أميـر الحكمــة .. مسيـرة حافلـة بالعطــاء

أفي 29 يناير عام 2006 بايع الكويتيون سمو الشيخ صباح الأحمد -طيب الله ثراه -على السمع والطاعة أميراً للكويت إذ قابلهم سموه الوفاء بالوفاء والعهد لهم بصون الأمانة والعبور بسفينة الكويت الى برالامان.واستطاع ربان الكويت قيادة سفينة بلاده الى الاستقراروالثبات مغلباً الحكمة والعقل في اتخاذ القرار والتمسك بثوابت الكويت في وجه التطورات الاقليمية والدولية.
وقد حرص سموالأمير الراحل منذ اللحظات الاولى لتوليه مقاليد الحكم على تأكيد أهمية اللُّحمة الوطنية بين ابناء الشعب الكويتي موجهاً الخطاب تلو الآخر في مختلف المناسبات ليؤكد فيها أن أمن الكويت وتكاتف شعبها ووحدتهم الوطنية هي الاساس الراسخ والمبدأ الثابت ،ففي كلمته عقب أداء اليمين الدستورية وعد الشيخ صباح الأحمد رحمه الله الشعب الكويتي بحمل الأمانة وتولي المسؤولية والتأكيد على العمل من أجل الكويت وشعبها، داعيا الجميع إلى العمل من أجل ان تكون الكويت دولة عصرية حديثة مزودة بالعلم والمعرفة يسودها التعاون والإخاء والمحبة ويتمتع أهلها بالمساواة في الحقوق والواجبات مع التشديد على المحافظة على الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير.
وناشد سموه المواطنين أن يضعوا مصلحة الوطن قبل مصلحتهم وأن يتجاهلوا منافعهم الذاتية في سبيل منفعة الجميع وأن يحترموا القانون والنظام ويحرصوا على مصلحة الوطن وممتلكاته وانجازاته.
وكان خطاب سمو الأمير الراحل لأبناء شعبه في نوفمبر الماضي تأكيدا جديدا على هذا الأمر،حين قال سموه: «إخواني وأبنائي المواطنين أدعوكم الى الانتباه الى مصلحة وطننا العزيز وصيانة أمنه واستقراره والوقوف صفا واحدا في وجه من يحاول العبث بأمنه وشق وحدته الوطنية»، مؤكدا ثقته التامة بأن أهل الكويت «مدركون لخطورة المرحلة التي تعيشها منطقتنا وما تقتضيه من وعي ويقظة وحرص على وحدة الصف والكلمة وتجسيد المسؤولية الوطنية».

صديق الجميع .. رأب الصدع ولم شمل الأشقاء

سجل منجزات

وقبل الولوج الى سجل منجزات «أمير الحكمة» طيب الله ثراه ينبغي أن نتوقف قليلاً عند مسيرة الأمير الراحل العملية الحافلة.فسيرة سمو الأميرالراحل تزخر بتاريخ حافل من العمل السياسي على مدى عقود. ولد سمو الشيخ صباح الأحمد في 16 يونيو عام 1929، وهو الحاكم الخامس عشر للكويت والابن الرابع للشيخ أحمد الجابر الصباح طيب الله ثراه الذي توسم لديه الفطنة والذكاء في سن مبكرة فأدخله المدرسة المباركية قبل أن يوفده إلى بعض الدول، لا سيما الأجنبية منها للدراسة واكتساب الخبرات والمهارات السياسية.
وشكل عام 1954 بداية دخول سموه العمل في الشأن العام، إذ عين في بادئ الأمر عضواً في اللجنة التنفيذية العليا التي عهد إليها آنذاك مهمة تنظيم مصالح الحكومة ودوائرها الرسمية.
وبعد مرور عام واحد تولي سمو الشيخ الأمير رحمه الله منصب رئيس دائرة الشؤون الاجتماعية والعمل، عمل على تنظيم العلاقة بين العمال وأصحاب العمل، خصوصا في ظل التدفق الخارجي من الدول العربية والأجنبية للعمل في الكويت علاوة على استحداث مراكز التدريب الفني والمهني للشباب ورعاية الطفولة والأمومة والمسنين وذوي الاحتياجات الخاصة وتشجيع قيام الجمعيات النسائية والاهتمام بالرياضة وإنشاء الأندية الرياضية.
وأولى الراحل اهتماماً بالفنون، وعلى رأسها المسرح، إذ أنشأ أول مركز لرعاية الفنون الشعبية في الكويت عام 1956. وفي عام 1957 أضيفت الى مهامه رئاسة دائرة المطبوعات والنشر، إذ عمل على إصدار الجريدة الرسمية «الكويت اليوم» وتم إنشاء مطبعة الحكومة لتلبية احتياجاتها من المطبوعات، ووقتها تم إصدار مجلة «العربي».
وحرص سموه على دعم الجهود الهادفة إلى إحياء التراث العربي من خلال إعادة نشر الكتب والمخطوطات القديمة وتشكيل لجنة خاصة لمشروع «كتابة تاريخ الكويت» وإصدار قانون المطبوعات والنشر الذي كان له دور مميز في تحقيق الصحافة الكويتية مكاناً مرموقاً بين مثيلاتها في الدول العربية لما تتصف به من حرية واتزان.

