الضحك في باريس «8 ـ10»

إبراهيم عبدالمجيد
لقد اشترك البساطي في ندوة بعد ذلك مع أحمد عبد المعطي حجازي وجمال الغيطاني عن التراث وأثره على الأديب. طبعًا تحدث حجازي باستفاضة عن أثر التراث عليه وكذلك الغيطاني، ولما جاء دور البساطي قال جملة واحدة «التراث.. أنا لم أقرأ فيه شيئًا، وشكرًا»، صارت القاعة في ذهول وابتسامات وضحكات بعد أن وصلت الترجمة إلى مَن لا يعرف العربية، وحين سألوه عن ألف ليلة وليلة، قال «رأتها، لكن لم أكن أعرف أنها من التراث. ولو عرفت، ما كنت قرأتها»ق. واستمر الضحك.
في ندوة عن الترجمة، كثير من الجالسين في القاعة اعتبروا الترجمة لا تهتم إلا بالروايات التي بها اضطهاد للمسيحيين أو اليهود أو داعية للتطبيع مع إسرائيل. جاء دوري، فقلت «الترجمة بالنسبة لي هي دعوة لزيارة البلد المترجَم فيه العمل، وكأس نبيذ مع فتاة جميلة قرأت الرواية المترجمة»، دوت القاعة بالضحك والتصفيق. في الحقيقة كثيرًا ما كان الكتَّاب يثيرون معارك أدبية مكانها مصر وليس هناك، بينما كنت أنزع إلى الضحك وأترك الندوة التي بها نقاش حاد، وأقول لهم: «يا جماعة إحنا جايين نتفسح مش نهاجم بعضنا».
أذكر في هذه السفرة بعد أن صعدنا إلى غرف الفندق بعد الوصول أن وجدت إبراهيم أصلان يدق عليَّ باب الحجرة. فتحت، رأيته مرعوبًا. كان إبراهيم أصلان قد أحضر معه من مصر سخَّانًا كهربيًّا صغيرًا، كان معروفًا وقتها تضعه في كوب الشاي بعد توصيله للكهرباء فتغلي المياه، ويتم به عمل الشاي، لا أذكر ماذا كنا نسميه. ورغم أنه جاء معي مرة من قبل إلا أنه أحضره معه هذه المرة لسبب قاله لي، وهو أن الشاي غالي السعر كما أخبره جمال الغيطاني. الغيطاني كما قال لنا كان يحب في السفر إلى باريس كان يأخذ معه طعاما مصريا تقليديا لبعض أصدقائه المصريين. وفي هذه المرة كان قد أخذ معه «مش وملوخية» وأشياء أخري لا أذكرها سيعطيها للكاتب المرحوم علي الشوباسي وزوجته فريدة الشوباشي. في مطار أورلي بباريس بعد وصولنا اشتبهوا فيما معه وخاصة المش، وتأخرنا ساعة حتي فهموا ما نوع الأطعمة التي معه وخرجنا. لم أعرف معنى اقتراحه بسخان الشاي الصغير علي أصلان هو الذي أسبقنا في السفر ومعرفة الأسعار. بالمناسبة لم أعرف عنه البخل في المرات التي جلسنا فيها معا في مقهى، سواء في باريس أو إسبانيا إذ كان يصر أن يدفع هو الحساب.
ما إن وضع أصلان السخان في الكهرباء، حتى حدثت قفلة كهربائية وفرقع الفيوز وأظلمت الحجرة. في اللحظة نفسها دق جرس الباب، فأصابه الرعب. كيف يحدث ذلك معًا؟ تخيل أن إدارة الفندق أتت لتحاسبه في لحظة، وأنه أظلم الفندق كله. تحسس الجدار بيده، وفتح الباب فوجد البساطي قد انتهى من وضع حقيبته في غرفته وجاء إليه. استطاع إبراهيم إخفاء السخان، واتصل بالاستقبال في الفندق، وجاء إليه كهربائي أصلح الفيوز وعادت الكهرباء، ولم يعد إبراهيم لعمل الشاي.
