موسيقى وكتاب

فاطمة الشيدي
لا أعرف ماذا تفعل بنا الموسيقى، إنها تحررنا ببساطة من كل وزر وقيد داخلي وخارجي، تمشي في دمنا، تحمل أوزار الكلمات لتقتلنا بها، تربكنا إذ تقولنا، تأخذ من هدوئنا أحيانا، وتجعله واسعا أحيانا وكأنه يضغط على أرواحنا، تلبسنا الفرح تارة وتحفر جروحنا تارات، تنقلنا من حالة إلى أخرى أو إلى حالات متعددة في ذات الوقت.
الموسيقى شماعة القلب المثقل الذي يعلّق عليها آهاته وذكرياته، أوجاعه وأحلامه، خساراته وهزائمه.
إنها رسائل العاشق للمعشوق تارة ولقلبه تارة أخرى، تلك الإبرة التي ينسج بها فوضاه العدمية وحنينه الدافق ووخزات الذاكرة الملبدة بالوجع والمسافات والذكريات.
نخلع عليها أوجاعنا فتأخذها بين يديها تهدهدها وتهدهدنا بها، تستثير أعصابنا، وتؤجج أوجاعنا، وتستطيل معها وبها أوهامنا.
إنها “البَنَدول” الذي يسكن الألم، والماسح الضوئي للندم، والكاشف لإرهاصات اللهفة والدمعة لتتكور حية طرية فتسقط فيحدث التطهير الروحي، أو يتصاعد ليصبح حقيقة خارج مسارات الرفض اللاواعي، أو التسكين تحت أغطية الحال والواجب.
كل أغنية هي صدى لما يعتمل في القلب، هي شماعة الفرحة المخبأة التي تتدفق مع الكلمات، أو الحزن الغارز أنيابه في باطن القلب الذي يهتز ويربو مع اللحن فيستدير ويتشكل ويخرج بلا خوف.
نحتاج الموسيقى لنشفى، ولنرقى، ولنفرح، ولنهدأ، ولنتذكر، ولنحِن، ولنطبب جراحنا القديمة، ونبدأ جراحا جديدة، معها نحن نبحث عن جراح لنتألم لأن الألم حاجة كالحب تماما.
نحتاج الموسيقى لنفهم أنفسنا، ولنفهم من نحب، ولنقرأ ذواتنا في مراياها الشفيفة ولنعرف بم يشعر من نحب.
عبر الموسيقى نتكلم بلا صوت، ونشعر بالأشياء مضاعفة وباهظة في وجعها وفي حنينها وفي ارتباكاتها لأنها الملح الذي يفتق الجراح، واليد التي ترتقها في ذات الوقت، فحياة بلا موسيقى هي غلطة بلا شك كما يقول نيتشه.

٢.
اليوم ومع هذا الكم الهائل من الأعمال الأدبية المطبوعة شعرا وفكرا وسردا، ومع الكثير من التراث الإنساني الفكري الخالد الذي لا يتسنى للمرء الإحاطة به كله؛ تمثل الصدفة الحالة الأكثر موضوعية لاختيار كتاب للقراءة الحرة التي لاتتطلب مشاريع فكرية مجدولة، الصدفة التي قد تسوقه إليك في مكتبتك فيتقدم قليلا، أو تراه في يد صديق، أو تتعثر به مسموعا وأنت تبحث عن شيء ما. أو يجذبك اسم المؤلف الذي سمعت عنه كثيرا وتقول لنفسك أنك لم تقرأ له بعد. هذا يحدث مع كل كتاب أما الرواية فهي الأكثر قابلية للقراءة لسهولة هضمها عبر تتبع حكاية ما، فالرواية عمل فني يعكس رؤية الراوي ومشاعره واهتماماته، وإن كانت الحياة الخارجية (المجتمع) الذي يتحرك فيه السارد بأحداثه الرئيسية الآنية أو الماضوية وبقضايا الإنسان شكلت مادة رئيسة برانية للكثير من الروايات، فإن هناك الرواية الداخلية أو الرواية النفسية، التي هي نوع من أعقد الروايات وأكثرها جاذبية لبعض القراء (وأنا منهم) تلك الرواية التي تتناول الفكر الإنساني والوعي والروح طبعا مع تفاوتها في تناول الأحداث الخارجية المحيطة بالشخصيات، ولأن كل رواية لابد لها من عناصر بنيوية (حكاية، وفضاء نصي، وشخوص، وحبكة ونهاية) فالرواية النفسية غالبا لا تتخلى عن تلك المكونات الرئيسية ولكنها لا تعتمد عليها إلا في صناعة هيكلة النص، أما قيمتها فهي تستمد من اختلاجات الوعي، والنسج الفكري والحوارات الداخلية لبعض الشخوص (البطل غالبا) لتحريك الأحداث، بينما تكون النقلات السردية الواضحة هي نقلات داخلية أكثر منها نقلات خارجية، كما أن التقنيات النفسية التي يعتمدها العمل بالتركيز على حاجة داخلية كالاهتمام بفكرة ما أو الانطلاق من فوبيا ما كالخوف أو رغبة كالانتقام مثلا أو السقوط في اليأس أو الإدمان وغيرها من اضطرابات نفسية تشكل مفترقات نفسية هامة في بناء الشخصيات.