وضع الدستور

وعقب استقلال الكويت عام 1961 عين المغفور له باذن الله عضواً في المجلس التأسيسي الذي عهدت إليه مهمة وضع دستور الكويت ثم عين في أول تشكيل وزاري عام 1962 وزيراً للإرشاد والأنباء. وفي يناير عام 1963 وبعد إجراء أول انتخابات تشريعية لاختيار أعضاء مجلس الأمة تم تعيين سموه وزيراً للخارجية لتبدأ بذلك مسيرته في العمل السياسي والدبلوماسي التي برع فيها حتى أصبح عميداً للدبلوماسيين في العالم ومهندساً للسياسة الخارجية الكويتية قاد خلالها بلاده إلى بر الأمان وسط الظروف والمحطات السياسية البارزة للكويت ومنها رفع سموه علم الكويت فوق مبنى الأمم المتحدة بعد قبولها عضواً فيه في 11 مايو من عام 1963.
وسعى الأمير الراحل بدأب إلى لم شمل الأشقاء وحل الخلافات عندما شارك في الستينيات باللقاء الذي نظمته الأحزاب المتنافسة في اليمن مع ممثلي مصر والسعودية لوضع حد للحرب الأهلية اليمنية حيث استأنفت اجتماعاتها في الكويت في أغسطس 1966 وعندما تدهورت العلاقات حينها بين اليمنَينِ (الجنوبي والشمالي) قام سموه بزيارة إليهما حينها في أكتوبر 1972 والتي أثمرت توقيع اتفاقية سلام بينهما.

وساطات ناجحة

وطوال سنوات قيادة الأمير الراحل لوزارة الخارجية بذل جهداً كبيراً في تعزيز وتنمية علاقات الكويت الخارجية مع مختلف دول العالم خصوصاً الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن.
وطوال أربعة عقود تمكن صاحب الراحل من قيادة السياسة الخارجية إلى بر الأمان من خلال انتهاجه مبدأ التوازن في التعامل مع القضايا السياسية بأنواعها، فاستطاع بعبقريته السياسية أن يتخطى بالكويت مراحل حرجة في تاريخها.
واتضحت ثمار ثبات وتوازن سياسة الكويت الخارجية في الثاني من أغسطس من عام 1990 عندما وقف العالم أجمع مناصراً للحق الكويتي في وجه الغزو العراقي وصدور قرار مجلس الامن رقم 678 في 29 نوفمبر من العام ذاته .
ونظراً إلى ما يتمتع به سموه من حنكة وذكاء وقدرة فائقة على تحمل المسؤولية فقد أسند إليه العديد من المناصب إضافة الى منصب وزير الخارجية، إذ عين وزيراً للإعلام بالوكالة في الفترة من 2 فبراير 1971 حتى 3 فبراير 1975.
وفي 16 فبراير 1978 عين نائباً لرئيس مجلس الوزراء وزيرا للخارجية وفي 4 مارس 1981 تسلم حقيبة الإعلام بالوكالة إضافة إلى وزارة الخارجية حتى 9 فبراير 1982. وفي 3 مارس 1985 عين سموه نائباً لرئيس مجلس الوزراء وزيراً للخارجية حتى 18 أكتوبر 1992 عندما تولى منصب النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية وفي 13 يوليو 2003 صدر مرسوم أميري بتعيين سموه رئيساً لمجلس الوزراء.
تأسيس وتطويرالاعلام الكويتي

