زها حديد و حديقة الحروف العربية

محمود الرحبي

الروح لا تُرى ولكنها تسري، فبين حياة كاملة ورقص رشيق يحدث كل يوم في حلبة الحروف، بين ألف واقفة متحفزة للحركة، وياء رابضة مستريحة بعد رقص طويل ورأسها للداخل، ثمة سيرك يحدث كل يوم في حياتنا لم ننتبه له جيدًا، ولكن زها حديد عرفت كيف تبثه روحًا لأعمالها. كانت الألف الطويلة الرشيقة، طوال فترة العرض لا تستقر في مكان واحد، تتحرك بحرية بين الحروف. وكان أستاذ زها حديد الهولندي يقول لطلبته أنتم محظوظون لأن لديكم الحرف العربي، وكان يعني بهذا الحديث طلبته من العرب والإيرانيبن والباكستانيين، هنا يجب أن نذكر كذلك (تاريخيًا ) اللغة التركية والسواحلية والأذرية والكردية وبعض الدول الآسيوية، التي كانت تستخدم الحروف العربية قبل أن تتخلى عنها وتنضم إلى عائلة الحروف اللاتينية. سرت انحناءات وانسيابية الحرف العربي في تصميمات زها حديد، فسميت بملكة الانحناءات، ليعتبرها أستاذها الهولندي في ما بعد “قارة لوحدها في التصميم العالمي” .
وقبل الاستطراد أكثر في الحديث عن رشاقة الخط العربي الذي يكتب بالحركة نفسها معاول الفلاحين في الأرض، أي من اليمين إلى الشمال، سنعرج على منشأ زها حديد مدينة الموصل، وسأسميها مؤقتا وفي هذا السياق بـ (مدينة النون) فالنون دواة الخطاط كما جاء في حديث نبوي رواه أبو هريرة (خلق الله النون وهو الدواة) وفي الآية الكريمة تقبع هذه الدواة(نون) على يمين القلم وما يسطرون. عرفت مدينة النون بجودة الخطاطين وكثرتهم، وكان ملوك بني عثمان يأتون من الموصل بمن يخط لهم الرسائل، حيث يمكن أن نستعرض قائمة طويلة من الخطاطين الموصليين على مر الحقب، وكان آخر كبارهم، الخطاط يوسف ذو النون الذي توفي منذ وقت قريب.
وبالعودة إلى رقصة الحروف العربية فالحديث عن سحر ومرونة هذه الحروف لن تستوعبه عجالات مقال محدود. ولكن ما يهمنا، بالنسبة لمصمم حروف العربية، تجاوزه 28 حرفًا ، إن هذا العدد فقط للمدارس، حيث إن هناك بالنسبة للمصمم الحاذق، ما يمكن أن يفوق 150‪حرفا إذا استعنا بالرياضيات ( التي اتقنتها زها حديد فوق ما أتقنت) وضربنا فقط كل حرف في أربعة معتمدين في ذلك على الوضعيات الأربع المحتملة لكل حرف، ناهيك عن حركات الهمزة بين النبر والضم والكسر والشد. الحروف العربية كذلك تمتاز بالإضافة إلى مرونتها الأكيدة وحرية حركتها وتشكلها بين الكلمات، بميزة تكوينية عجيبة، وهو انفتاحها نحو السماء، سنرى مثلا في اللاتينية الحروف m و n و hبنظرها إلى الأرض، في حين في حين س، ب، ت، وغيرها وجوههم إلى السماء. كما أن الحروف العربية نظرا لعنادها ورشاقة رقصاتها، لا تحتفي بضيق الدائرة، في حين نرى أن الدائرة مدار الرسم في الحروف اللاتينية، حيث يبدأ رسم الحروف انطلاقا منها، نراها في الحروف العربية متمردة على حيزها، وبعضها لا يلتزم حتى بدائرته، كما هو الحال مثلا مع دائرة حرف الضاد. كما يمكن تشكيل وتمرين دوائر حرفي الميم والفاء وإلغاء وهو ما نراه في رسومات حروف الخطاطين المحترفين. لقد مر الخط العربي بتمارين كثيرة في تاريخه، ذكر مرة الأستاذ عبدالفتاح كيليطو في أحد كتبه، إن الحرف العربي استفاد كثيرا من منع الفقهاء للتجسيم ورسم البشر، استفاد من هذا التحريم! حيث أعطى ذلك قوة لا شعورية كبيرة للحرف، أشبه بقوة انتقام وتحد، حين ركز عليه الرسامون وصبوا في قوالبه وحدوده وحافاته كل مواهبهم المحتقنة، ليخرجوا منه لوحات حروفية انسيابية لاحد لتنوعها وجمالها، بل تفرعت المدارس في رسم الحروف العربية، كل مدرسة لها علبة أدواتها الخاصة ولها فنانوها‬ ولا ننسى كذلك – وهذا ما نراه في تصاميم زها حديد بالإضافة إلى الروح الانسيابية- أن الحرف العربي لا يحتفي بالعرض، بل بالطول والحواف. لذلك فان اسمه في الحقيقية المعجمية يعني الحواف، أو الرقة والحد الرهيف.‬‬‬
وبالعودة إلى زها حديد التي حازت جوائز في الهندسة المعمارية بعضها يعادل جائزة نوبل، لم تستقبل كما يجب في بلداننا، وقد صرحت بذلك، والأنكى أنها عرضت تصاميمها مجانا على بلدها العراق، ولكن هذه التصاميم رفضت، وقد حددت في أحد لقاءاتها مع صحيفة ألمانية اسم شخص بعينه وقف في وجه أن تحقق طموحها المستحق في خدمة وطنها الذي نشأت فيه وانطلقت منه إلى رحابة العالم، ذلك العالم الذي استقبل عبقريتها خير استقبال. ولكن رغم ذلك لانعدم وجود دول عربية حرصت على ترك مجسمات زها حديد شاخصة في عواصمها، يمكن هنا ذكر مجسم بديع في طريقه للاكتمال كآخر توقيعاتها، وهو أوبرا الرباط، التي تقع غير بعيد عن ملتقى المحيط الأطلسي بنهر أبي رقراق، نتذكر كذلك عدة معالم بدولة الإمارات، كدار الأوبرا في دبي، وجسر الشيخ زايد في أبوظبي، الذي اطفأ أنواره يوم وفاتها، تعبير حزن على رحيل عبقرية الهندسة العالمية الخالدة، التي خرجت من حديقة حروف الموصل، ولم تغادر دنيانا قبل أن تترك بصماتها الحروفية الانسيابية الرشيقة شاخصة في معظم مدن العالم المعاصر.