صفحة من كتاب.. قصيدة بعطر الأنثى

د.عزة القصابية
في ديوانها الأخير (عاصفة الجمال) أرادت الشاعرة السورية نجاح إبراهيم أن تبحث عن الأنثى الراسخة في وجدانها، التي تمزج بين الواقع والخيال، بلغة شعرية استعارية تفصح عن موضوعات شتى حيرت ذاتها الثكلى. تعد نجاح إبراهيم من الشاعرات القلائل اللاتي اتسم شعرهن بلغة جمالية، تجعل القارئ ينسحب نحو ذاته، ويبحر في سحر بيان الكلمات، حيث عمق المعنى وعذوبة التعبير.
نجاح إبراهيم شاعرة سورية؛ عضوة في اتحاد الكتاب العرب، وهي قاصة وروائية أصدرت عددا من الكتابات القصصية، أهمها: (كتاب المجد في الكيس الأسود، وحوار الصم، وأهدي من قطاة، والأجراس وقيامات الدم، وما بين زحل وكمأة، قص وعطش الاسفيدار، لمن ائتلاق الهَوْما، نداء القطرس). فازت نجاح إبراهيم باثنتي عشر جائزة في سوريا، كما حصلت على جائزة (تشوقورأووا) العالمية عن سيرتها الذاتية ومنجزاتها الإبداعية.

وفي ديوان نجاح إبراهيم الأخير بعنوان (عاصفة الجمال) توقفنا عند صفحة، تضمنت قصيدة شعرية بعنوان (ناهض قمرك في نبضي):
«ليس غريبا
أن يضوي قمر ليل دمشق
ضوؤه يمتطي البيوت المعلقة
في الجبل
كقصائد ناهضة في نبضي
ولكن الغريب
أن تعكس بهاءة
كل مرايا الشام وآخراها مرآة قلبي»
قصيدة نثرية تعالقت مع المكان الذي يسكن روح الشاعرة، حيث دمشق وقمرها الذي يمتطى سرجه فوق سطوح البيوت الساكنة في مخيلتها، لتعانق سفوح جبال الشام المنبسطة وتعزف سيمفونية لحنية، تنبلج من ذاكرة نجاح إبراهيم عبر قصائدها المخبوءة في ثنايا ديوانها الأخير.
اكتنزت جمل الشاعرة بصور جمالية شتى، وتعابير لغوية استعارية، حبلى بحب المكان حيث النشأة والتكوين في بلاد الشام. كما أبحرت بعض قصائد نجاح في عالم الأنثى حيث الجمال والحب والحنين. وبشكل عام، اتسمت قصائدها بجمالية شعرية ذات دلالات إيحائية، وإيقاع موسيقى داخلي استشعرته الشاعرة، لتخرج كلماتها ملتحمة بأحاسيسها، مع التزامها بالإيجاز والتكثيف عند رسم الصور الإبداعية في جملها الشعرية.
أن امتزاج الواقع بالخيال، لهو وسيلة للوصول إلى عالم الشاعر، والتعبير عن قضاياه. وفي هذا الديوان يتضح في القصيدة النثرية الحديثة ليعبر الشاعر عن واقعه من منظور جمالي يسكنه الصفاء والسكينة. وهذا يسهم في بناء الجمل الشعرية بلغة تصويرية سردية تقاربت مع روح القصيدة النثرية.
ولم تغب الأنثى في ديوان نجاح إبراهيم في (عاصفة الجمال)، من خلال قصيدة نثرية تحمل نفس العنوان، اختزلت فيها الشاعرة رؤيتها تجاه مدينتها دمشق:
«يختزل في مدينة..مدى؟
ومن سواي تروضها، لتمشي
عن يميني
قافلة من عقيق ورطب، وندى من تراك تكون؟
وهل غيري يعلم
كيف يستقيم نخلك في وريدي؟!»
ومن منطلق ذلك لم تغفل نجاح «الأنثى» البحث عن الآخر المترسخ في عالمها، بلغة تصويرية تعبر عن طبيعة العلاقة الذكر والأنثي، وقصة أدم وحواء واحتياج كل منهما للآخر، حتى أصبح أقرب إلى وريدها، ليشكلان معا حكاية البقاء واستمرارية العنصر البشري في هذه البسيطة.
دونما شك، أن التركيز على صفحة واحدة في ديوان شعري حديث حافل بالعديد من القصائد، لا يكفي لسبر عالم الشاعرة نجاح إبراهيم، المكتنز بالصور والموضوعات، والمفارقات، والأحداث، المكتوب بلغة نثرية سردية، تتوغل في عالم الشخصيات، وتحاول المزاوجة بين الواقع والحلم برؤية أنثوية حالمة.
لذا وجب الاطلاع على الديوان (عاصفة الجمال) كاملا، والتمعن في قصائده الحبلى بأفكار وأحاسيس الشاعرة، والوقوف على الصور البلاغية التي تزامنت مع اختيار كلماتها المعبرة عن عالمها، وروعة الشعر المنبعثة من ثنايا نصوصها الشعرية.
ونود التذكير، أن ديوان (عاصفة الجمال) تضمن مجموعة من القصائد المكتنزة برؤى ومضامين متباينة، وردت عبر سلسلة من العنوانين: (عاصفة الجمال، مرايا الشام، تعال معي، أجراس الأزرق، الأشياء تبرق في، نحو الضياء، ما سر الغرق، صباح بطعم العيد، ساعات من الغياب، الجبل يسندني، صحوة الأوجاع، شيفرة الناردين)…وغيرها من القصائد المبحرة في الوجدان، الباحثة عن مرافئ الأنثى عند الآخر، عبر لغة نثرية سردية، تلمح دون أن تصرح، مستغلة الشاعرة الكنايات والصور الاستعارية لتحقيق ما ترنو إليه بلغة شعرية تمتع القارئ.