الانتخابات الأمريكية في مواجهة تحدي التصويت البريدي

د.صلاح أبونار –

مع اقتراب موعد حسم الانتخابات الأمريكية، أصبح واضحًا أن معركة «التصويت البريدي» الجارية من أبريل الماضي، سوف يكون لها دور كبير إن لم يكن الأساسي في تحديد النتيجة النهائية.
يجاهد الديمقراطيون والليبراليون، من أجل تأمين وتوسيع التصويت البريدي، ضمانًا لحق الناخب في التصويت مع حمايته صحيا من الجائحة، في ظل قناعة مضمرة تفيد أن توسيع قاعدة المصوتين يعني توسيع قاعدة مؤيديهم، بينما يعارضهم الجمهوريون بشراسة، مطالبين ببقاء الإجراءات الانتخابية على ما هي عليه مع التركيز على إجراءات الحماية الصحية في مراكز الانتخاب، بدعوى أن التوسع الضخم والفجائي في التصويت البريدي يحمل أخطارًا تهدد سلامة الانتخابات وشرعيتها، مع قناعة مضمرة تفيد بأن توسيع قاعدة الناخبين يعني توسيع قاعدة خصومهم.
كيف تبدو حصيلة هذا الصراع الآن؟ حسمت غالبية الولايات أمرها «إجرائيا» لصالح التصويت البريدي، بمعنى إزالة العقبات من طريقه مع بقاء خيار التصويت المباشر، ومن المتوقع أن يكون لهذا الحسم الإجرائي تأثيره القوي على الانتخابات، ليس فقط لأنه يتسق مع السياقات المصاحبة للوباء، وآخرها إصابة ترامب نفسه وأربعة من رجال البيت الأبيض، بل أيضًا لوجود مقدمات تاريخية قوية للتصويت البريدي. ترجع البدايات الأولى للتصويت البريدي إلى «التصويت الغيابي»، الذي يمارسه الجنود الأمريكيون منذ انتخابات 1864م الرئاسية خلال الحرب الأهلية.
وبشكل طبيعي توسع التصويت الغيابي ليشمل المدنيين المقيمين خارج أمريكا وفئات منهم داخلها، وفي العقود الثلاثة الأخيرة قفزت نسبة مشاركته في الانتخابات الرئاسية من 5% عام 1996 إلى 25% في 2016، لتنخفض نسبة التصويت المباشر من 90% إلى 60%. ما هي الأسباب؟
من عام 2000 شرعت ولايات واشنطون وأوريجون وكولورادو ويوتا وهاواي في تبني «التصويت البريدي الكامل»، عبر إرسال بطاقات التصويت آليًا لكل الناخبين ليعيدوا إرسالها بريديًا أو يودعونها في مراكزهم الانتخابية، ولكن المؤكد أن مشاركة الولايات الخمس في تحقيق القفزة محدودة، فلو رصدنا عدد سكانها عام 2020، وليس قاعدة ناخبيها ولا المشاركين في الانتخابات، سنجدها لا تتعدى 22,3 مليون تقريبا، بينما كان إجمالي المصوتين غيابيا في أمريكا 57,2 مليون في 2016، والأرجح أن تلك القفزة تولّدت أساسا من رحم توسع التصويت الغيابي، عبر موافقة بعض الولايات على ممارسته دونما إبداء عذر.
ما هي ملامح موقف الولايات الراهن من التصويت البريدي؟ وفقًا لمادة منشورة في 8 أكتوبر تتوزع الولايات بين 4 مجموعات بينها مساحة تداخل 10 ولايات ستقوم بإرسال بطاقات التصويت آليًا لكل الناخبين، و14 ولاية ستقوم بإرسال «تطبيقات التصويت البريدي» آليًا لكل الناخبين، و35 ولاية أقرت بحق كل ناخب في طلب البطاقات دونما إبداء لعذر، و5 ولايات أقرت بحق الناخب في طلب البطاقة بشرط إبداء عذر أبعد من الوباء.
