في مفهوم الحضارة

خميس بن راشد العدوي –

يضع الكثيرون الحضارة في مقابل البداوة، حيث تعني الاستقرار والعمران، بينما تعني البداوة التنقل والترحال، وهذا المفهوم نشأ بعدما رأى المنظِّر أحوال البداوة، فجعل الحضارة عكسها. ولكن عندما نرجع إلى طبيعة الإنسان الأول.. فلن نرى هناك تمايزًا بين التحضّر والتبدّي، فالإنسان كأي كائن حي آخر كان يسعى وراء قوته اليومي، وكانت حركته موضعية محدودة، فحينها لم تكن هناك حضارة وبادية. ثم أخذ في السكنى والعمران وإنتاج أدوات استقراره، ولم يُعرّف البدوي -مبتدأً – إلا بكونه شخصاً لم يسكن بعد، وهذا على أقل تقدير، وإلا فهناك من يرى بأن البداوة ظهرت متأخرة جداً، بعد أن دجّن الإنسان الجمل، فاتخذ منه سفينة لبحار الصحاري يمخر بها عباب القفار والفيافي.
إذاً.. فالحضارة مشتقة من حَضَر؛ بمعنى سكن في المكان بعد حركته في جمع القوت، وليس من استقراره بعد ترحاله الطويل، وبهذا يتبيّن لنا أن كل من ترك أثرا مميزا يكشف عن لحظة من لحظات استقراره – ولو كانت محدودة – بأنه قد ترك مَعْلَما من معالم الحضارة؛ جَلَّ ذلك الأثر أو قَلَّ، فالبدو لهم حضارتهم الخاصة، ومن يُصنَّف اليوم بأنهم بدائيون لهم أيضا حضارتهم.
لقد كثُر الجدال حول مفهوم الحضارة، والمقال هنا غير مصمم لاسترجاع مقولات ذلك الجدل، فاليوم بالإمكان الحصول عليها في ثوانٍ والمرء جالس على أريكته يتمتع بشرب فنجان قهوته، ولذلك أضع هنا مقاربة للمفهوم الذي ارتضيه للحضارة، وأفعل مثل ذلك في المصطلحات المجاورة لها كالتاريخ والمدنية والثقافة.
وبما أنني قد ذكرت هذه المصطلحات.. فيجدر بي أن أبيّن بأن مصطلح الحضارة نجده مختلطًا اختلاط الشحم بالعظم مع التاريخ والأسطورة والدين، وأحيانا حتى مع الفلسفة، فكثيرا عندما تبحث عن الحضارة تجد بدلاً منها التاريخ، ويبحر بك الكاتب في مسارات تاريخية، وقد يتحدث عن تاريخ غير مادي؛ ظناً منه أنه يتحدث عن بُعد حضاري، ومع التزاوج الشديد بين الحضارة والتاريخ إلا أن بينهما مسافة يدركها المتمرس في علم الحضارة.
وبالقدر نفسه.. يحصل أحياناً الخلط بين الحضارة والدين، فبينما تحسب أنك تقرأ حضارة ما إذا بك تدخل في صروح دينها المهيبة، وكأن الحضارة تقبع في المعابد والمقابر فحسب. أو تظن أنك تسير في دروب الحضارة فتكتشف نفسك في كهوف الأساطير. ثم إن من يتفطن لهذه المسارات ويعمل على تحليل ما وصله من مواد حضارية ينسى نفسه فيوغل في الأبعاد الفلسفية. وغالب هؤلاء يحومون حول حمى الحضارة ولا يقعون عليها.
نعم.. التاريخ والدين والأسطورة والفلسفة هي عناصر مهمة في الحضارة، ولا يمكن فهم الحضارة بدونها، فهي مادتها الأولى، إلا أنه علينا التمييز بينها لأجل فهم واضح لها جميعاً. والعناصر الثلاثة الأخيرة ذاتها ابنة التاريخ، فلم يكن هناك يوماً ما علوم للدين أو الأسطورة أو فلسفة بدون أحداث التاريخ وشخوصه، ولم تكن تروى وتقرأ وتفهم إلا في سياق التاريخ، حتى استوى سوقها، وشبت عن الطوق، فانفصلت مستقلة عنه، فأصبح للدين نصوصه وشعائره، وللفلسفة منطقها وماهيتها، وللأسطورة شخوصها وأشباحها، ولم يعد سائغا دراسة شيء من هذه العناصر بكونها أمرا واحدا. وكذلك هو الحال.. لا ينبغي دراستها بكونها هي الحضارة، فلعلم الحضارة مساقاته ومنهجه، ولها هي مساقاتها ومناهجها.