أذكر في إحدى الندوات أن قلبتها نكت بشكل رهيب، فحين سأل أحد الموجودين بهاء طاهر لماذا توقفت القبلات ومشاهد الجنس بين الأبطال في المسلسلات المصرية؟ وأجاب بهاء طاهر: إن هذا من فعل الرقابة حتى يتم بيع المسلسل، وقلت أنا: «بهاء يعيش في سويسرا ولا يتابع. الآن يسمحون بالقبلات بشرط وجود مِحْرِم في المشهد» وغير ذلك كثير حتى قام في نهاية الندوة صحفي فرنسي شهير هو جاك لاكوتير كان يومًا مراسلًا في مصر، وقال: إنني اليوم تذكرت جلسات المقاهي في مصر من فرط الضحك الذي ضحكناه. دائمًا في السفر أحب الاستمتاع بالوقت، وأحب أن يكون في الندوة ضحك.!
من طرائف مدينة لاروشيل الفرنسية التي ذهبت إليها أول مرة عام 2001 في برنامج إقامة للكتَّاب لمدة ثلاثة أشهر، أنهم أسكنونني في البداية في شقة بها أكثر من كاتب وفنان شاب عربي. كانت لكل منا غرفة مستقلة وتجمعنا الصالة والتلفزيون أحيانًا. بعدها بقليل نقلوني إلى شقة وحدي من غرفتين في منزل من طابقين بكل طابق شقة صغيرة. كنت في الطابق الأرضي، فوقي طابق لا أعرف مَن يسكنه. في ذلك الوقت حدث الهجوم على برج التجارة العالمي في أمريكا من أتباع ابن لادن. صرت أسهر أكثر الوقت أتابع الأحداث من قناة الجزيرة. في مثل هذا السفر الطويل أقوم بطهْو الطعام لنفسي. أشتري من السوق ما أريد مرةً كل أسبوع. كان مما اشتريه علب من الكسكس المغربي، فأحيانًا أجوع في الليل، فأطهو بعضًا منه بسرعة. المسألة لا تحتاج أكثر من قطعة من الزبد معه، وتقليبها على النار لدقائق، وأجلس أمام التلفزيون أتناوله، ولا أشغل نفسي بساندوتشات ولا غيره، مجرد دقائق أمام البوتاجاز. ذات ليلة في منتصف الليل دق الباب. اندهشت جدًّا.. مَن يأتي الآن؟ فتحت وجدت شخصًا قصيرا سمينا يرتدي بنطلون بيجامة وفانلة فقط، عاري الكتفين، وعلى وجهه تكشيرة لا أعرف سببها. تحدث بالفرنسية بسرعة ولم أفهم كلمة مما يقول، فابتسمت وقلت له بالفرنسية: «بيان فيني.. مرسي بيكو.. بون سواريه.. بون نوي؛ يعني أهلًا بك وشكرًا ومساءً جميلًا وليلةً جميلةً، فابتسم وصعد. كان هو الذي يسكن في الدور الثاني. مرت عدة أيام وحدث نفس الموقف في منتصف الليل، فقلت له نفس الكلام، وصعد إلى شقته. كان فرنسيًّا يسكن الطابق الثاني. مرت عدة أيام وحدث الموقف نفسه. صرت بعد أن ينصرف راضيًا أضحك. لم يفكر هو أن يفسر لي ما يريد ببطءٍ في الحديث، ولا أنا فكرت أن أسأله أن يبطئَ حديثه لأفهم. بعد أيام كانت قد انقضت الثلاثة أشهر، حيث أنهيت منها شهرين في الشقة السابقة. جاء جبار ياسين ومعه الروائي الفرنسي ريموند بوزيير والكاتب نويل فافرييه اللذين كنت تعرفت عليهما مع جبار من قبل، وقضينا وقتًا جميلًا معًا. جاءوا ليعزموني على السهر قبل سفري وينتظرنا آخرون.»
