تطور العلاقات العربية الإسرائيلية من 1979 إلى 2020

د. عبدالعاطي محمد –

المهم ألا يجري حصر الصراع العربي الإسرائيلي أو الفلسطيني في مسألة إقامة العلاقات الدبلوماسية من عدمه، لأنها باتت بحكم التحولات الكبرى التي ضربت المنطقة أقل سخونة، ولأن الصراع أكبر وأشد تعقيدا من هذه المسألة.

في عام 1977 اهتزت المنطقة العربية من المحيط إلى الخليج وكأن زلزالا ضخما قد ضربها في عمق أراضيها، فما كان أحد وقتها يتوقع الخطوة التي قام بها الرئيس المصري آنذاك أنور السادات بزيارة القدس مادًا يديه للسلام مع إسرائيل، تلك الدولة التي دخلت حروبا شتى مع العرب منذ تأسيسها 1948، وما كان أحد مقتنعا بأنها ستأتي أكلها لا في المستقبل القريب ولا في البعيد، وكأنها كانت قفزة إلى المجهول. ومع أن خطوة السادات سرعان ما أكدت نجاحها حققت رهاناتها فعلا، إلا أن ذلك لم يشفع عند المعترضين لإقامة علاقات طبيعية مع «العدو التاريخي» إسرائيل. ولأن القضية لم تحسم، عاشت المنطقة العربية ما يزيد على أربعة عقود في أجواء من الخلاف والجدل، تتصاعد حدته تارة وتهدأ تارة أخرى، حول جدوى إقامة علاقة سلام مع إسرائيل من حيث المبدأ، وما إذا كان ذلك من شأنه حقا تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة، واستعادة الحقوق الفلسطينية.
ومن عاصروا تلك الحقبة الفريدة في التاريخ العربي يدركون جيدا كم كانت صعبة وقاسية ليس على مصر وحدها وإنما على بقية العالم العربي، وكيف أن هذه الزيارة، وما لحقها من تطورات قادت سريعا إلى تحقيق السلام بين مصر وإسرائيل، قد أحدثت جرحا داميا في علاقات مصر مع محيطها العربي لم يندمل إلا بعد عشر سنوات. فالمعروف أنه بعد فترة قصيرة من زيارة السادات للقدس، ثم التوقيع على معاهدة السلام مع إسرائيل في عام 1978، انعقدت القمة العربية التاسعة في بغداد، التي قررت أن هذه المعاهدة تضر بالقضية الفلسطينية، وحثت الحكومة المصرية على عدم التصديق عليها. ولكن عندما تم التصديق فعلا اجتمعت الدول العربية مرة أخرى على نحو عاجل ببغداد آخر مارس 1979 وبدون مشاركة مصر وقررت طرد مصر من الجامعة العربية ومن ثم قطع العلاقات معها، ونقل مقر الجامعة من القاهرة إلى تونس. وللحق فإن دولا قليلة جدا من أهمها سلطنة عمان لم توافق على هذا القرار وواصلت علاقاتها مع القاهرة الأمر الذي ظل المصريون يقدرونه عاليا لعمان شعبا وحكومة. ولم يتوقف الأمر على الموقف الرسمي العربي، بل امتد إلى المواقف الشعبية العربية، حيث انبرى قطاع عريض من جمهورها ونخبها وقواها السياسية لاستنكار الموقف المصري والتحريض ضد الدولة المصرية ونظام السادات. وخسرت مصر اقتصاديا من هذا القرار العربي مثلما خسرت سياسيا. ولكن بعد وفاة السادات وتولي مبارك الحكم بذل الثاني جهدا ملحوظا لتغيير هذا الموقف العدائي العربي خصوصا وأن الواقع على الأرض كشف مدى استفادة مصر من المعاهدة من حيث تثبيت نتائج الانتصار الذي تحقق في حرب أكتوبر 1973 وتحديدا استكمال استعادة سيناء، واستمرار الجهود المصرية لاستعادة الحقوق الفلسطينية بالنظر إلى أن المعاهدة تضمنت شقا لهذا الغرض، إلى أن نجحت مصر وعبر عدة مؤتمرات للقمم العربية في استعادة علاقاتها العربية 1989 وإعادة الجامعة العربية لمقرها القاهرة 1990.
