العلاقات العربية الفلسطينية.. وضرورة التوافق !!

د. عبدالحميد الموافي –

المؤكد أن دولة فلسطين لها حق قراءة التطورات والتعامل معها بما يخدم المصالح الفلسطينية في النهاية، ولكن المؤكد أيضا أن الإطار العربي يظل الإطار الحيوي لفلسطين، القضية والشعب والدولة، في الحاضر والمستقبل…

وبقدر أكبر من التوافق البعيد عن الافتراضات أو الظنون، أو « العشم الأخوي « الذي لا تعرفه السياسة، حتى بين الأشقاء، خاصة في هذه السنوات، فإنه من الأهمية بمكان محاولة التوقف، ولو قليلا، أمام بعض جوانب العلاقات العربية الفلسطينية، خاصة تلك الجوانب والمواضع الشائكة، التي تتداخل وتتقاطع فيها العواطف والآمال والمصالح والحسابات القريبة والبعيدة والتكتيكات أيضا بشكل أو بآخر، وهو ما يصاحبه عادة الكثير من الضباب وعدم وضوح الرؤية والصيد في الماء العكر أيضا، على الأقل من جانب بعض الأطراف المعنية والباحثة عن مصالحها الذاتية فقط ولو على حساب الجميع. وفي هذا الإطار فإنه يمكن الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب، لعل من أهمها ما يلي:
أولا: أنه من المؤكد أن القضية الفلسطينية لاتزال هي القضية المركزية بالنسبة للأمة العربية، ولمجمل الدول العربية أيضا. ومع الاعتراف بوجود درجة ما من تفاوت المواقف بين الأشقاء، حيال القضية الفلسطينية وتطوراتها ومراحلها المختلفة، وهو أمر معروف على نطاق غير قليل، منذ عقود عديدة، وعبر خطوات ومواقف محددة ومعروفة، إلا انه يمكن القول إن الأهمية التي تمثلها القضية الفلسطينية على مستوى الرأي العام العربي، وبالنسبة لكل الشعوب العربية، تدفع، حتى الآن على الأقل، كل الدول العربية إلى الإعلان والتأكيد على التزامها بالقضية الفلسطينية وبمصالح الشعب الفلسطيني الشقيق وبحل القضية بما يعيد إليه حقوقه المشروعة وإقامة دولته المستقلة، وفق قواعد الشرعية الدولية، كما أن هذا الموقف لا يزال موقف جامعة الدول العربية الذي تعبر عنه قراراتها الصادرة عن اجتماعاتها. وبغض النظر عن النوايا، فإنه من المهم بالنسبة للأشقاء الفلسطينيين التمسك بذلك والتأكيد عليه، ليس فقط لإعلائه أمام الرأي العام العربي، ولكن أيضا لتعويق تجاوزه والخروج عليه بشكل أو بآخر، أما الدخول في خلافات وتراشقات واتهامات متبادلة بين الفلسطينيين وأي طرف عربي آخر، فإنه بالقطع لا يساعد على ذلك، بل يفتح المجال واسعا أمام الجموح وتطوير التعاون مع إسرائيل بشكل أو بآخر.
وإذا كانت قد حدثت تجاوزات في لغة التخاطب والحوار وتبادل الاتهامات بين بعض الأطراف الفلسطينية وبعض الأطراف العربية، فإنه من المهم والضروري العمل بشكل جاد ومحدد من أجل وقف أية حملات إعلامية متبادلة بين الدول العربية والفلسطينيين، خاصة على الصعيد الرسمي ووسائل الإعلام الرسمية، مع العمل على البحث عن نقاط الالتقاء وتبديد الشكوك أو المخاوف وإيضاح حدود المواقف ودواعيها كذلك، وهي أمور مهمة بالنسبة للجانب الفلسطيني الذي يشعر بخلخلة جدار التضامن العربي الذي كان يستند إليه على امتداد العقود الماضية. وحسنا عمل الرئيس الفلسطيني محمود عباس عندما منع انتقاد الرموز العربية، ولعل الأمر يمتد لوقف الحملات المتبادلة، وصولا إلى تهدئة ضرورية بين الأشقاء. أما النافخون في النار والمستغلون للخلافات العربية والمستفيدون منها، فإن تأجيجهم للخلافات لا يعود بالنفع بأي درجة، لا على الفلسطينيين ولا على القضية الفلسطينية حاضرا ومستقبلا، ولا على العلاقات بين الأشقاء، وإن كان يخدم مصالح هؤلاء على حساب المصالح العربية في النهاية.
