الثنائيات .. هل تتوازى أم تتقاطع في مشروعات الحياة؟

أحمد بن سالم الفلاحي –

تسود في كل التجارب البشرية حالات من التسيّد في مفهوم هذه الثنائيات، وهي ممارسات سلوكية معايشة ومقبولة إلى حد ما، مع أنها واحدة من السلبيات التي تقضي على الطرفين، فلا يظهر للملأ إلا طرف واحد متسيّد على المشهد الاجتماعي.
ينظر إلى الثنائيات على أنها واحدة من المسلمات في ثقافة الشعوب، بلا استثناء، ولذلك فهي تحظى باهتمام غير منكور، وتتخذ لها موضعا متمكنا، ومتحكما في آن واحد في الذاكرة الجمعية، وإن حلت كصورة نمطية على ألسنة الناس، فهذا صغير، وهذا كبير، هذا سيئ، وهذا صالح، وقس على ذلك أمثلة كثيرة في الحياة، ويتعمق التقييم أكثر، كلما وضعت هذه الثنائيات على محك هذا التقييم، فالمسألة تتجاوز البعد اللفظي لها، الخير والشر، العلم والجهل، الليل والنهار، لأن كل واحدة من هذه الثنائية المترابطة تحمل دلالاتها الخاصة، ولها مشروعها الخاص في الحياة، ولها تأثيرها المختلف، ولذلك قد يصعب تماهي أحدهما في الآخر، أو دمج «منظم» أحدهما في الآخر، وذلك ببساطة متناهية أن المنتج لن يحمل خصائصهما، مجتمعين، أو خصائص أحدهما دون الآخر، وربما يكون الناتج «كارثيا» بالمطلق، وذلك لتداخل التخصصات، وعدم معرفة الأسود من الأبيض، كما يقال، أحيانا، والمهم في هذه المسألة هو عدم التسليم المطلق لما تذهب إليه هذه الثنائيات في مفهومها النظري العام لأنها بذلك تحكم على نفسها بالتموضع، ويبقى ليس من اليسير أن تتحرر في إيجاد مسالك أو حلول لكثير من قضايا الأمة، وهذه المسألة تؤرخ مناخات، ربما، تبقي الأجيال في مربعها الأول.
قد تجبرنا الثنائيات على التسليم المطلق، وبالتالي لا نذهب كثيرًا إلى التفكير في الحلول المحورية لمختلف القضايا اليومية، لأن هناك صورة نمطية أسستها هذه الثنائيات، ومفاد هذه الصورة أنها تصطدم بجدار قوي يصعب تجاوزه في ظل حضور دائم لهيبة هذه الثنائيات، فعند الحديث، مثالا، عن الخير والشر، فالحقيقة تقول: «ليس هناك خير بالمطلق، كما هو ليس هناك شر بالمطلق» لأن الإيمان بمطلق الأشياء، كحالتي الخير والشر، معناه توقف الحياة عند مستوى معين، وبالتالي تعطل كل الأدوات عن المساهمة الفاعلة في مشروع الحياة، وهذا لا يمكن، بل إن الخير والشر يعملان على دفع الإنسان لأن يغامر في متون الشر، ليجلب خيرا أكثر، ويصطدم مع تجاذبات النفس «الأمارة بالسوء» ليبقى على خير أكثر، أيضا، فـ«الخير في بطن الشر» كما هي المقولة، مع أن الخير يكون، أحيانا، شرا على صاحبه، حيث يؤدي به البطر، والتكبر، وتوليد مآسيه على الآخرين، ولذلك يقال: «أنه لولا ثلاثة، لما طأطأ الإنسان هامته، وهي الفقر، والمرض، والموت» وهذه الثلاث تمثل الثنائيات الموازية لـ(الغنى، الصحة، الحياة) فلو عاش الإنسان على الثنائيات الأجيرة، لعاث في الأرض فساد، ولو امتدت حياته على الثنائية الأولى لهلك وهلك من معه، فسبحان الله الذي أوجد هذه المعادلات الدقيقة ليبقى الإنسان على توازن ليستمر وتستمر الحياة (والله أحسن الخالقين).
تعكس حالات التضاد لهذه الثنائيات، في بعض جوانبها، صور التأزم في المواقف، وتخلق مسالك مسدودة، ليس من اليسير تجاوزها، لأن كل طرف في قضية يعمل على الانتصار لقضيته فقط، ولا يهم بعد ذلك ما تكون عليه النتائج على الطرف الآخر، ولو تكون هذه النتائج كارثية، مع سبق الإصرار والترصد، فثنائية التسامح والتشدد، وهي سلوكيات معايشة، وملموسة في حياتنا كبشر، كلها مطلوبة، كممارسة، وفي كليهما مطلوب تحقيق مستوى نسبي، وذلك للبقاء على الكيانات، وعلى المحددات، وعلى مجموعة من الخصائص لمختلف الأطراف، فالتشدد المطلق يفضي إلى تكلفة كبيرة، وقد تكون تكلفة خاسرة لأي طرفين جمعت بينها مصلحة ما، كما أن التسامح بالمطلق تكون له التكلفة نفسها لأي من الطرفين، لأن فيه إلغاء لمكانة الآخر وهيبته وحضوره الاسمي والمادي، والموقف في كلا الصورتين الماثلتين هو موقف متضاد، ويفضي إلى خسائر، قد تكون ثقيلة، وغير مقبولة اجتماعيا، ولذلك، كما نسمع كثيرا، عن وفود المفاوضات في القضايا المختلفة، سواء على مستوى الأفراد والجماعات، أو على مستوى الدول، والمنظمات، فإن هناك شروطا قاسية في اختيار المفاوضين، ومن ذلك الخبرة في ذات مجال التفاوض، والمعرفة، وتجربة الحياة، والحكمة، والتبصر، كل ذلك للوصول إلى نتائج على قدر كبير من الأهمية، تحقق للأطراف التفاوض قدرا معقولا من الرضا والقناعة، وعدم إلغاء الآخر، أو إقصائه.
