هوامش…ومتون: العودة إلى التباعد!

عبدالرزّاق الربيعي

في مثل هذه الأيّام من كلّ عام، يسيطر على الآباء، والأمّهات انشغال مركزي، هو التحضير لبدء العام الدراسي الجديد، وشراء اللوازم المدرسيّة التي يحتاج إليها أبناؤهم، من ملابس، وحقائب، ومواد قرطاسيّة، ومستلزمات أخرى، لكنّ الحال اليوم اختلف، فالطلاب في بيوتهم، حتى نوفمبر المقبل، يمضون أطول عطلة صيفيّة في حياتهم المدرسيّة، خصوصا أنّهم أمضوها بدون سفر، ولا لقاءات مع الأصدقاء، ولا زيارات للحدائق العامّة، والأماكن الترفيهيّة، ويأتي اليوم من يطلق عبر مواقع التواصل الاجتماعي دعوات لتأجيل السنة الدراسيّة، “ليزيد الطين بلّة”، تزامنا مع تصريحات منظّمة الصحّة العالميّة بوجود موجة ثانية من الفايروس الذي شلّ الحركة في كوكب الأرض، وباعد بين الجميع، منذ الأيّام الأولى لتفشّيه، وألقى ظلاله الثقيلة على المدارس، فجعل الفصل الدراسي الثاني من السنة الدراسيّة الماضية متعثّرا، فما بين حصص تلقى عن بُعد، واختبارات عن بُعد، والبعض ركن إلى تقدير الدرجات، وبذل قسم كبير من الهيئات التدريسيّة كلّ ما يستطيع من أجل أداء واجبه، على أكمل وجه، وبالوقت نفسه، قامت المؤسسات الطبية بدورها في الحفاظ على سلامة الطلبة، والكوادر التدريسيّة، من شرّ الوباء.
وكان الجميع يأمل أن يتوصّل العلماء إلى إنتاج لقاح ضد الفايروس، خلال شهور العطلة الصيفيّة التي مرّت على الجميع، ثقيلة، فأمضاها أبناؤنا بين محجورين داخل البيوت بشكل كامل، وبين حجر جزئي، ومغادرة البيوت للضرورات القصوى، ولا حكايات جديدة سوى حكاية الفايروس الذي حرم الجميع من ممارسة حياته، كما اعتاد في السنوات السابقة، وللضرورات أحكام.
واليوم، صرنا على قاب قوسين، أو أدنى، من بدء العام الدراسي الجديد (2020- 2021)، ومع توقّع موجة جديدة من الفايروس، عادت أسئلة أولياء الأمور، وأصحاب العلاقة، عن الآليّة التي ستتّبعها المؤسسات التعليمية في تسيير العمليّة التربوية، وجاءت التوجيهات السامية بتخصيص هذا العام للتعليم المدمج، ليجيب عن كلّ الأسئلة، وكما هو معروف هذا النوع من التعليم يجمع بين التعلّم عن بُعد(الفصل الافتراضي)، وداخل الفصل الدراسي (التقليدي) بإشراف معلّمين، مع التقليص في الإجازات، والمناهج، ومما يسهّل من ذلك أن الجميع اكتسب خبرة من العام الماضي، والجيل الجديد على دراية بالكثير من التقنيات، والتطبيقات، بحكم شغفه بأجهزة الحاسوب، والهواتف الذكيّة التي تسهّل له الكثير من الأمور، في وقت تجد الأجيال السابقة صعوبات في التكيّف مع هذه الأجهزة، لأنّها نشأت في كنف ثقافة مختلفة، وهو، حلّ وسط، أسكت الأصوات الداعية إلى تأجيل السنة الدراسيّة، فالتعليم يبقى حقّا مكفولا، ومن حقوق الطفل الواجبة علينا، وينبغي أن لا نحرمه هذا الحقّ، تحت أيّ ظرف، ولنضع في أذهاننا أنّ تعطيل الدوام سنة دراسيّة هو تعطيل للمستقبل، أقول هذا، واضعا سلامة أطفالنا من الفايروس في المقدّمة، ومراعاة توفير البيئة الآمنة لهم، مدركا صعوبة الظروف التي يعاني منها الآباء، والأمّهات في تسيير عملية التعلّم عن بُعد، وعدم توفّر الإمكانيّات اللازمة لها، لدى البعض، وضعف شبكات الانترنت في عدد من المناطق البعيدة، لكنّ ينبغي علينا التعايش مع هذا الظرف، للخروج منه بأقلّ الخسائر، ويمكن الاستفادة من الأدوات الأخرى المتاحة كالإذاعة، والتلفزيون في إعطاء دروس تربويّة، وتعليميّة، بإشراف الأهل، وكذلك استخدام الأقراص المدمجة، وسواها من الوسائل المتاحة، وكذلك الدروس الأساسيّة التي سيأخذها طلبة المدارس، والتي سيتلقّى المعلّمون دورات تدريبيّة من قبل متخصّصين، في “التعليم المدمج”، والأمر يحتاج تكاتف الجميع، لتوفير الأجهزة اللازمة التي لا تستطيع بعض الأسر توفيرها لأبنائها، وينبغي أن ننطلق في هذا المسعى من مبدأ : أن نتائج التعليم تصبّ في خدمة المجتمع، وتعود بالنفع للجميع، والمستفيد الأكبر هو العملية التعليميّة برمّتها، خصوصا أن التعليم لم يعد يقتصر على اليوم الدراسي، ولا مقاعد الفصول، فكلّ الأماكن صالحة لتلقّي العلم، وبذلك سيكسب (أكبادنا التي تمشي على الأرض) سنة دراسية، رغم اضطرارنا العودة إلى التباعد!