طابور الذل

عادل محمود

قررت بعد اليأس أن أقف بسيارتي في الطابور الذي يمتد إلى مسافة 3 كم برتلين من السيارات، في قيظ شهر سبتمبر الهارب من الجحيم، للحصول على 30 ليترا من البنزين.
كنت أعرف ما ينتظرني. فقررت ألا أزعل من الحياة بدلا من المسؤولين عن صعوبتها. ولا أتقاتل مع أحد الذين يتصارعون على أمتار الانتظار، فأنا لا أصارع من أجل أي شيء أقل من تحرير الأمة من الفساد والاستبداد!
وقررت أن أطبق مبدأين بوذيين، الأول: “إذا كنت في مأزق… جمّله”، والثاني: “إذا كان للمشكلة حل… فلا داعي للقلق. وإذا لم يكن للمشكلة حل… فلا جدوى من القلق”.
وهكذا وضعت في سيارتي ثلاجة صغيرة فيها من البارد ما ينسي الساخن، وجهزت أطيب أنواع الساندويشات، وكذلك العنب البلدي. ولبست الحزام الأسود للصبر السوري على مكروهات الحياة وصغائرها. وفي حضني وضعت أحد ثلاثة كتب جلبتها للاستعانة على عصر النفط العربي الذي سيقودنا… أو قادنا إلى عصر الحمير.
كتاب إدوار غاليانو “أبناء الأيام” وكتاب قصائد للألماني “برتولد بريخت”، والكتاب الثالث لي عنوانه “خيانة المستحيل” وسبب اختياري لي، هو الإطلاع، بعد سنوات من صدوره، على بعض ما رأيت وسمعت ولمست، لأتأكد أن نبوءاتي السوداء، قبل سنوات، قد تحققت.
بدأت، وأنا أستمتع ببرودة كوندشن السيارة، الذي قد يخذلني الوقوف الطويل بالبنزين القليل، فأصرف على التبريد في الداخل ما يجعلني أندم على التسخين في الخارج.
بدأت بكتاب غاليانو، ففتحت عشوائيا على هذه الصفحة وقرأت:
“بعد ثلاثة أيام من تدمير هيروشيما وناغازاكي بالقنبلة الذرية، تحدث الرئيس هاري ترومان عبر الإذاعة وقال:
“نشكر الرب… لأنه وضع القنبلة في أيدينا وليس في أيدي أعدائنا، ونتضرع إليه ألا يوجهنا في استخدامها إلا وفقا لدروبه وغاياته”.
أغلقت الكتاب وأخذت من الثلاجة علبة بيبسي، وجعلت برودتها تساعدني عل نسيان مشهد، الياباني مشويا بالحريق النووي، يركض بين الموتى.
أمسكت بنظارات بريخت وفتحت كتابه عشوائيا… فقرأت:
“جلست أنتظر، فيما السائق يغير العجلة المثقوبة.
أنا لا أحب المكان الذي جئت منه.
ولا أحب المكان الذاهب إليه.
فلماذا انتظر، بفارغ الصبر،
تغيير العجلة؟”
هنا تحرك مترين رتل السيارات أمامي وتوقف. تفرجت على مشاجرة بين أحد أبناء الدفع الرباعي، وبين صاحب شاحنة صغيرة لنقل الخضار.
فتحت الكتاب الثالث عشوائيا… فكان هذا الكلام المكتوب في 15 سبتمبر 2012:
“صانع الأحلام،
بعد أن رأى ما الذي حلّ بالحالمين… عاقب نفسه بكابوس”.
تقدم الرتل مترين آخرين. تقدمت. وفتحت أوراق الكتابة، وها أنذا أكتب إليكم من مكان ما في “طابور الذل”.