مرفأ قراءة… مسرحيات توفيق الحكيم المجهولة!

إيهاب الملاح

  • 1 –
    قد يبدو عنوان المقال مثيرًا لبعض الدهشة والاستغراب؛ ذلك أن توفيق الحكيم هو من هو في الثقافتين المصرية والعربية، وريادته الأدبية والمسرحية ساطعة سطوع الشمس، ومن الصعب أن يكون شيء من تراثه الأدبي أو الفكري أو المسرحي قد أفلت من النشر!
    أقول هذا وأعمال توفيق الحكيم الكاملة صدرت عبر ما يزيد على الستين عامًا في طبعاتٍ لا تحصى، كان آخرها وأدقها الطبعة التي أصدرتها دار الشروق المصرية في السنوات الثلاث الأخيرة، وأشرف على إعادة نشرها ومراجعتها وتحرير كلمات التعريف بها كاتب هذه السطور. ما يقرب من 46 عملًا من روائع الحكيم الروائية والمسرحية والمقالية، وفي الفكر الفلسفي والديني.. إلخ.
    لكن الملمين بتراث الحكيم يعلمون جيدا أن المرحوم الناقد والمحرر الثقافي والمترجم الراحل فؤاد دوارة قد أصدر مجلدين كبيرين عن مسرح توفيق الحكيم، أولهما بعنوان «مسرح توفيق الحكيم ـ المسرحيات المجهولة»، والثاني «مسرح توفيق الحكيم ـ المسرحيات السياسية» وهما في الأصل عبارة عن أطروحة أكاديمية حصل بها فؤاد دوارة على درجة الماجستير في النقد الأدبي من كلية الآداب جامعة القاهرة.
    ولا أتردد في القول: إن هذين المجلدين، مع كتاب غالي شكري المرجعي عن أدب توفيق الحكيم، وكتاب علي الراعي عن مسرح توفيق الحكيم، وكتاب محمد مندور عن مسرحيات توفيق الحكيم، ربما كانت هي أهم ما كتب باللغة العربية في دراسة ونقد وتحليل أعمال الحكيم وريادته المسرحية، وما قدمه من إسهام ضخم وشاهق في الثقافة العربية بتأصيله فن المسرحية في تربتها الإبداعية واللغوية، وشرعنة الاستجابة والتلقي لهذا النوع الأدبي الوافد.

  • 2 –
    صدر كتابا فؤاد دوارة عن مسرح توفيق الحكيم في طبعة جديدة عن سلسلة ذاكرة الكتابة (الهيئة العامة لقصور الثقافة؛ وزارة الثقافة المصرية) الأسبوع الماضي؛ وهي طبعة مصورة عن الطبعة الأصلية التي صدرت عام 1984 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.
    ما الذي يمثله الكتابان من قيمة؟ وما دلالة إعادة نشرهما وطبعهما الآن؟ وما القيمة المضافة لهذين الكتابين في سجل المكتبة النقدية المسرحية وتاريخ الأدب العربي؟
    بداية، فإن توفيق الحكيم بالنسبة لي ولجيلي، ولمن هم أسبق بأجيال، كان هو البوابة السحرية للتعرف على جمال وعذوبة الفن، وروعة الدراما، وقيمة الكلمة إذا وضعت موضعها، الحكيم هو الذي يقول عنه الناقد محمود عبد الشكور في كتابه الممتع «كنت صبيا في السبعينات»:
    «بفضل توفيق الحكيم أدركت أن الفن الجيد لا بد أن تكون له مستويات في المعالجة، لديّ إحساس أن ما يكتبه هذا الرجل فيه أشياء لا أعرفها، ولكني أحس بوجودها، إنه شيء أقرب إلى أن تشعر بأن هذه الوردة جميلة جمالًا طاغيًا، ولكنك عاجز عن وصفه بالكلمات، لا تمتلك بعد أدوات التعبير عنه، رغم أنك تشعر به، بل إنه يمتلك عليك كل عقلك ووجدانك..».
    لولا الحكيم ما حسم نجيب محفوظ قراره بالانحياز للأدب والتفرغ له على حساب الفلسفة، ريادته متعددة الوجوه، فالإنجاز من الضخامة بحيث يصعب حصره في مجال واحد. كان الرجل مقدامًا جسورًا (على المستوى الفني) في كل المسارات التي اختطها. في المسرح، هو الرائد والمؤصل بأعماله الكبرى؛ أروع ما كتب من مسرحيات: «أهل الكهف» و«إيزيس» و«شهرزاد»، و«سليمان الحكيم»، ثم تأتي أعماله في فترة إبداعه الذهبي، وتجاربه الطليعية الرائدة: «السلطان الحائر» و«يا طالع الشجرة» و«مصير صرصار» و«بنك القلق».. وفي الرواية والقصة والسيرة الذاتية ها هي «عودة الروح» و«يوميات نائب في الأرياف» و«سجن العمر» و«زهرة العمر».
    على أن أهم ما استلفتني في تجربة الحكيم الإبداعية المترامية الأطراف قدرته المذهلة على استشعار ضرورات اللحظة التي يعيشها «فنيا وإبداعيا»، كان يعلم أنه يلعب دورًا بالغ التأثير والأهمية والضرورة في الثقافة العربية، انتقالاته ومحاولاته التجريبية في الكتابة تؤكد ذلك، وظلّ الإدراك الجمالي للرجل أصدق من وعيه الأيديولوجي على امتداد حياته، ورؤيته الفنية التي توصل إليها نتيجة بصيرة إبداعه تظل أبهى وأنضج بكثير من آرائه المتغيرة التي اضطرته إليها بعض المواقف السياسية أو المقامات الضاغطة.

