نوافذ: مثلث متساوي الأضلاع

أحمد بن سالم الفلاحي
shialoom@gmail.com

كيف كان يومك؟ أو صباحك؛ أو مساؤك، سؤال يتكرر على ألسنتنا بصورة دائمة، عندما نلتقي بفلان من الناس، وصيغة السؤال هذه لا تبتعد كثيرا عن الممارسة الفطرية عندنا هنا في عمان، عندما نلتقي بآخرين؛ فنسألهم عن الأخبار والعلوم “شي علوم، شي أخبار” كافتتاحية لبدء حوار يتطرق فيما بعد إلى موضوعات كثيرة.
الفكرة هنا لا تتموضع حول الأخبار والعلوم، أو أدعية الصباح الباكر لبقاء يوم جميل بلا منغصات، ولكن تذهب الفكرة أكثر إلى ثلاث مناحات إنسانية؛ غير مفترقات؛ وهي التي نعيشها بكل تفاصيلها المملة في حياتنا اليومية، هذه المناخات الزمنية الثلاث، تتمحور حول: الأمس الذي ولّى، واليوم الحاضر في أجندتنا اليومية، والغد حيث استشراف الرؤى، وضبابية الموقف، فالأمس هو نتيجة لما تم تأسيسه في اليوم الذي قبله، واليوم هو نتيجة لتأسيس الأمس، والغد سيكون نتيجة لما نؤسسه ونفكر فيه من لحظتنا هذه، وبالتالي فمحور حياتنا لا تخرج عن هذه الثلاثية المتوالية: (الأمس، اليوم، الغد) وهنا أوثق مقولة أعجبتني كثيرا، أهدتني إياها صفحة الـ “واتس أب” والتي نصها: “الأمس عبرة، واليوم خبرة، وغدا تصحيح خطوة” – انتهى النص -.
فتوظيف خبرة اليوم، هو نتيجة لتخطيط الأمس، وتوظيف خبرة الغد هو نتيجة لتخطيط اليوم، ويقينا لن يصبح الأمس في خبر كان، كما يقال، بل هي حاضرة كتجربة حياة متراكمة، وهذا لن يلغي أن اليوم يتحرك بأدواته، وليس بأدوات الأمس، ولكن يبقى للأمس تلك الذاكرة المعنوية، والمادية في آن واحد، وهل يستطيع أحدنا أن يلغي ذاكرة الأمس، أو يمحو من على سطح الأرض ما تناسل منذ الأمس؟ هذا شيء مستحيل، ولا يقبل المناورة إطلاقا.
مع أول إشراقة لصباحات يومنا الرائعة، المملوءة بالتفاؤل، والطموح، ندعو الله سبحانه وتعالى، مسير هذا الكون، ومدبر أمره، ونقول: “اللهم اجعل أول هذا اليوم صلاحا، وأوسطه نجاحا؛ وآخره فلاحا” اللهم آمين، وبذلك وكلنا أمرنا لله، واطمأننا إلى قضائه وقدره (… ومن يتوكل على الله فهو حسبه، إن الله بالغ أمره، قد جعل الله لكل شيء قدرا) – الآية (3) سورة الطلاق -. وهذه الأوقات الثلاثة، هي أيضا لا تخرج عن مفهوم أضلاع المثلث الثلاثة، وإن تجمعت في يوم واحد.
ومقاربة هذه الأيام، أو الأزمان الثلاثة بأضلاع المثلث المتساوية؟ لأنها وبكل بساطة لا تقبل أي انفراج – زيادة أو نقصان – في حسابات الربح والخسارة، بمعنى لا بد أن يكون هناك ارتباط قوي وموضوعي بين هذه الأيام الثلاث، فهي متلازمة إلى حد كبير، وأي إخفاق في أحدهما سيجر خسائر متتالية لما بعدها، فكل يوم هو يؤسس لليوم الذي بعده، وبالتالي فالتساوي هنا ضرورة ليكون هناك تناغم دقيق التنظيم، لتلافي الأخطاء، والتقليل من الخسائر، لأننا بشر، وحسابات الخسارة بصورة عامة تكون حاضرة عندنا أكثر من حسابات الربح، لقصور الفهم والوعي بحقائق الأمور، حيث يبقى الاجتهاد على ما هو ملموس، وشائع، وهذه حالة بشرية بامتياز، لا فكاك منها، كما هو الحال عندما تكون هناك زاوية منفرجة في مثلث ما، فإنه لا يمكن أن تكون أضلاع هذا المثلث متساوية، فقد يتساوى ضلعان، لوقوعهما على زاويتين حادتين، أما الضلع الثالث سيظل مرتبطا بالزاوية المنفرجة، وهي الزاوية التي تزيد عن (90) درجة، كما هو معروف، وبالتالي متى زادت زاوية من زوايا المثلث عن مثيلاتها اختلفت أطوال الأضلاع، وإن حافظت الزوايا الثلاث على مجموعها وهي الـ(180) درجة.
أختم هنا بالخط المستقيم الجامع لزوايا المثلث الـ(180) درجة: “اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، وأعمل لآخرتك كأنك تموت غدا”وهي النتيجة النهائية لكافة اشتغالاتنا في الأيام، أو الأزمان الثلاثة على امتداد العمر، منذ لحظة الميلاد، وإلى خاتمتها حيث النهاية.