الضحك مع خيري شلبي “10 ـ 10”

إبراهيم عبدالمجيد
خيري شخص عصامي علّم نفسه بنفسه ولم يُتم تعليمًا واشتغل أعمالًا كثيرة مرهقة قبل أن يعمل بالصحافة، تستطيع أن تعرفها من كتاب مثل (موال البيات والنوم). وكان كتاب الستينات لا يذكرونه بالخير. دائمًا نبرة سخرية من أعماله باعتباره يحكي دون أن يهتم بالتجديد في بناء الرواية، وهم احتكروا التجديد، وأقاموا سورًا حول عدد من الأسماء لا تتناسب مع بعضها في قيمة ما يكتبون. وجدوا عددًا من النقَّاد يلتفون حولهم، وأصدروا مجلة جاليري 68 التي كان يُشرف عليها عرَّاب الستينات إبراهيم منصور، كما وصفوه هم، ومَن لم ينشر في المجلة لا يعترفون به بينهم. الأهم من ذلك أنهم كانوا يعتبرون خيري شلبي رجل الدولة؛ لأنه يعمل في مجلة تصدرها الدولة، رغم أن الغيطاني يعمل في أخبار اليوم، ويوسف القعيد يعمل في دار الهلال على سبيل المثال، كأن هذه الأماكن ليست تابعةً للدولة.
في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي بعد أن انتقلت إلي القاهرة كنت أدبر أموري المالية بالنشر في الصحف العربية عن طريق بعض المندوبين أو المكاتب القليلة؛ لأن المقاطعة مع الرئيس السادات ومن ثم مصر كانت قائمة. كنت أعتبر أن هذه مهنة لا تروقني، لكن الظروف الاجتماعية هي السبب، وأحلم أن أنتهي منها وأنشر ما أريد حين أريد لا من أجل الحصول على المال، وأتفرغ للرواية والقصة همي الأكبر. قابلت خيري شلبي صدفة أمام مقهى ريش. سألني أين أذهب؟ قلت له “داخل إلى ريش”، قال لي بعد أن نظر إليَّ نظرة دهشة “إنت ليك في الشرب؟” ، قلت له ضاحكًا “طبعًا”، قال لي “تعالى نقعد في ستيلا أحسن.. حاعزمك”. مشيت معاه الأمتار القليلة حتى “ستيلا” الذي هو في بداية شارع هدى شعراوي. كانت الساعة حوالي الثالثة عصرًا، وكان واضحًا أنه عائد من مجلة الإذاعة والتليفزيون التي يعمل بها. دخلنا ستيلا، وكنت مثل الكثير من الزملاء غير مغرم بالتفاني في تناول هذه الأشياء. شربنا أربع زجاجات ستيلا، كل منا شرب زجاجتين، وقام خيري بدفع الحساب وأنا في دهشة. ثم سألني “إنت ليك في الحشيش؟”، قلت له “أيوا”، قال لي “تعالى معايا قايتباي”. كنت أعرف أن خيري يجلس في مقهى قريب من جامع قايتباي بين المقابر المعروفة قديمًا بجبَّانة المماليك في مواجهة الدرَّاسة يدخن الحشيش هناك، وقيل إنه استأجر باحة في إحدى المقابر القديمة من التُّرَبِيَّة يكتب فيها رواياته بعد أن ينتهي من التحشيش. بالمناسبة من أهل هذا المكان أخذ كثيرًا من الحكايات المذهلة ممن قابلهم هناك. كانوا كنزًا حقيقيًّا لأي كاتب، وربما لذلك حرص على الوجود بينهم. ذهبنا إلى المدافن وجامع قايتباي، وجلسنا في المقهى الذي كان غرزة. رأيت بين الجالسين أكثر من لاعب كرة مشهور لا أذكر أسماءهم الآن، لكن كان بينهم لاعب شهير في نادي المقاولين العرب. وجلسنا ندخن وطبعًا لم أكن في قدرة خيري، وتعجبت جدًّا من عدد الأحجار التي دخنها ولا يزال في وعيه. بعد أن انتهينا، سألني “أكيد جعان؟”