شيء من هذا الهلع والغضب الذي عاشته المنطقة يوم أن وطأت قدما السادات القدس ويوم أن وقع معاهدة السلام مع إسرائيل في واشنطن لم يتكرر في اجتماع مجلس الجامعة العربية على المستوى الوزاري في 9 سبتمبر 2020 في دورته العادية رقم 154، بل على العكس تماما، فقد تابع الرأي العام العربي ما دار في الاجتماع وما صدر منه من قرارات تتعلق بالبنود المدرجة على جدول أعماله بصفته حدثا عاديا لا يستحق الوقوف عنده طويلا برغم أهمية الموضوع الذي تصدر جدول أعماله أصلا وهو النظر في اتخاذ موقف عربي يرفض إقامة علاقات عربية مع إسرائيل في الوقت الراهن، وهو ما لم يحدث.
لقد بدا المشهد مختلفا إلى حد كبير بين ما كان عليه عشية زيارة القدس الشهيرة وتوقيع معاهدة كامب ديفيد، وبين ما جرى في اجتماع الوزراء العرب سبتمبر 2020. فلم تنعقد قمتان متتاليتان مثلما حدث عامي 1978و1979، لمناقشة قضية بأهمية وحساسية إقامة علاقات عربية إسرائيلية، بل اكتفت الدول العربية بمناقشة الأمر في دورة عادية لمجلس وزراء الخارجية العرب، ولم يتكرر مشهد قطع العلاقات الدبلوماسية، ولا الغضب الإعلامي العارم، ولا التحريض العدائي من قبل الكثير من الجماعات السياسية متطرفة كانت أم معتدلة. واقتصر رد الفعل الغاضب -إن جاز التعبير- على انتقادات إعلامية محدودة هنا أو هناك، بينما الموقف الرسمي العام لم يشأ أن يكرر ما جرى قبل نحو 43 عاما. وما جرى في الاجتماع – وفقا لما تسرب من معلومات – يؤكد كيف لم تعد قضية إقامة العلاقات مع إسرائيل بنفس سخونة وجدلية ما كانت عليه في الماضي مع أنها لا تزال غير مرغوبة في مخيلة الشعوب العربية طالما لا تزال الحقوق الفلسطينية بعيدة المنال. فطالما لا يوجد توافق عليها، لا يتعين أن تتحول إلى أزمة. وما حدث هو أن دولة فلسطين طرحت مشروع قرار مضمونه لا يضفي شرعية عربية على إقامة علاقات مع إسرائيل حاليا، وذلك على خلفية إعلان إقامة علاقات بين دولة الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، واستعداد دول عربية أخرى لفعل الشيء نفسه مستندا إلى أن ذلك يضر بالقضية الفلسطينية ويتعارض مع مبادرة السلام العربية الصادرة في قمة بيروت 2002، ولكن كان هناك من يريد التقدم أيضا بمشروع مضاد يؤيد قيام هذه العلاقات، ثم جرت بعض التعديلات على مشروع القرار الفلسطيني من منطلق الحفاظ على الحد الأدنى من التوافق العربي ولكن كان هناك إصرار فلسطيني على وضع عبارات تشير إلى إدانة الفعل اتساقا مع الهدف الأول وهو ألا تكون هناك شرعية عربية أو توفير غطاء عربي. ولكن المداولات التي استغرقت وقتا طويلا، حسبما أعلن حسام زكي الأمين العام المساعد للجامعة العربية، لم تصل إلى توافق حول هذا الموضوع، وبالتالي لم يصدر قرار في هذا الشأن من الأصل. وبالمقابل – وهو أمر له أهميته – بقيت البنود المتعلقة بالقضية الفلسطينية بجدول الأعمال كما هي سواء فيما يتعلق بالتمسك بمبادرة السلام العربية أو رفض صفقة القرن أو عدم الاعتراف بضم القدس وأن تكون عاصمة لإسرائيل.