  • 3 –
    في مقدمته الشارحة المفصلة، يوضح الناقد المسرحي الدكتور عمرو دوارة (ابن المؤلف) أن كتاب «المسرحيات المجهولة لتوفيق الحكيم» هو الجزء الأول الذي خصصه فؤاد دوارة لدراسة البذور والمحاولات الأولى للكاتب والرائد المسرحي الكبير توفيق الحكيم. وهي تلك المرحلة التي تبدأ منذ طفولته الباكرة حتى نشره لمسرحية «أهل الكهف» عام 1933، ويحدد عمرو دوارة الهدف من دراسة والده لهذه المرحلة قائلا: «يهدف دوارة بدراسته تلك إلى رصد وتحديد أهم مكونات وملامح شخصية الحكيم الفنية والاجتماعية والعاطفية؛ باعتبارها العامل الأساسي في صياغة إنتاجه الأدبي كله، والمسرحي بطبيعة الحال، بالإضافة إلى دراسة مسرحياته الأولى التي كتبها وهو في مستهل شبابه قبل سفره إلى فرنسا».
    وبهذا تكون الغاية التوثيقية والتحليلية للكتاب هي تقصي أثر الإرهاصات الأولى لتوفيق الحكيم في عالم المسرح، من خلال إلقاء الضوء على التجارب المبكرة والأولى (الخطاطات والمسودات المكتوبة بخط اليد) والتي قرر الحكيم استبعادها من مجمل أعماله المنشورة، على اعتبار أنها تجارب وبدايات لم تستوف الحد الأدنى من النضج الفني واكتمال العناصر.
    وهنا يبرز دور الجهد الذي بذله الباحث والناقد ومؤرخ الأدب الراحل فؤاد دوارة، إذ أنه وعبر عملية تنقيب وحفر واسع المدى سينجح في الكشف عن هذه الأعمال المجهولة التي استبعدها الحكيم ولم يدفع بها للنشر، ولم يتطرق للحديث عنها إلا في مناسبات قليلة جدا ومحدودة.
    ويوسع دوارة من دائرة تنقيباته وحفرياته ليلقي أضواء غاية في القيمة والأهمية على ملامح شخصية الحكيم ذاتها؛ الفنية والفكرية والثقافية عموما، التي انعكست على تلك الأعمال، خاصة قبل سفره إلى فرنسا وتعرفه على تيارات فنية وفكرية متعددة المشارب والاتجاهات.

  • 4 –
    وهكذا أنقذ الراحل فؤاد دوارة كنزا أدبيًا وفنيًا ومسرحيًا ثمينا من الضياع، ووضع بين أيدينا نصوص ما يقرب من ست مسرحيات مجهولة كتبها الحكيم في الفترة بين 1919 وحتى 1933 وهي المسرحيات الآتية: «الضيف الثقيل»، و«أمينوسا»، و«العريس»، و«خاتم سليمان»، و«علي بابا»، و«المرأة الجديدة».
    وقد مهد دوارة لنشر نصوص هذه المسرحيات الست (قبل دراستها وتحليلها والكشف عن العناصر والبذور الأولى لرؤية الحكيم الفنية والأسلوبية والحوارية) بدراسة ممتازة ووافية للبذور الفنية الأولى في سنوات الصبا الباكر والشباب في حياة الحكيم؛ التي شملت تحليل كل هذه العناصر: ألعاب الخيال والصبا، وقصص الأم والجدة، والأسطى حميدة صاحبة التأثير العميق والغائر في تكوين توفيق الحكيم الإنساني والفني والغنائي، والنزعات الفنية المبكرة في عالم المسرح المكتشف بعين الشاب الموهوب آنذاك توفيق الحكيم، ويتحدث تفصيلًا عن إدمان القراءة عند الحكيم؛ وأشكال وأنواع القراءات في هذه الفترة المبكرة، وسأكتفي بإيراد مثال واحد من استشهادات دوارة الممتازة عن هذه الفكرة؛ يقول دوارة:
    «يلح الحكيم على ضرورة القراءة، للإنسان والمواطن المتحضر في المقام الأول، وللكاتب على الأخص. وهو يدعو كل واحد منا إلى الوصول إلى “أوسع قاعدة للقراة» لكنه ينبه في الوقت ذاته على أن هذه القاعدة الواسعة للقراءة والتي تؤدي إلى «تكوين ثقافي جيد» لا يجب أن تؤدي من جهة أخرى إلى «تعقيد الأسلوب» وإنما يجب أن تؤدي إلى بساطته، يقول الحكيم: «إن كل المحصلة الثقافية يتضمنها الأسلوب، مثل شراب الليمون أو البرتقال، الذي يحتوي على أكبر قدر من الفيتامينات دون أن يبدو ذلك في طعمه، أو شكله».
    ولذلك فهو يدعو إلى أسلوب محدد و(صحي) في قراءة واستيعاب وهضم المحصول الثقافي أو أوسع محصول ثقافي يمكن أن يصل إليه الإنسان، يقول: «فإن قراءتي.. تشبه عملية الطعام الذي يهضمه الجسد، ويتسرب إلى الدماء والعروق فينمو الإنسان ويعيش، هناك البعض الذي يتعمد أن يأكل بشراهة، وأن يفرط، ثم يصاب بعسر هضم، كنت أتشرب ما أقرؤه، أتلقي، وأهضم».