الجبال لا تنحني في “الصيرة”

عبدالرزاق الربيعي

في أواخر 2017 شاهدت في “صحار” عرضا قدّمته فرقة صلالة المسرحية عنوانه” الندبة” كتبه عماد الشنفري، وأخرجه خالد الشنفري، تحدّث عن الاحتلال البرتغالي لعمان الذي دام أكثر من 170 سنة، ولم ينته إلا بعد أن وحّد الإمام ناصر بن مرشد اليعربي (1595ـ 1649) القبائل العمانية، وحرّر عمان، يومها تساءلت: لماذا لم نجد أثرا لهذه المرحلة في الأدب؟
وسرعان ما جاءني الجواب من د.سعيد السيابي، قال إنه يعكف على رواية عن مقاومة العمانيين المحفورة بذاكرة برج “الصيرة” الذي يقف شامخا فوق صخرتها في ساحل قريات المعروفة بدورها التاريخي والملاحي، فجعلها محط أنظار الغزاة البرتغاليين، وبعد انتظار صدرت روايته “الصيرة تحكي” عن “لبان لنشر المعرفة” لتكون باكورة منشوراتها.
ومن صورة غلاف الرواية، وبه يقف برج “الصيرة” في ساحل قريات، نجد أنفسنا في قلب التاريخ، نعيد تقليب صفحاته بعيون معاصرة، فنجد أنفسنا انتقلنا إلى الفترة الواقعة بين عامي 1506، و1648 في “المروحة الفيضية” الواقعة بين قلهات ومسقط، ثم يقترب من المكان الذي تجري به الأحداث بلغة تمتزج بالفخر، بـ”الصيرة” البرج الذي جرى بناؤه فوق مجموعة من الصخور، وفي المقابل لهذا البرج الوحيد بنى البرتغاليون قلعة، لكن الإمام ناصر بن مرشد أمرهم بتدميرها بأيديهم، كما ذكرت إحدى وثائق الرواية، وفي النهاية انهارت القلعة، وبقي البرج الصغير- الكبير في قيمته لقريات، وأهلها، وحين تحكي الصيرة، فالبرج يحكي، والمعلاة تحكي، والحاجر تحكي، وليس أمامنا سوى أن ننصت إلى تلك الحكايات التي يقف التاريخ العماني طرفا أساسيا فيها، مثلما فعل في روايته الأولى” جبرين وشاء الهوى”، وإذا انتقلنا من الغلاف، والعنوان إلى عتبة ثالثة هي الإهداء، فيهدي روايته إلى خاله سعادة سالم بن صالح السيابي الذي أخذ منه حب التاريخ بما قرأ في مكتبته ثم يختتم الإهداء بجملة” أحببت قريات، فأحبّك أبناؤها”، وبذلك تظل “قريات” حاضرة في جميع العتبات، ولأن الرواية تستلهم أحداثها من التاريخ، يمهّد السيّابي لها بمقدمة موجزة يتحدث خلالها عن الظروف التاريخية التي جعلت البرتغال تمد أنظارها إلى عمان حين ” شجَّع سقوط مملكة غرناطة العربية على يد الإسبان ملوك البرتغاليين على التوسُّع ليلتفُّوا بحرًا حول أفريقيا، وصولًا إلى بحر عمان، والمحيط الهندي، لتحقيق هدفين في آن واحد: هدف تجاريٍّ بالحصول على خيرات البلدان التي يجتاحونها، واستعمارية توسعية، والأبرز ذلك الهدف الديني الذي جعلوه نصب أعينهم بالتبشير بالمسيحية، وتطويق العالم الإسلامي في الشرق الأدنى، وقارة آسيا. فكان لهم الأول ممكنٌ.. إلى حين! والثاني صعب جدًّا، حيث لا يبقى دوام حال لمستعمر، أما الثالث.. فهو المستحيل!!”
ثم يبدأ سرد أحداث روايته، فنعرف أنّ بطلها “الراوي العليم” طالب الدكتوراه في تاريخ عمان المعاصر، ونقطة الانطلاق تحدث مع وصوله العاصمة البرتغالية لشبونة، منقبا في الأرشيف الوطني البرتغالي عّما خفي عن حقبة الاحتلال البرتغالي لعمان، فيجد في الوثائق الكثير من الإجابات عن أسئلته، بمساعدة المشرفة البرتغالية(البروفيسورة ليزا) التي كلّما يهفو لها قلبه يتذكّر أنها سليلة الغزاة الذين احتلوا أرضه، ويتحدّث عن ذلك الصراع الخفي، مازجا الماضي بالحاضر، لكنه يضع ذلك وراء ظهره، وينصرف للبحث عن قصص بطولة إنسان أرضه التي عثر عليها في البرتغال، مع الوثائق التي خصص لها القسم الثاني من روايته، فقد أراد أن يوثق ذلك، ولكي يكتمل البناء الدائري الذي يبدأ من المطار، يختتم به، ويكون البطل (إبراهيم) قد عاد بوثائق تزيد لهفته لمدينته، وأرضه، وناسه الذين قاتل أجدادهم البرتغاليين، وكتبوا ملاحم بطولات قرأها مدوّنة في كتب الغزاة، فجاءت شهادات صادقة تخلو من المبالغات، والحماس، كونها مكتوبة بعين الآخر.
حضور المكان واضح في ” الصيرة تحكي”، ليس كبعد جغرافي، فقط، بل كحيّز له أبعاد أخرى، تتّصل بالوجدان، وهو ملمح سبق أن رأيناه في روايته الأولى” جبرين وشاء الهوى” التي اتخذت من ” حصن جبرين” مسرحا للأحداث، فيما جعل في هذه الرواية ” قريات” وبرج ” الصيرة” مكانا تدور فيه وقائع تاريخية في رواية اعتمدت على الوثيقة ، حتى أن السيابي صوّر بعضها وثبّته لتكون روايته مرجعا، فهي رواية يمكن تصنيفها بالتاريخية، التي تمزج زمنين، وفي كليهما تظلّ جبال عمان شامخة لا تنحني.