تسود في كل التجارب البشرية حالات من التسيّد في مفهوم هذه الثنائيات، وهي ممارسات سلوكية معايشة ومقبولة إلى حد ما، مع أنها واحدة من السلبيات التي تقضي على الطرفين، فلا يظهر للملأ إلا طرف واحد متسيّد على المشهد الاجتماعي، وقد يصنف ثالثا، حيث تتوارى ثنائية الأضداد، وخصائصها، وصفاتها، ومميزاته، وأقرب مثالا على ذلك هي الحالات التشاركية في أي مشروع من مشروعات الحياة، فلا بد أن تكون هناك حالات من التناقض عند الشريكين، وبالتالي تعمل حالات التناقض هذه على تفكيك مجموعة الحزم التي يعوّل عليها بناء المشروع الذي أسس له الطرفان في آن واحد، ولكن بعد تحقق المشروع على الواقع، تبدأ في الظهور على السطح مجموعة من المحفزات الذاتية، التي كانت مكبوتة في مرحلة ما من مراحل إعداد المشروع، حيث تبدأ المصالح الخاصة تمخر في ثنايا المصالح العامة، وتبدأ العداوة تنمو على حساب الصداقة، ومع مرور الأيام تنتعش مجموعة المحفزات الذاتية المتضادة، سواء من كلا الطرفين، أو من طرف واحد فقط، فتذهب بالمشروع إلى التفكك، وإلى حالات من الصدام، والصراع، إلى تماهي المشروع إلى اللاشيء.
تؤكد الحقيقة العلمية أن التيار الكهربائي يعمل على ثنائية (السالب/ الموجب) حيث يمثل كحقيقة ملموسة، وذلك ما يشعه من نور، وما يعمل على تحريكه للأجهزة والأدوات، ولكن ميزة هذه الثنائية في التيار الكهربائي أنها تيسر في خطين متوازيين، ولربما لو سارا في خطين متعاكسين لحدثت كارثة ما، كما هو الحال في قطبي المغناطيس، فالقاعدة الفيزيائية تذهب إلى أن «الأقطاب المتشابهة تتنافر، والأقطاب المختلفة تتجاذب» ولكن هذا التجاذب إذا تجاوز خطوط التماس، قد يصل إلى الاحتراق، وحدوث الكارثة، فالقرب الشديد، بقدر ما هو يعضد من القوة والتمكن، إلا أنه قد يثير الكثير من المشاحنات، والتضاد، لماذا؟ لأن في ذلك إلغاء لشخصية الآخر، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون هناك طرفان متماثلان في كل شيء، لتبقى الصورة آمنة مستقرة، وبالتالي فالاقتراب الأكثر لا بد أن يلغي طرفا، ويعلي طرفا آخر، وهذا واقع لا يمكن قبوله في الفهم الاجتماعي، وإن قبل لظروف ما، فذلك سيكون على مضض، ولن يدوم، وربما لوجود الصفات الثنائية أو المكملة من شأنها أن تخفف حدة الاحتقان، فالعصبية عندما تقابل بهدوء البال، ستقل حدتها، وتختزل فورتها.
نأتي هنا، ختاما، إلى مقاربة ثنائية (الغياب والحضور) وهما ثنائية معايشة في كثير من الالتقاءات البشرية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال إلغاء أحدهما في حضور الآخر، لكن هل يمكن تجاوز أحدهما في أي قرار يمكن أن يعتمد أو يؤخذ به للمصلحة العامة؟ عمليًا، لا يمكن، ففي وجود الحضور، تبقى هناك مساحة فارغة للغياب، وهذه المساحة الفارغة يجب أن تملأ بالكامل، أو على الأقل بنسبة كبيرة عندما يكون الغياب حاضرا، والذي كان حاضرا هو في مكان الغياب، ولنقترب من هذا الفهم أكثر، لنضرب بالمجالس التشريعية، مثالا: فالمجالس التشريعية هي حضور مؤكد في الزمان والمكان، لغياب جمهور عريض، هو الآخر مؤكد في زمان ومكان وإن كان أكبر، ولا يمكن تجاوزه بأي حال من الأحوال، فصناعة التشريعات من قبل الحضور «الأعضاء» هي ذاهبة لذلك الغياب الـ«جمهور» العريض، نعم، قد يتصادم الطرفان في موقف ما، ويتموضع كل طرف على رأيه، ويستمر الموقف بين الطرفين في حالة من «اللاحرب، واللاسلم» كما هو التعبير العسكري، ولكن لا يمكن أن يلغي أحدهما الآخر، وعند الاتفاق، كما هو المثال، على صيغة تشريع ما، لأي شأن من شؤون الحياة يمكن إلى حد ما يتوازى الطرفان في مسار خطي، أو أفقي، وهو مسار غير دائم، فقد يتقاطعان عند أي مشروع آخر قادم، حيث تبدأ العجلة في الدوران من جديد.