي مع جيل الألفية الذي تشكّل وعيه عبر الأجهزة الذكية. فبالنسبة لهذا الجيل يُعتبر تطبيق الانستجرام جزءًا من العالَم الحقيقي، كما كان الجيل السابق يعتبر دكّان الحارة جزءًا من العالَم. قد لا ينزعج جيل الألفيّة من الإعلانات التي تظهر فجأة على الشاشة الذكية لأنّ هذه الشاشة هي العالَم بالنسبة له، وهذه هي الطريقة الطبيعية التي تسيرُ وِفقها الأمور في العالم.
الحديث عن المشكلات والتهديدات التي تمثّلها منصّات التواصل الاجتماعي ليس بجديد، فقد تمّ الانتباه لهذه المشكلات منذ وقت مبكّر تقريبًا، ولكن السرعة الهائلة التي كانت تنمو بها هذه المنصات -وما زالت- فاقت ردّات فعل أولئك المُنتبِهين، ويمكن للقارئ أن يُراجع بعض الوثائقيات التي تكشف الأسرار المرعبة لهذه المنصّات ليقف على حقيقة الأمر مثل Social Delimma و The Great Hack على نتفليكس. ولعلّ الطريف في الموضوع أن نتفليكس التي أنتجت هذه الوثائقيات هي ذاتها تعتمد على التقنيات والخوارزميات محلّ النقد والاعتراض. لهذا، فإنّ الوقوف ضد هذه المنصات وما تعتمد عليها من ذكاء اصطناعي يبدو كـ«البُصاق في وجه الرّيح». إذ ستظل هذه الخوارزميات في التطور والنمو والتعلّم بسرعة مخيفة لم يسبق لها مثيل، وسيستمرّ استعمال البشر كسلع تُباع وتُشترى «افتراضيًا» من قِبل شركات صغيرة وكبيرة.
لم تبدأ منصّات التواصل الاجتماعي لأغراض سيّئة، وربّما فعلا لم يخطر على بال أيّ من مؤسسيها ما ستؤول إليه الأمور. ففي البداية حققت هذه المنصات الغرض الخيّر المنشود منها وهو التواصل الفعّال، الأمر الذي أدّى آنذاك إلى هجرات جماعية هائلة من العالَم المتنوع للمنتديات الافتراضية، ولعل من أبرز ما يثبت ذلك ثورات ما سُمّي بالربيع العربي. ليس من العدل إذن أن نُكثّف المشكلة في استغلال البيانات وبيع وشراء اهتمامات الأفراد فحسب، فمشكلة التشوه في قيم ومعاني الثقافة والمعرفة والسعادة التي عزّزتها هذه المنصّات لا تقلّ أهمية. إنّ الإدمان والاستقطاب المُصمَّم بعناية على هذه المنصات لاستمرار نموها أدى إلى تحوّلها بشكل متسارع نحو أغراض لا تمتّ للثقافة والاهتمامات الجادّة بصلة، فأُجبِرت النُّخَب المُثقفة إما للاعتزال أو التكيّف والاختزال وإفساح مساحة أكبر للتوافه، خاصة بسبب عدم توفر ملجأ افتراضي آخر للحوار. إنّ عصر التفاهة الذي نعيش فيه كما يسميه آلان باديو (أو عصر البلاهة كما يسميه عبدالسلام بن عبدالعالي) هو للأسف نتاج نفس هذه المنصات التي كانت بداياتها بريئة، ولكن البراءة بطبيعة الحال لا تقود إلى الثراء بالضرورة.