يتبنى نقد الجمهوريين والتحالف المحافظ للتصويت الغيابي عدة عناصر نجدها داخل تقارير بعض المراكز والمؤسسات الأهلية المحافظة مثل «مؤسسة التراث» و«المؤسسة القانونية للمصلحة العامة»، وكتابات شخصيات جمهورية ومحافظة بارزة، وفقًا لبيانات «المؤسسة القانونية للمصلحة العامة»، في تقريرها المعنون «وضع حرج» سبتمبر 2020 والذي غطى 42 ولاية، تعاني قواعد تسجيل الناخبين من اختلالات عديدة. فهناك 349773 متوفيا مسجلا في سجلات الناخبين، وآلاف الأسماء أحياء سجلوا مرتين في ولايتين مختلفتين أو في ولاية واحدة بعنوان واحد أو بعنوانين مختلفين. وساهم هذا في توليد إمكانية التزييف الانتخابي، وفقًا لحساباتها شارك من الأموات 7890 في انتخابات 2016 الرئاسية و6718 في انتخابات 2018 النيابية. وفي انتخابات 2016 صوت 43760 ناخبا مرتين تبعا لتسجيلهم مرتين على عنوانين مختلفين، وفي انتخابات 2018 النيابية صوّت 37889 مرتين تبعًا لتسجيلهم مرتين على العنوان نفسه، و5500 مرتين من عنوانين مختلفين.
ولكن القصور تبعًا للمصادر نفسها لا ينحصر في قواعد تسجيل الناخبين، بل يمتد ليشمل آليات نظام الانتخاب البريدي نفسه، وفقًا للمصادر ذاتها يعاني النظام من مشاكل سابقة على التصاعد الراهن للضغوط عليه.
تذكر بيانات المؤسسة أنه فيما بين 2012 و2018 لم يقم الناخبون بإعادة إرسال بطاقة انتخابية من كل 5 بطاقات أرسلت إليهم، واعتبرت تلك البطاقات التي قدرت عددها 28,3 مليون مفقودة لقصور في النظام.
وأضافت: إن عدد البطاقات التي لم يتمكن النظام من توصيلها لأصحابها في انتخابات 2016 و2018 وصل إلى 1,112,348 بطاقة. وترى أن النظام بوضعه الراهن سيعجز عن مواجهة الفيضان البريدي في 3 نوفمبر، وسيتجلى هذا في الفوضى الإدارية والغش التصويتي، وارتفاع نسبة الأصوات التالفة والمفقودة، وضعف الرقابة على التصويت وتأخر وصول الأصوات وفرزها وإعلان نتائجها. ويخبرنا هؤلاء بـنهم لا يرجمون بالغيب، مستشهدين بانتخابات يونيو الماضي الأولية في نيويورك، وارتفع عدد البطاقات البريدية من 23,000 في 2016 إلى 400,000 في يونيو، ونتج عن هذا تأخر وصول مليون بطاقة في موعدها، وعجز المنظمين عن إعلان الفائز لمدة 3 أسابيع.
لم يعدم الديمقراطيون والتحالف الليبرالي الحجج لمواجهة النقد الجمهوري، في مواجهة تشديد الجمهوريين على قابلية التصويت البريدي الطبيعية للتزييف، استدعى الليبراليون نتائج عشرات الدراسات المسحية العلمية المحايدة التي تؤكد محدودية التزييف الانتخابي.
ويمنحنا مركز برينان للعدالة التابع لمدرسة القانون بجامعة نيويورك رصدا لعشرات الدراسات التي تناولت أنماط التزييف من انتحال الشخصية مرورا بالتصويت المزدوج وتصويت الموتى وحتى تصويت الأجانب والمحكوم عليهم بتهم جنائية. وعلى سبيل المثال وجدت دراسة جوستين ليفيت 2007 أن معدلات التزوير تتراوح بين 0,0003% و0,0025%. ووجدت دراسة أخرى تناولت التزييف عبر انتحال الشخصية فيما بين 2000 و2014، أن عدد حالاته لا يتعدى 14 حالة في إطار بليون بطاقة انتخابية استخدمت خلال الفترة. ووجدت دراسة صادرة 2016 أن الحد الأقصى للتصويت المزدوج في انتخابات 2012 لا يتعدى 0,02%.
وأضاف المركز: إن العديد من الأحكام القضائية أكدت ما قدمته الدراسات، وعلى سبيل المثال أعلنت دائرة تكساس القضائية الخامسة أن عدد الإدانات القضائية بالتزييف عبر الانتحال لا يتعدى حالتين في إطار 20 مليون صوت خلال عقد كامل، وتطرق الجدال الليبرالي لنقد مصداقية دراسات المحافظين المسحية.