، قلت “جدًّا.. سأموت من الجوع”. هكذا الحشيش، وبعض مَن يتعاطونه يسرفون في الطعام بعد ذلك وهم لا يشعرون إلى درجة تصيبهم بالتخمة والموت؛ لأنهم لا يدركون ما يأكلونه وكميته. قال لي “تعالى نتعشى عند الدهَّان”. ذهبنا إلى الحسين، وتعشينا كبابًا ودجاجًا عند الدهَّان، ودفع خيري حساب ذلك كله. بعد أن خرجنا من عند الدهَّان، وسنفترق، أعطاني رواية (السنيورة) الجديدة له، وقال لي “اقرأها. ولو عجبتك، اكتب عنها”. في اليوم التالي جلست أقرأ فيها فجذبتني. فكتبت عنها مقالًا نُشر في جريدة القبس، وكان ويا للأسف أول مقال يُكتب عن خيري شلبي، كان خيري سعيدًا بالمقال، وكان لا يدري أني أكره هذا النوع من العمل الصحفي. بعد شهور، سافرت للعمل في السعودية، وكان هدفي بسيطًا جدًّا أن أعود ومعي ما يكفي لأدفعه خلوَّ رجل لشقة في أي مكان وأنتهي من السكن المفروش، وأن لا يزورني أحد إلا بموعد؛ فالسكن المفروش مفتوح لكل عابر أو متأخر بالليل، وأنا أريد أن أكون في بيت نظيف حسن الإضاءة كما قال هيمنجواي، وتنتهي الحياة المفتوحة على الفوضى هذه. سافرت إلى السعودية، وعدت عام 1979 ولم يعزمني خيري على شيء مرة أخرى، حتى جاء يوم وقال لي “هيا إلى ستيلا”. ذهبنا، وفعل معي ما فعله بالضبط في المرة السابقة، وأعطاني آخر الليل رواية (الأوباش) الجديدة له. قرأتها، وأعجبتني، ولم أكتب عنها؛ لأني توقفت عن مهنة متابعة الكتب. بعدها نشرت أنا رواية قصيرة هي (ليلة العشق والدم)، كتب عنها كبار الكتَّاب مثل علي الراعي وبدر الديب وشوقي فهيم وغيرهم. لاقت نجاحًا في الاستقبال الأدبي، وأعطيت نسخة لخيري شلبي، فكتب عنها مقالًا في مجلة الإذاعة والتليفزيون. كان له عمود يكتبه. اشتريت المجلة، وقرأت العمود، فوجدته انتقامًا هائلًا مني؛ يتساءل فيه مَن هو إبراهيم عبد المجيد هذا؟ عامل التراحيل القادم إلى القاهرة؛ ليكتب رواية تافهة مثل هذه، ويسمونها رواية. أين (ليلة العشق والدم) من (الحرب والسلام) لتولستوي. إلخ إلخ . أدهشني المقال جدًّا. الرواية القصيرة التي توقف النقاد عند بنائها ولغتها السينمائية والتي قال لي الأستاذ الأديب عبد الله الطوخي رحمه الله وأنا أزوره في روزا اليوسف وأجلس معه ومع صبري موسى “أنت بتستعرض علينا يا إبراهيم في الكتابة؟”. وأضحكتني مهنة عامل التراحيل أنا ابن الإسكندرية. أدركت أن خيري ينتقم من عدم كتابتي عن رواية (الأوباش) وما صرفه عليّ ليلتها. ضحكت، وقابلته قادمًا بالقرب من ريش، فتقدمت إليه. تراجع خطوة. كان طولي وصراحتي تشي بأني سأهجم عليه، ولم أكن كذلك أبدًا، وقليلون يعرفون رقة مشاعري ودموعي التي تترقرق مع أي حدث عاطفي. لكني تقدمت إليه، وأخذته في حضني ضاحكًا وشكرته قائلًا “والله إنت شهرتني يا أستاذ خيري”. كنت حريصًا أن ألقبه بالأستاذ لفارق السن، حتى جاء يوم أقول له فيه يا خيري عادي. ظل رحمه الله حتى توفى يقول لي “لا تنسَ أني الذي شهرتك”. لم أقل له أبدا إن مجلة الإذاعة ذلك الوقت لم يكن يقرؤها إلا زبائن الحلاقين الذي كانوا حريصين على شرائها. ولم تكن هذه أخر الأيام الحلوة مع خيري الجميل رحمه الله. ظللت دائمًا أشعر أنه مظلوم من كتاب الستينات وأدافع عنه، وليس معنى أنه يحكي دون أن يقيم بناءً فنيًّا تتعدد فيه اللغات أنه ليس بكاتب، على العكس قد يكون أكثر الكتَّاب أصحاب الخبرات في الحياة.