ثانيا: إنه من المعروف، لكل المهتمين بالعلاقات العربية وتطوراتها على مدى العقود الماضية، أن الخلافات الحادة والتراشق بالاتهامات بين الفلسطينيين، أو بعض تنظيماتهم على الأقل، وبين هذا الطرف العربي أو ذاك، قد حدثت مرات عدة من قبل، بما في ذلك مع الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر حول قبوله للقرار 242 لمجلس الأمن الدولي، ثم قبوله مبادرة روجرز عام 1969، ثم مع الرئيس الراحل أنور السادات بعد زيارته لإسرائيل عام 1977 وتوقيعه لاتفاقيتي كامب ديفيد عام 1978 ولمعاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979، وقبلها جرت الخلافات الحادة والصدام المسلح بين القوات الفلسطينية في الأردن وبين القوات الملكية الأردنية في سبتمبر عام 1970 مما استدعى تدخل عبد الناصر ودعوته لعقد قمة عربية طارئة في القاهرة وهى القمة التي توفي على اثرها في 28 سبتمبر 1970، وبعد ذلك الخلافات والصدامات المسلحة بين القوات الفلسطينية والسورية في لبنان، وبين القوات الفلسطينية والقوات اللبنانية والتي دخلت على أثرها القوات السورية – قوات الردع العربية – إلى لبنان عام 1976. وبرغم تكرار وتعدد الخلافات التي جرت بين الفلسطينيين وبين هذا الطرف العربي أو ذاك، فإن التجارب العربية في هذا المجال تشير بوضوح إلى تجاوزها في النهاية، والى تأكيد كل الأطراف العربية على احتضان القضية والشعب الفلسطيني في الإطار العربي، الذي عبرت وتعبر عنه جامعة الدول العربية، وعلى أساس الالتزام العربي بالحل العادل والشامل للقضية الفلسطينية وبحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفي إطار المبادرة العربية للسلام وحل الدولتين بعد ذلك.
جدير بالذكر أن من العوامل الإيجابية، والسلبية في بعض أوجهها في الوقت ذاته، أن القضية الفلسطينية، بما تحظى به من اهتمام ومكانة في الشارع العربي، ظلت عاملا وأداة في الحسابات والسياسات الداخلية والإقليمية للدول العربية، وحتى للأطراف الإقليمية غير العربية في المنطقة، حتى الآن، وقد أدى ذلك إلى محاولات أطراف عربية مختلفة إيجاد منظمات فلسطينية مرتبطة بها وتعبر عن سياساتها وانحيازاتها أيضا، وكانت جبهة الصمود، ثم جبهة الصمود والتصدي، من أبرز الأمثلة على ذلك ووصل الأمر الآن إلى قيام أطراف إقليمية بتوثيق علاقاتها مع منظمات فلسطينية محددة لخدمة سياساتها بشكل أو بآخر، سواء من خلال مؤتمرات أو من خلال خطوات تنسيق معينة. وقد جعل ذلك الورقة الفلسطينية موضع تنازع وشد وجذب بين أطراف عربية وإقليمية متعارضة، وهو ما انعكس سلبا على القضية الفلسطينية، وعلى قدرة الأطراف الفلسطينية على توحيد جهودهم ومواصلة العمل لتحقيق الأهداف والمصالح الوطنية الفلسطينية، وهو وضع يسهل في الواقع خروج طرف أو أطراف عربية عن التوافق العربي حيال القضية الفلسطينية. على أية حال فإنه يمكن القول إن السياسة العربية لم تشهد، ولم تعرف ما يمكن تسميته بالفيتو الفلسطيني مثلا بالنسبة لمواقف الدول العربية أو بعضها من إسرائيل، كما أن جامعة الدول العربية ذاتها لا تعرف الفيتو في هذا المجال ولا حتى في غيره من المجالات، باعتبار أن قراراتها ملزمة لمن يقبلها، ولا تلزم من لا يقبلها، إلا في اربع حالات محددة ومعروفة، هذا إذا تم الالتزام بها أصلا. وعلى ذلك فإن القرارات العربية، بما فيها قرارات جامعة الدول العربية بالنسبة للقضية الفلسطينية تعد إطارا للعمل العربي العام، يتم العمل في إطاره من جانب مختلف الأطراف العربية، ويظل تقييم ذلك خاضعا للتقييم العربي الفردي والجماعي داخل جامعة الدول العربية في كل مرحلة، وفق ما تشهده المرحلة من تغيرات وتفاعلات وتقاطعات المصالح العربية، ومدى تدهور الالتزام العربي العام أيضا، وهو ما ظهر بوضوح في اجتماعات جامعة الدول العربية مؤخرا. وليس غريبا أن ينزعج الأشقاء الفلسطينيون من ذلك.