في أبريل 2020 ذكر تقرير للمؤسسة القانونية أن أكثر من مليون بطاقة انتخابية أرسلت في انتخابات 2018 ثم أعيدت لتعذر تسليمها لأصحابها، وعندما أثبتت بروببليكا أن هذا الرقم ضعف الرقم الحقيقي للبطاقات، اضطرت المؤسسة لتعديله. وفي ديسمبر 2019 رفعت المؤسسة قضية ضد مدينة ديترويت لتصحيح قوائم ناخبيها، مدعية وجود 2500 ناخب متوفى وتكرار 5000 اسم مرتين أو ثلاثة ووجود 16000 اسم يجب إزالته لغياب تاريخ التسجيل، ولكن المنظمة بعد عجزها إثبات دعواها اضطرت في يونيو الماضي للتخلي الإرادي عنها. وردًا على طرح المؤسسة اعتبار 28,3 مليون بطاقة بريدية سلّمت لأصحابها ولم يعيدوا إرسالها، بطاقات مفقودة تشكل فرصًا لتزييف الانتخابات، قال أكثر من ناقد: إن التفسير المنطقي أن الناخبين امتنعوا عن التصويت وألقوها جانبا، ولكن مواجهة الليبراليين لحجج المحافظين، حول قدرة النظام على التعامل الناجح مع الفيضان البريدي، كانت أقل كفاءة. وانتقد الليبراليون عن حق ادعاءات المحافظين مبرزين امتلاك التصويت البريدي لضمانات تمنع التزييف المخطط والواسع، ولكن ترامب والمحافظين على درجة من الصواب في شكوكهم في قدرة النظام على المواجهة الإجرائية للفيضان البريدي، لكنهم بلا شك يضخمون احتمالات العجز، سعيًا لتحجيم نطاق التصويت البريدي الأكثر ملاءمة لترجيح الديمقراطيين. ويخبرنا رصد منصات التحالف الليبرالي الإعلامية أنه يقدر المشكلة بدرجة أقل من حجمها الحقيقي، لكنه أيضا يبادر بمواجهتها في حدود إدراكه لها عبر عدة مسارات.
توسيع المدى الزمني للتصويت البريدي لتخفيف الضغط، سواء من حيث تاريخ بدء التصويت أو تاريخ استلام البطاقة البريدية، وتوفير التمويل اللازم لتطوير البنية الأساسية للتصويت البريدي، وتدريب الهيئات الإدارية على التعامل الكفء مع الموقف، وإصلاح الهياكل التشريعية المعوقة للتصويت، والتهيئة المسبقة للوعى المدني بمسار ومزالق العملية الجديدة. والأرجح أن النظام الانتخابي سينجح في النهاية في اختبار التصويت البريدي، ولكن ليس دونما خسائر وأزمات ستحل بالعملية الانتخابية. سوف تخرج عمليات الفرز وإعلان النتائج عن مداها الزمني المعهود، في سياق الاستقطاب السياسي الحاد الراهن، وسيحمل هذا معه مخاطر سياسية يصعب التنبؤ بها والتحكم فيها. وسيعجز النظام عن مواجهة ضغط التدفق مواجهة كاملة، وحتما ستقع بضعة أزمات في صورة بطاقات لم تصل لناخبيها أو تأخر وصولها، وبطاقات فقدت أو لم تصل في موعدها لمراكز الفرز، وبغض النظر عن حجم الأزمة الحقيقي ومدى خطورتها، سوف يُدفع الاستقطاب السياسي بالعملية في النهاية إلى ساحة القضاء حتى تصل للمحكمة العليا. ولدينا مؤشرات واضحة. حادث اكتشاف تسع بطاقات بريدية ملقاة في القمامة خارج مركز انتخابي بمقاطعة بولاية بنسلفانيا، والذي سارع مدعي المقاطعة العام بإعلانه رغم أن التحقيقات لا تزال في بداياتها منوها بأن سبع منها كانت لصالح ترامب.
ورفض ترامب الإعلان عن التزامه بانتقال سلمي للسلطة حال هزيمته، وإصراره على تعيين قاضية جديدة محافظة في المحكمة العليا بعد وفاة القاضية جينزبيرج، مؤكدًا مرارًا أن هذا كله سينتهي بالانتخابات للمحكمة العليا.