الضحك في باريس

إبراهيم عبدالمجيد
في عام 1998 تم اختيار مجموعة من الكتَّاب للذهاب إلى فرنسا بمناسبة مرور مائتي عام على الحملة الفرنسية على مصر. طبعًا تمت مهاجمة مَن سافروا ومهاجمة الفكرة، وتم الدفاع عنها باعتبار أن الحملة الفرنسية كان لها نتائج إيجابية كثيرة، منها مثلًا دراسة التاريخ المصري القديم ودخول المطبعة وفك الشفرة الفرعونية بعد ذلك. والعجيب أن ممن هاجموا المسافرين كان جمال الغيطاني الذي تُترجم رواياته في فرنسا، وقام عبد المنعم رمضان بمهاجمته في مقال شديد. في مثل هذه الأحوال لا أتحدث؛ لأن فرنسا ليست إسرائيل، كما أنه دائمًا هناك مَن لا يريد لغيره أن يرى النور! في النهاية سافر عدد من الكتَّاب، كنت أنا بينهم، وكانو إدوار الخراط وسعيد الكفراوي وسلوى بكر وخيري عبدالجواد، والشعراء عبدالمنعم رمضان وحسن طلب وماجد يوسف، وانضم إلينا رؤوف مسعد قادمًا من هولندا. كانت بداية الاحتفال في مدينة تُسمَّى المدينة الجديدة على نهر اللوت (فيل نيف سير لوت). فيها عقدنا ندوات وسهرنا في المطاعم والفندق، وكان الضحك للصباح بسبب نكت سعيد الكفراوي التي لا تنتهي. كان المدهش في المدينة التي -بتعبير عبدالمنعم رمضان- أشبه بالجنة في مشاهدها، هو كمية الفواجرا التي تقدم لنا في المطاعم. الفواجرا أو كبد الأوز ليست من الأشياء زهيدة الثمن، لكنهم كانوا يضعون بيننا صواني كاملة من الفواجرا، وكان هذا مثار دهشة كبيرة لنا. هي بلد مشهورة بذلك. انتهينا من الندوات، وانتقلنا إلى باريس لنمضيَ فيها عدة أيام أيضًا، ونقيم بها عدة ندوات. وصلنا بالقطار، فوجدنا في محطة باريس في انتظارنا موظفًا شابًّا من معهد العالم العربي صاحب الدعوة، أخذنا إلى فندق نجمتين، وربما نجمة واحدة بشع الغرف، والأبشع أن دورة المياه كانت عامة في كل دور. يعني لا توجد دورة مياه ملحقة بأي غرفة. استاء بعضنا، وسكت بعضنا كالعادة. كان أول المستائين سلوى بكر وعبدالمنعم رمضان، فهذه إقامة لا تليق بكتَّاب من أي بلد، وانضممت إليهما لكن بشكل عنيف على طريقة الإسكندرانية. كنت ذهبت من قبل إلى باريس في دعوات أو بمناسبة صدور رواية مترجمة لي، ولم أُعامل هذه المعاملة أبدًا. كنت عنيفًا مع الشاب المغربي الذي استقبلنا، وكان سعيد هادئًا كالعادة راضيًا يقول لي: “أَهُمْ يومين وخلاص يا إبراهيم.. ما فيش داعي للعنف دا”. للأسف انتقل العنف مني إليه هو أيضًا، وشخطت فيه أن يسكت. سكت سعيد حزينًا، وكانت هذه أول مرة أفعل ذلك معه وآخر مرة. المهم صممتُ أن يتصل الشاب بمدير معهد العالم العربي صاحب الدعوة وأنا معه، وتكلمت معه شاكيًا فقال لي: “سيتم تغيير الفندق بعد دقائق”. بعد دقائق فعلًا قال لنا الفتى المغربي أن نصحبه إلى فندق سان جيرمان بشارع سان جيرمان الشهير. طبعًا كان أفضل كثيرًا وفي شارع شهير نتمنى دائمًا المشي فيه والفرجة على مكتباته ومطاعمه ومقاهيه التي جلس فيها مشاهير الفنانين ونجلس فيها. انتقلنا ولكن الليلة مرت بنا وكل منا شبه منفرد بنفسه؛ لأن سعيد غائب عنا في غرفته. لم نسهر معًا ولم نتبادل الضحك دون سعيد. وفي الصباح خرجنا بعد أن تناولنا فطور الفندق البسيط. كانت هذه أول مرة يذهب فيها سعيد إلى فرنسا، وربما لذلك لم يشأ أن يعكر على نفسه جمال الرحلة. قلت له: “تعالَ معي سنمشي معًا”. تصورت أنه نسي ما جرى أمس. كان يود شراء بعض الملابس، وكنت أخذت موعدًا مع الصديقة الكاتبة العراقية الأصل عالية ممدوح أن تذهب بنا إلى بعض المحلات الشهيرة برخص أسعارها. اتفقنا أن نلتقي في محطة مون بارناس. أخذت سعيد لنركب المترو إلى هناك. أنا أعرف المكان جيدًا. على محطة المترو أشعل سعيد سيجارة، والتدخين ممنوع أصلًا، وأنا لم أنتبه إلى أنه أشعل سيجارة؛ لأني كنت أفكر أن أصالحه بعد عضبي عليه أمس، وقولي له: “الطيبة دي حتودينا في داهية.. دا حقنا.. واللي داعينا لازم يحترمنا.. إحنا مش جايين نشحت”. جاء المترو وركبنا ولم أنتبه كما قلت إلى أن سعيد كان يدخن أو أنه ألقى السيجارة في أي مكان. التدخين أصلا ممنوع على محطة المترو. تحرك بنا المترو وبدأت أشم رائحة شياط لا أعرف مصدره، وأسأل سعيد هل يشم رائحة شياط؟ فلا يرد ويبدو شاردًا. وصلنا محطة مون بارناس وبعد النزول من المترو، هناك سير كهربائي يأخذنا إلى الخارج، سير أفقي طويل جدًّا ربما أطول ما رأيت من سيور كهربائية تقف عليه أو تمشي أو تجري كما يفعل الشباب الفرنسي ليسبقوا الوقت. وقفنا عليه ورائحة الشياط معنا، وأنا أسأله، فيهز رأسه دون حديث. انتهى السير الكهربي وصعدنا إلى الفضاء حول المحطة ورائحة الشياط معنا. ابتعدنا ودخلنا أول شارع نمشي فيه ورائحة الشياط ازدادت جدًّا. نظرت إلى جانب سعيد الذي كان يرتدي بدلةً، فوجدت النار تخرج من جيبه. نار حقيقية. هتفتُ: “سعيد، إنت بتولع”. نظر، فرأى النار تخرج من جيبه، فخلع الجاكت بسرعة وأخرج منه محفظته وباسبوره، وأنا في دهشة، فقال: “أنا لما المترو جه حطيت السيجارة في جيبي”. سألته: “أنت كنت بتدخن ع الرصيف؟”، قال لي “آه”. ولأني وجدته يبتسم مستسلمًا ويهز رأسه كعادته مندهشًا، بدا لي لم ينسَ ما حدث بالأمس وكان الثمن جاكيت البدلة. تألمت من نفسي جدًّا. وضع سعيد الجاكت بعد أن أخرج ما فيه في سلة مهملات قريبة، ومشينا نضحك، ولم يلمني سعيد، ولم يقل لي أنت السبب. قابلنا صديقتنا عالية ممدوح، واشترينا ما نريد، وكانت هذه أول مرة أرى كاتبًا يحترق في باريس. صار الموضوع مادة للضحك بعد ذلك، ونسينا ما جرى.
******
كتبت هذا الفصل وأنا أستمع إلى مزيج من أغاني إديث بياف. الجميلة العظيمة التي كانت أغانيها تحبب اللغة الفرنسية للعالم. عرفتها مبكرًا من البرنامج الموسيقي، وفي سفرتي الأولى إلى فرنسا عدت ببعض شرائط التسجيل الخاصة بها. لا أذكر مَن كان معي وأنا أشتري، وسألني: “هل أنت تعرف اللغة الفرنسية حتى تعرف إديث بياف؟”. قلت له: “الأصوات الجميلة لا تحتاج إلى فهم.. أسمعها وهي تغني وأنا أكتب”. (تحت سماء باريس Sous le Ciel de Paris)، (ولست نادمة أبدًا ،Non je ne regrette rien)، و(الحياة الوردية la Vie en Rose) الاسم الذي صار عنوانًا لفيلم عن حياتها فيما بعد عام 2008، فازت به الممثلة ماريون كوتيار التي قامت بدورها بجائزة أحسن دور في الأوسكار. لقد ولدت إديث بياف عام 1915 وماتت عام 1963 بعد حياة مليئة بالألم. في بداية حياتها كانت تغني في شوارع العاصمة باريس من أجل بضع فرنكات، ثم صارت أسطورة، كطائر منذور للعذاب الأبدي بعد فقد طفلها بمرض الالتهاب السحاقي، فلازمت الشراب والحزن. بعد فترة أحبت ملاكمًا فرنسيًّا شهيرًا هو مارسيل سيردان، لكنه فقد حياته في تحطم طائرة كان بها. كاد الحادث يودي بعقلها، مما عرضها لحادث سير أدى إلى كسور في جسدها، فأدمنت المورفين الذي كانت تستخدمه كمسكِّن لها، فأصيب كبدها، وأصابها الشلل، ومعه الاكتئاب، حتى ماتت عام 1963 عن عمر سبع وأربعين سنة. هذا الطائر السماوي كما يشير إليه اسم بياف أسعد الدنيا كلها رغم البؤس الذي لازمها في الحياة. كنت أتذكر وأنا أمشي تحت سماء باريس كلمات أغنيتها:
تحت سماء باريس لحن يحلق
وقد ولد اليوم في قلب صبي
تحت سماء باريس يسير العاشقون
ويبنون سعادتهم على لحن كتب لهم
الأغنية التي غناها أيضًا إيف مونتان وجولييت جريكو، المغنية التي ارتبطت بالوجوديين، والتي رأيت لها أفلامًا مثل (شرخ في المرآة) مع أورسون ويلز أيام الشباب الأول في الستينات، وفيلم (كوخ العم توم) في الستينات أيضًا عن الرواية التي كتبتها هارييت بيتشر ستاو وقيل إنها كانت سببًا في الحرب الأهلية الأمريكية لتحرير العبيد، لكني دائمًا أقول إن رواية لا تشعل حربًا، إنما هي ما كان يتمتع به جنوب أمريكا من ثروات يريدها الشمال. كما رأيت طبعًا أفلامًا لإيف مونتان، لكن يكفي هذا فهناك كتابي (أنا والسينما).