وإذا كان علم الحضارة قد استقل عن الدين والتاريخ والأسطورة والفلسفة وهي علوم قديمة، فإن الزمن لم يتركه حرا طليقا، بل رماه بأحمال أخرى؛ وهي الثقافة والمدنية والحداثة والتحديث، ففي كثير من البحوث والدراسات عندما نقرأ في هذه الموضوعات لا يكاد نقف على حدود فاصلة بينها.
لا أنكر بأنه على مستوى البحوث المتخصصة نجد شيئًا من التمييز بينها، قد نتفق على هذه الفوارق أو نختلف، وهذا أمر طبيعي وواقع سائر بين كل العلوم، ولكن على مستوى «الذهن الاجتماعي» قليلا ما يحصل هذا التمييز، فالحضارة هي المدنية، ومعالجة الثقافة كمعالجة الحضارة، وكثيرا ما نتحدث عن الحضارة الغربية مثلا فنجد أنفسنا نتحدث عن الحداثة أو التحديث.
ولذلك يصبح من المفيد، بل المهم أن يقف «الذهن الاجتماعي» على شيء من التمييز بينها، فهو من يتفاعل عمليا مع معطيات المعرفة، ربما أكثر بكثير من التصنيفات القديمة المعروفة بـ«النخبة».
وبعد.. فما الحضارة إذًا؟
الحضارة هي مجموع العناصر الثقافية في أمة ما أو مجموع من الأمم تعيش متزامنة، هذه العناصر تعمل بانسجام مع بعضها البعض، فالعنصر الثقافي المتشكِّل من الدين لا يتنافر مع العنصر الثقافي المتمثل في اللباس مثلاً، والعنصر الثقافي الأسطوري كقصة بدء نشأة الخليقة له قبوله في العنصر الثقافي الفلسفي كالمنطق السائد حينها، وهكذا في سائر المنظومة التي تتكوّن منها الحضارة.
وأما الثقافة فهي كل ما أنتجه الإنسان – غالبا بوعيه – فكان له حضوره المتكرر عبر المكان والزمان، ويتسم بالانتشار وتأثيره الاجتماعي، وهذا المنتَج قد يكون ماديا أو غير مادي، فقرط الأذن قد يكون عنصرا ثقافيا مثلما هو الحال بالنسبة لطقس دفن الميت، وطريقة أداء الصلاة هي عنصر ثقافي كهيئة الجلوس في المجالس الاجتماعية، وهكذا.
هذه العناصر الثقافية هي ما تكوّن بمجموعها الحضارة.
وهنا سؤال يحضر: أليس الصعود إلى القمر – مثلا – فعلا حضاريا؟ فإن كان كذلك فأين التكرار والانتشار هنا ليكون عنصرا ثقافيا؟
وللجواب على هذا السؤال علينا أن نستبين أمرين:
الأول: إن أي عمل مهما ظهر بأنه ميكانيكي بحت؛ تقف خلفه عناصر ثقافية ملحة على العقل الإنساني.
الثاني: أن يتحول الفعل ذاته بعد حين إلى عنصر ثقافي يتكرر ويسود، وهذا ما أصبح ظاهرا، حيث وجدت الآن «ثقافة غزو الفضاء»، التي أصبحت لها شواهد لا تحصى؛ صعود القمر من أهم ركائزها.
والمدنية هي الوجه القائم والمتجدد من الحضارة، فالحضارات البائدة لم يعد لها وجه مدني، ولذلك لا نقول: المدنية الفرعونية أو المدنية السومرية، وإنما نقول: الحضارة الفرعونية والحضارة السومرية. في حين نقول: المدنية الغربية، لكونها قائمةً وتكتنفنا بمنتجاتها، ونقول: المدنية الإسلامية، حيث لا زالت الحضارة الإسلامية قائمًا بعض أوجهها، على الرغم من الحال الذي آلت إليه.
وأما الحداثة فهي «الذهنية» التي تنتج العناصر الثقافية الجديدة لتتحول إلى فعل حضاري، فكل مظاهر المدنية الغربية المعاصرة – والتي تتحول لفعل حضاري تلقائيا – تقف خلفها «ذهنية حداثية»؛ أي مُنتجِة للحداثة عبر فلسفات ونظريات وعقول مُفكِرة مُستوعِبة للتحولات الحضارية التي تمر بها الأمم.
بينما التحديث.. هو الوجه التطبيقي للحداثية، فكل المنتجات؛ المادية وغير المادية التي نراها في عالم اليوم هي تحديث منطلق من الحداثة، ويمكن أن يسود التحديث مجتمعًا ما دون أن تمر عليه الحداثة مرور الكرام.
بهذا التكييف والممايزة بين الحضارة وعناصرها الثقافية وأوجهها من مدنية وحداثة وتحديث؛ يصبح بالإمكان أن نقف على مقاربة مفهومية واعية للحضارة.