قام سموالشيخ صباح الأحمد طيب الله ثراه بدور كبير في تأسيس وتطوير الاعلام الكويتي منذ وقت مبكر، فقد تولى رئاسة دائرة المطبوعات والنشر عام 1955، وتحققت على يديه إنجازات عديدة، أهمها إصدار الجريدة الرسمية «الكويت اليوم»، وإنشاء مطبعة حكومة الكويت، والإسهام في إحياء التراث العربي بإعادة نشر الكتب والمخطوطات القديمة، وتشكيل لجنة خاصة لمشروع كتابة تاريخ الكويت، وإصدار قانون المطبوعات والنشر.
وحين تولى وزارة الإرشاد والأنباء في مطلع 1962، واصل المسيرة، وانطلق البث الرسمي لتلفزيون الكويت في أواخر ذلك العام، ليصبح قبلة المطربين العرب لتسجيل وتصوير أغانيهم. وحين تولى سموه منصب وزير الخارجية، في مطلع 1963، كان خير ناطق باسم الكويت ومعبراً عن سياستها ومصالحها. واضافة الى هذا المنصب عين وزيرا للإعلام بالوكالة من 2 فبراير 1971 حتى 3 فبراير 1975، وشهدت تلك الفترة تطورات إعلامية، منها انتقال تلفزيون الكويت إلى البث الملون في عام 1974. وإضافة إلى منصبه نائباً لرئيس مجلس الوزراء وزيراً للخارجية، عيّن وزيرا للإعلام بالوكالة من أوائل مارس 1981 حتى 9 فبراير 1982، وواصل الإعلام الكويتي في تلك الفترة مسيرة تطوره على كل المستويات.

رؤية تنموية ونهضة عمرانية

لم تتوقف مسيرة نجاح أمير الكويت الراحل الشيخ صباح الأحمد عند السياسة الخارجية، إذ استمر العطاء والنجاح عند توليه مسؤولية قيادة دفة الحكومة فحرص منذ اللحظات الأولى على تبني رؤية شاملة وعميقة للتنمية في الكويت تشمل مختلف قطاعات الدولة وعلى رأسها القطاع الاقتصادي فقد قام سموه بتشجيع القطاع الخاص وفتح فرص العمل الحر للشباب الذي يضعهم سموه في مقدمة اهتماماته ورعايته من خلال دعم المشروعات الصغيرة. وعلى مدى 14 عاماً من ترؤسه الحكومة شهدت الكويت نهضة تنموية عمرانية شاملة تركزت على مجموعة من المشاريع الضخمة أبرزها مدينة «صباح الأحمد البحرية» التي تعد أول مدينة ينفذها القطاع الخاص كاملاً في دلالة واضحة على تشجيع سموه للقطاع الخاص ومنحه دوراً كبيراً في المساهمة في تنمية الكويت وتنشيط عجلة الاقتصاد.
واستمر سمو الأمير رئيساً للحكومة حتى يناير عام 2006 عندما بويع بالإجماع من أعضاء السلطتين التشريعية والتنفيذية في 29 يناير من العام ذاته ليصبح أول أمير منذ عام 1965 يؤدي اليمين الدستورية أمام مجلس الأمة.

مسيرة حافلة

وتجسد مسيرة الأمير الراحل الشيح صباح الأحمد طيب الله ثراه أهم مرحلة في تاريخ الكويت الحديث، وهي مرحلة قيام الدولة وإرساء دعائمها وبناء مؤسساتها وتعزيز أركانها.فالراحل بدأ حياته العملية مع بداية قيام الكويت في منتصف خمسينات القرن الماضي، وكان شاهدا ومعايشا ومشاركا في كل الأحداث والتطورات التي شهدتها الكويت واستطاع رحمه الله والذي التحق بالعمل العام مبكرا أن يحقق نجاحات كبيرة في مختلف المواقع التي عمل بها والملفات التي عُهدت إليه فحمل هموم الوطن وتطلعات أبنائه وطموحاتهم في قلبه؛ وعمل بجد وإخلاص من أجل اعلاء مكانة الكويت وتعزيز تواجدها الإقليمي والدولي.