ثالثا: لعله من المهم والضروري الإشارة إلى حقيقة مهمة من حقائق السياسة العربية منذ أربعينيات القرن الماضي، وهي أن جامعة الدول العربية عملت بوعي وإصرار ومثابرة من أجل احتضان الشعب الفلسطيني وقضيته، والعمل من أجل تأمين حقوقه المشروعة، وذلك منذ جهود تأسيس جامعة الدول العربية عامي 1943 و1944 وحتى إعلان ميثاقها في مارس 1945، ووصل الأمر إلى تضمين ميثاق جامعة الدول العربية ملحقا خاصا بفلسطين، حيث كان ممثل عرب فلسطين يحضر اجتماعات مجلس جامعة الدول العربية ويشارك في مناقشاته الخاصة بالقضية الفلسطينية وفي أعماله وأعمال لجان الجامعة الأخرى، كما احتضنت جامعة الدول العربية منظمة التحرير الفلسطينية عقب تأسيسها عام 1964، واعترفت بها ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني، وساندتها في المنظمات والهيئات الدولية، بما فيها الأمم المتحدة، وفي 9/ 9/ 1976 اتخذ مجلس جامعة الدول العربية القرار رقم 3462 بقبول فلسطين دولة كاملة العضوية في جامعة الدول العربية وتمثلها منظمة التحرير الفلسطينية، وذلك بناء على مذكرة مصرية بهذا الشأن، وفي تغليب للبعد القومي، فيما يتصل بشروط العضوية. والمؤكد أن ذلك خدم القضية الفلسطينية على امتداد السنوات الماضية، خاصة وأن الدول العربية كانت تحرص على الالتزام بما تراه دولة فلسطين مناسبا لها، وإذا كانت جامعة الدول العربية قد رفضت صفقة القرن، ورفضت قرارات إدارة ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، فهل قرار دولة فلسطين التخلي عن رئاستها للدورة الحالية لمجلس جامعة الدول العربية، والذي تم إعلانه في 22 سبتمبر الماضي كان صائبا، وهل من الصائب التلويح بترك مقعد فلسطين في الجامعة، أي إمكانية الانسحاب أو تعليق العضوية فيها؟
المؤكد أن دولة فلسطين لها حق قراءة التطورات والتعامل معها بما يخدم المصالح الفلسطينية في النهاية، ولكن المؤكد أيضا أن الإطار العربي يظل الإطار الحيوي لفلسطين، القضية والشعب والدولة، في الحاضر والمستقبل، ولعل القيادة الفلسطينية تتمكن من الحفاظ على أكبر مساحة ممكنة من التوافق مع الدول العربية والإطار العربي، ممثلا في جامعة الدول العربية وتجاوز أية تطورات لا تراها مواتية، فالقضية الفلسطينية تحتاج إلى كل الجهود: فلسطينية وعربية ودولية أيضا.