تُقدم التفاهة اليوم على طبق الديمقراطية وحرية التعبير للجميع ونسبية الأذواق والحقائق، وهي حتما ليست نفسها المفاهيم التي تؤدي إلى تقارب وجهات النظر والتفهّم وازدهار الدول والشعوب، بل هي من ذلك النوع الذي تصوره الفلاسفة دوما واشمأزوا منه. إذ يُنقل عن أفلاطون قوله «الديمقراطية شكلٌ ساحر من أشكال الحُكم، مليء بالتنوّع والفوضى، ويوزع نوعًا من المساواة بين غير المتساوين»، ويقول برتراند رسل: «لا تزال ديمقراطياتنا العظيمة تميل إلى الاعتقاد بأنّ الشخص الغبي من المُرجَّح أن يكون صادقًا أكثر من الشخص الذكي»، ومؤخرًا في 2018م مع بروز الكثير من الأحزاب اليمينية المتطرفة في مختلف دول العالَم وصف نعوم تشومسكي في مقابلة أجرتها معه قناة الجزيرة الإنجليزية وسائلَ التواصل الاجتماعي بأنها «ذات حدّين»، مشيرًا إلى أنه «في بعض الأحيان، يتم استخدامها لأغراض بنّاءة، لكنها أصبحت أيضًا قوى رئيسية لتقويض الديمقراطية».
إنَّ المثير في التطور التقني اليوم والذي أصبح مجالًا مستقلًا لوحده أنه لا ينشغل بأيّ نوع من الجدل الفلسفي حول طريقة البحث والعمل في الإنسانيات أو الأخلاق أو الصواب والخطأ. إذ تنطلق تقنيات منصات التواصل الاجتماعي من فرضية واضحة وهي أنّ لكل فرد شخصيّته وهويّته المحدَّدة سلفا تكشفها الأنشطة التي يمارسها افتراضيا، وأنّه يمكن استغلال هذه الشخصية المحدَّدة بتزويدها بكل ما يُغذّيها ويُنمّيها أو يزيل تردّدها من أجل كسب المال، ويبدو أن هذه التقنيات ناجحة جدا في فرضيتها، وإلا ما أصبحت من أغنى الشركات في العالَم. يقول فيلسوف العلم هانز ريشبناخ في سياق حديثه عن عدم اكتراث العلم الحديث بالنتاج الفلسفي، وتقدمه المتواصل بسبب ذلك: «إنّ النجاح كثيرًا ما يُحالف أولئك الذين يفعلون، بدلًا من أن يفكروا فيما ينبغي أن يفعلوه»، ومن «المؤكد» أنّ سارتر كان سينبهر بما حققته هذه الشركات من دون «ثرثرة» الوجود الذي يسبق الماهية. أما فيلسوف التقنية الأشهر هيدجر فكان أخيرًا سيترك العناد موقنًا بأنّ الحرية ليست دائمًا في «الرجوع إلى الذات الأصيلة»!
هناك تفاؤل بأنه طالما تمّ الانتباه إلى الوجه الآخر الخطير لهذه المنصّات والتقنيات فإن الحلّ ممكن، وهو يكمن بالدرجة الأولى في تشريع وتنظيم قوانين لحماية البيانات وخصوصية الأفراد وحتى فرض ضرائب على شركات التقنية بالتناسب مع حجم البيانات (الأصول) التي تمتلكها. وقد يبدو طريفًا للكثيرين أنْ أقترح في خضمّ كل المشاكل العالقة في منطقتنا العربية بأننا ينبغي ألا ننتظر الخطوة الأولى من دول «العالم الأول» حتى نتحرك في هذا المجال؛ لأنّ ككل المصائب مصيبتنا ستكون أكبر بسبب نزعتنا الاستهلاكية في كل شيء تقريبًا.
الطريق الآخر للحل الصعب هو في الموازنة مع الأنشطة غير الافتراضية بتسهيل الأنظمة والتشريعات المتعلقة بتأسيس النوادي والجمعيات وإقامة الفعاليات والمعارض والندوات التفاعلية، لما لذلك من دور مهم في تنويع مصادر المعلومات والحوار وتقريب وجهات النظر كما ينبغي. تُرى كيف يقضي العُماني وقته في مدينة عصرية مثل مسقط عندما لا يكون مُحدّقًا في شاشة جهازه الذكي؟ في المجمعات التجارية نفسها وصالات السينما نفسها والمطاعم نفسها والمهرجانات نفسها والفعاليات نفسها. أهذا كل ما يمكن أن تقدمه حياة المدينة العصرية؟