مشاريع ضخمة

وعلى مدى 12 عاما من تولي سمو الأمير مقاليد الحكم شهدت الكويت نهضة تنموية شاملة مرتكزة على مجموعة من المشاريع الضخمة من أبرزها مدينة صباح الأحمد البحرية، التي تعد أول مدينة ينفذها القطاع الخاص كاملا ما يدل على تشجيع سموه على إعطاء القطاع الخاص دورا أكبر في المساهمة في تنمية الكويت وتنشيط عجلة الاقتصاد.
وقامت الحكومة تحت قيادة سموه ووفقا لتوجيهاته بالعديد من المشاريع العملاقة التي ترتبط بمختلف القطاعات الخدمية في الكويت كمشروع مستشفى جابر» وميناء مبارك، وجسر جابر الذي يربط بين الصبية ومدينة الكويت. كما تم تطوير العديد من الطرق الرئيسية وإنشاء شبكة من الجسور ومشروع مصفاة الزور، ومبنى المطار الجديد، واستاد جابر الرياضي، إضافة إلى تنفيذ المدن الإسكانية الجديدة ومن أبرزها مدينة المطلاع السكنية العملاقة. وأبدى أمير الكويت حرصا كبيرا على بناء المجتمع الكويتي من الداخل والحفاظ على وحدته وتماسكه في ظل الأخطار والتقلبات التي تعصف بالمنطقة من حين لآخر، وكان التفجير الإرهابي الذي تعرض له مسجد الإمام الصادق في 26 يونيو 2015 أكبر دليل على تلاحم القيادة والشعب في الكويت في مشهد مهيب وقف له العالم إكبارا وتقديرا. فبعد فترة قصيرة من وقوع حادث التفجير الإرهابي الذي أودى بحياة 26 شهيدا وعشرات الجرحى سارع سمو الأمير إلى الحضور شخصيا لموقع الحادث غير عابئ بالأخطار التي قد تحيط به أو تهدد سلامته.

الصعيد الخارجي

أما على الصعيد الخارجي فقد تبوأت الكويت – نتيجة لسياسات الأميرالراحل الشيخ صباح الأحمد طيب الله ثراه ورؤيته الحكيمة القائمة على تولي زمام المبادرات في العمل الخيري الإنساني – مركزا مرموقا بين دول العالم خلال السنوات الـ12 الماضية استحقت عليه أن يتم اختيارها من قبل الأمم المتحدة (مركزا للعمل الإنساني) وتسمية سمو الشيخ صباح الأحمد (قائدا للعمل الإنساني).
وحمل سمو الأمير الراحب في قلبه وفكره هموم وقضايا أمته وسعى إلى البحث عن حلول لها، فبدأ برأب الصدع العربي وصولاً إلى التنمية لإعادة بناء الإنسان العربي من المحيط إلى الخليج. وقاد سموه مشروع المصالحة العربية بين عدد من القادة العرب الأشقاء . فحرص سمو الأمير أيضا على وحدة الكيان الخليجي وعدم المساس بأمن واستقرار أي من دوله،وليست المرة الأولى التي ينجح فيها سموه في رأب الصدع وتهدئة الأجواء بين الأشقاء حيث استطاع لم شمل البيت الخليجي مرة أخرى وتوج ذلك في قمة الدوحة الأخيرة حيث كرم سموه قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في الدوحة بمناسبة منح الأمم المتحدة سموه لقب (قائدا للعمل الإنساني) وتسمية دولة الكويت (مركزا للعمل الإنساني).وإذا كانت الوحدة العربية والخلافات التي تعصف بها هي الهم الذي شغل أمير الكويت الراحل، فإن القضية الفلسطينية هي جوهر هذا الهم إذ كان للكويت في أحلك الظروف موقف تضامني واضح ومشرف مع الفلسطينيين.وترجم سموه طموحات وآمال الأمة العربية في تحقيق التكامل الاقتصادي والتنمية المستدامة للشعوب العربية عبر دعوته الزعماء والقادة العرب لقمة الكويت الاقتصادية والتنموية والاجتماعية العربية التي أقيمت في يناير 2009 في الكويت، وخرجت بقرارات ونتائج مهمة وإيجابية جدا سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي والتنموي، ولاقت ترحيبا وقبولا من قادة الدول العربية وشعوبها.