طبعًا التقيت مع خيري شلبي كثيرًا جدًّا، وأصبح جزءًا من نسق حياتي مثل غيره من الكتَّاب. لم تكن بيننا أيام سيئة أبدًا، فهو قليل النزول إلى وسط البلد، وقليل التدخل في الشؤون الثقافية، لكن الصدف جمعت بيننا كثيرًا، ولا أزال وسأكرر ربما كثيرًا، القول إن كتاب الستينات كانوا قد أخرجوه من مزرعتهم الكاذبة واستمر الإخراج.
كان لكتَّاب الستينات عرَّاب هو إبراهيم منصور. كان شخصًا دائم الضحك والجلوس معه ليس خسارة من أي ناحية. كان أحد الذين وراء صدور مجلة جاليري 68 التي دشنت هؤلاء الكتَّاب، ولم يكتب في حياته غير قصة قصيرة واحدة. كان هو مفتاح الستينات. المهم كنت أجلس في مقهى البستان مع الشاعر محمد كشيك وهلَّ إبراهيم منصور، ففكرت أن آخذه إلى خيري في القهوة في قايتباي نحشش رغم أني كنت توقفت عن الحشيش ربما ينفتح باب الستينات. أخذته مع كشيك في سيارتي، وذهبنا إلى المقهى الغرزة، وجلسنا مع خيري شلبي الذي اتسعت ابتسامته. في ذلك الوقت كانت روايته (العراوي) صادرة من دار المستقبل العربي وكانت عندي. بالصدفة نظرت إلى آخرها مؤجلًا قراءتها فوجدت تعريف الكاتب بأسماء أعماله الأكثر من عشرين عملًا وقتها وأمام كل منها كلمة “نفد” فاندهشت جدًّا. الأعمال أكثرها لم ينفد، وهذه الكلمة تجعل القارئ لا يبحث عنها. بعد أن طالت جلستنا قليلًا، شعرت ببداية الضياع الذهني، فضحكت، وسألته “يا خيري، أنت كاتب على كل رواياتك في آخر رواية (العراوي) نفد.. نفد.. نفد.. هكذا تجعل القارئ لا يبحث عنها”. قال “كلها نفدت فعلًا “. لم أقصد والله، وتذكرت كل ما جرى بعد أن عدت إلى البيت. المهم سألته “كمان أنت كاتب أكثر من عشرين عمل، وهم أقل من كدا”. قال لي” لا.. هم كدا”. قلت له “طيب تعدهم ؟”. قال لي “أعدهم”. وراح يعد العناوين، وحين يصل إلى تسعة، أقول له “انت غلطت.. هم تمانية”، والحقيقة أنا لا أدري بأي عددٍ إلا بين رقم ورقم، وحين وصل إلى اثني عشر دخل معي محمد كشيك على الخط يضحك ويقول “حداشر..”، هكذا مرات كثيرة حتى قال” إنتو ولاد كلب.. ومش حاعد “. ضحكنا، وانتهت الليلة طبعًا وإبراهيم منصور لم ينقطع عن الضحك، مما نفعل بالإضافة إلى ضحكنا، مما جعل خيري يمتنع عن العدد. تركناه في منتصف الليل تقريبًا، وعدت إلى بيتي ونمت. في اليوم التالي، نزلت آخر النهار وسط البلد وجدته جالسًا على مقهى البستان، فتقدمت ضاحكًا، وفي نيتي أن أعتذر له عن الهزار الذي ربما كان ثقيلًا، لكنه قال لي “مش دي المشكلة. أنا روحت بعدكم في الفجر لاقيت التليفون بيرن. رديت على التليفون لاقيت ضابط أمن دولة بيقول لي الغرزة مايجيش فيها إبرهيم عبد المجيد تاني، اللي ييجي بس محمود الورداني ويوسف أبو رية”. ضحكت طبعًا، وجلست أشرب الشاي معه. لم أعلق بأن هذا من تأليفك؛ لأني أصلًا كنت امتنعت عن الحشيش، وذهابي كان من أجل تقريب إبراهيم منصور منه، وقلت له “المهم إبراهيم منصور انبسط”. بعد ذلك تغير موقف الستينات منه، أو عند بعضهم على الأقل. ولم تكن هذه آخر الأيام الحلوة مع خيري شلبي . وغيره من الكتاب سيتضمنها كتاب “الأيام الحلوة فقط” حين يصدر قريبا.