ما إن فتحت لهم الباب، حتى رأيت الفرنسي بنفس ملابسه يقف معهم. لقد أحس بهم، فنزل إليهم. حدثهم بالفرنسية السريعة التي لا أفهمها لسرعتها وللكنته، فسمعت ريموند يقول له «إلْ فا بارتير ديما» يعني أنه سيرحل غدًا. عاد الرجل إلى شقته ودخل الأصدقاء. أفهمني ريموند بوزيير بهدوء في الحديث أن الرجل يكره رائحة الكسكس، وأني بين ليلة وأخرى أطهو الكسكس بالليل، فيشم رائحته وينزل يطلب مني أن لا أطهو الكسكس، فأرحب به، لكن بعد عدة أيام أطهو الكسكس من جديدٍ. طبعًا ضحكنا، وعرفت لماذا هو يكره الكسكس؛ لأن بالشقة قبلي كان يسكن شاب موسيقي مغربي يقوم بعمل صواني من الكسكس لأصحابه، وتصعد إليه الرائحة، إلى درجة أنه صار يشم رائحة طبق صغير أطهوه من الكسكس. حتى الآن لا أعرف لماذا لا يحب رائحة الكسكس حقًّا مهما كانت. حين عدت كتبت مقالًا ضاحكًا عن المسألة وأعطيته سناء البيسي التي كانت تشغل منصب رئيس تحرير مجلة نصف الدنيا وقتها، وتنشر لي كل ما أريد في المجلة. كان المقال صفحة أخيرة. ضحكت وقالت لي “جميل.. لكن غير العنوان معلش». كان العنوان (مسألة الكسكس)، غيرته فيما أظن إلى (سوء تفاهم).
من طرائف السفر الأخرى التي لا أنساها إلى فرنسا زيارة كانت إلى مدينة تولوز. وصلتني الدعوة من داليا حسن منسقة معرض الكتاب بالمدينة، بنت الإسكندرية المثقفة الجميلة التي تعيش وتعمل في فرنسا. كان هناك علاء الأسواني وخالد الخميسي وآخرون، ومن الناشرين إبراهيم المعلم. أول صباح تناولت فطوري في الفندق وذهبت إلى اللوبي، فوجدت عمر الشريف يجلس وحوله هذه المجموعة من المصريين. كانت ندوات المعرض جزءا منها مخصصًا لقراءة صفحات من رواياتنا المترجمة عن طريق ممثلين فرنسيين، وكان عمر الشريف قادمًا لقراءة صفحات من روايات نجيب محفوظ بالفرنسية. طبعًا جلسة بها عمر الشريف لا تفوتني. وجدت مقعدًا جواره خاليًا حول المنضدة الكبيرة. ألقيت التحية وجلست. كان أمامه كوب- مج- من القهوة الكابتشينو. طلبت كابتشينو. أحضره الجرسون ووضعه جوار كوب عمر الشريف. كان عمر الشريف يحكي حكايات جميلة عن حياته في هوليوود. مددت يدي وأمسكت بمج الكابتشينو ورشفت رشفة ووضعته، فإذا بعمر الشريف يقول لي «إنت شربت من كوبايتي». فعلًا كنتُ أخطأتُ. ابتسمت وقلت «آسف يا أستاذ عمر، يمكن لك أن تشرب كوبايتي.. لم أقترب منها». تجهم وقال «يعني إيه؟! يعني إيه تشرب من كوبايتي؟»، كررها مرتين. اعتذرت له مرة ثانية، لكنه أعاد القول. توقعت انفعالًا سيئًا منه، فأحيانًا يكون عصبيًّا. قلت «يا أستاذ عمر، أنا اعتذرت وإحنا اسكندراينة زي بعض، ومش معقول حنتخانق هنا مثلًا علشان القهوة، وكوبايتي والله ما جيت جنبها». أمسك بكوبه هو وأخذ رشفة، ثم قال «بس بقت حلوة قوي بعد أنت ما شربت منها». ضحكنا، وظل عمر يتحدث حوالي ثلاث ساعات بلا توقف. جاء ذكر أفلام كثيرة منها دكتور زيفاجو. قلت له هناك مشهد أعتبره من أعظم مشاهد السينما. نظر إليَّ لحظةً، ثم تساءل «المشهد الأخير؟»، قلت له «صح». وبالفعل هو مشهد لا يُنسى حين يرى دكتور زيفاجو -عمر الشريف- وهو في الترام حبيبته الضائعة لارا، فينـزل من الترام مسرعًا يناديها، لكن صوته لا يخرج إذ تداهمه أزمة قلبية ويموت في الشارع، وتظل هي في طريقها.
في المساء تأجلت الندوة التي كان سيقرأ فيها عمر الشريف من روايات نجيب محفوظ إلى الغد، وعرفنا أن السبب هو ضياع صوته من حديثه الطويل الممتع معنا لثلاث ساعات بلا توقف. رحمه الله كان رغم توتره شديد التواضع. حين جاء ذِكْر فيلم (إشاعة حب) قال ببساطة «يوسف وهبي هو اللي شال الفيلم». ليس مثل عمر الشريف أحد.