فالرواية النفسية غالبا تعتمد الاحتكام للماضي النفسي المؤثر والصانع للشخصية، كما تعتمد عددا قليل من الشخصيات لتحريك جوهر العمل وفكرته التي يدور حولها.
ومن أجمل الروايات النفسية التي قرأتها مؤخرا وأخذت بها بعد صدفة جميلة ساقتني إليها، رواية “لأني أحبك” لغيوم ميسو. العنوان الذي للأسف لا يعكس عمق مضمون هذه الرواية، بل وفي البدء قد تظنها إحدى روايات المراهقين، ولكنك تكتشف مع القراءة كم هي الرواية فعليا عمل رائع بل ورائع جدا، عمل يرفعك للروايات العظيمة كروايات تولستوي ودوستويفسكي وكازانتزاكيس، فلغة الرواية العذبة والعميقة بعذوبتها الشعرية وإيحاءاتها الفكرية وظلالها النفسية، لغة تلامس داخلك ببرودة الماء، لتستشعر أهمية الصنعة اللغوية في حياكة نسيج النص، خاصة لقارئ يجيء إليها من منطقة الشعر، فتعلو معها وتسكن إليها، ثم تلمس عمق المضمون وإنسانيته تلك المنطقة التي تعرف كم هي مهمة للكاتب لبيان إنسانيته وحساسيته في تلمس مواضع الظلم والقهر والخلل ومحاولة ترميمه عبر الكتابة.
إنها رواية تنتصر للمهمشين في كل المجتمعات حتى تلك التي نراها من بعيد حلما للإنسانية وفردوسا للعدالة حتى لكأنا نظن أنه لا يسكنها إلا السعداء.
كما تنتصر للقيم الإنسانية، القشة التي يتشبث بها الغريق في وجود رمادي يدفعه دفعا للغرق فتنقذه؛ كالصداقة التي تنشأ بين صبيين (كونور ومارك) يجمعها الفقر والعذاب، الصداقة التي تعتبرها الرواية القيمة الأكبر والأكثر أهمية للإنسان ليستمر بحال أفضل، مع قيم العائلة كالأبوة التي لا تعني أبوة النسب بالضرورة فمارك يتعلق بالطفلة (ليلى)التي ليست من صلبه تعلقا يجعله يراها الحياة، ولذا حين يفقدها يقرر معاقبة نفسه بالعيش في المجاري أسفل بيته انتظارا لها، أما المليونير (هاريسون) فهو يحاول مع ابنته المدمنة كثيرا (أليسون) وينقذها في كل مرة لأنها الشيء الأكثر أهمية بالنسبة له، طبعا مع قيمة الحب الذي يعادل الحياة والذي يرتبط بالتضحية والإيثار بين (نيكول ومارك) الذي يدفعه للتضحية بنفسه لإنقاذها في اللحظة الأكثر اضطرابا وخوفا، وبين (إيفي وكونور) اللذَين أنقذهما الحب من الماضي وأخذهما نحو الحياة.
إنه العمق الإنساني للعمل الذي يسير بموازاة العمق المعرفي والفني، الذي جعل جيوم ميسو الروائي الفرنسي الشاب يصبح من أشهر الروائيين العالميين، وتترجم أغلب أعماله الروائية الثمانية للكثير من لغات العالم ومنها العربية.