نقول إن الفارق بين المشهدين كبير جدا مما يعكس حجم التحول الضخم الذي اعترى المزاج العربي الذي لم يعد يتعامل مع مسألة إقامة علاقات مع إسرائيل بنفس الحالة التي كان عليها يوم أن زار السادات القدس، فقد أصبح أميل إلى تقبلها على سبيل التجربة وعدم التسرع في التعبير عن الرفض انتظارا لما تسفر عنه من نتائج. ولا شك أن هناك دلائل مذهلة على حجم المياه الضخمة التي جرت تحت الجسر فيما يتعلق بعلاقة العرب مع إسرائيل على مدى العقود الأربعة الماضية مما يؤكد أن عرب اليوم ليسوا هم عرب الماضي، والإسرائيليون والأمريكيون كذلك. هناك مصالح استجدت، وتضحيات تم بذلها دون مكاسب، وأخطاء قاتلة على الجانب الفلسطيني، ومخاطر أمنية غير مسبوقة شكلا وموضوعا. والمعنى أن خريطة العلاقات العربية – العربية تغيرت حيث اعتبارات السيادة تتفوق على اعتبارات الحواجز القومية التي لا يتعين تجاوزها، والقضية الفلسطينية باتت شأنا فلسطينيا بالمقام الأول وعربيا في المقام الثاني، وهناك الصراع العربي الإسرائيلي والصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وما كان يجب التسليم بهذا التمييز ولكنه حصل تحت تأثير الفشل العربي والفلسطيني المتكرر في توجيه الحلول السلمية ليس طرفا بعينه وإنما للجميع بشكل شامل وعادل. والشارع العربي تغير ولم يعد التعويل عليه مفيدا لأنه أصبح مشغولا إما بمطالب الحياة اليومية المعتادة والتي بات أمر تحقيقها صعبا، أو بالتمرد على السلطات بدعوى التغيير دون امتلاك أي مشروع حقيقي للتغيير المرتجى. وكم كان غريبا ألا تكون القضية الفلسطينية حاضرة في كل ميادين التغيير التي عاشتها المنطقة سنوات طويلة تحت ما يسمى بالربيع العربي. وبالمقابل حافظ الإسرائيليون على مواقفهم ورؤاهم في عملية السلام وكلها لا تلبي القليل من المطالب العربية والفلسطينية.
هكذا اختلف سياق الأحداث الكبرى في المنطقة، فلم تعد عناصره القديمة هي ذاتها المعاصرة لا من حيث الأفكار ولا من حيث الأساليب ولا عوامل القوة ولا البعد الدولي والإقليمي، وعليه فإن إقامة علاقات عربية مع إسرائيل هي واحدة من تجليات هذه الأحداث الكبرى. ولكنها تبقى رهن الاختبار للحكم عليها فيما إذا كانت عاملا لتحسين وضعية الطرف العربي في البحث عن سلام واستقرار دائمين في الشرق الأوسط، أم عاملا لإضعاف هذه الوضعية. وقد يقول قائل إن التجربة أثبتت في الماضي أنها لم تؤد إلى التحسين بل إلى الضعف أو في بعض منها لم تضف جديدا. ولكن هذا مردود عليه بنفس منطق التجربة التي تحتمل الصواب والخطأ دون فرض تصورات مسبقة، لأنها مختلفة شأن كل التجارب الإنسانية سواء من حيث الظروف الداخلية أو الإقليمية أو الدولية، ومن ثم لا يتعين إسقاط الماضي على الحاضر. ومع ذلك فإنه برغم استقلالية التجربة فإنها لا تعمل من فراغ ولن تسقط خلاصة الخبرة من الماضي. وبناء على ذلك فإن قدرة أي طرف على إقامة علاقات مع إسرائيل مفيدة لذاته ولقضيته العربية (القضية الفلسطينية) تتوقف على نجاحه في تعظيم فرص النجاح على الجانبين. أما كيف فإن هذا يعيدنا بالضرورة إلى نفس المنطق السابق وهو أن واقع التجربة ذاته كفيل بالكشف عن جوانب النجاح وجوانب الفشل. المهم ألا يجرى حصر الصراع العربي الإسرائيلي أو الفلسطيني في مسألة إقامة العلاقات الدبلوماسية من عدمه، لأنها باتت بحكم التحولات الكبرى التي ضربت المنطقة أقل سخونة، ولأن الصراع أكبر وأشد تعقيدا من هذه المسألة.