نوافذ : سلوكياتنا .. ما بين استيراد وتصدير

أحمد بن سالم الفلاحي
shialoom@gmail.com

تذهب الذاكرة الجمعية لمعنى (استيراد/تصدير) إلى استحضار مفهوم التسويق التجاري، ولذلك لا يتم توظيف الكلمتين في تصدير الود، أو السلام مثلا، أو استيراد الظلم، أو المحن، كمثل آخر، حيث يستبعد؛ وفق الفهم السائد لهذه الذاكرة؛ أن توظف المفردتين في السلوكيات الإنسانية البحتة.
ربما؛ قد يتساءل أحدنا، وهل القيم الإنسانية في كفتي الخير والشر، قابلة لأن توظف توظيفا تجاريا لتصبح سلعا متداولة بين الناس؟ وأجيب؛ بتأكيد المعنى والدلالة، وحقيقة الواقع، ولولا هذا التوظيف التجاري للقيم الإنسانية لتقابل الناس بالسيوف، وليس المقصود بالتوظيف التجاري، ذلك التوظيف الميكانيكي في مسألة بيع السلعة وشرائها المباشر، ولكن المعنى يذهب إلى حيث المقابل، فسلوك أحدنا الطيب الجميل، يقابل بذات السلوك، وسلوك أحدنا النافر السيئ، يقابل؛ كذلك بذات ردت الفعل، فوجود الفعل ورد الفعل، هو لا يخرج كثيرا عن مفهوم السوق المتمثل في الربح والخسارة، فلكي تربح محدثك عليك أن تكون أكثر حكمة، وأكرم عطاء، وأنبل خلقا، ومتى لمس الناس منك هذه المساحة الآمنة في الأخذ والرد، تيقن أن الآخرين من حولك لن يكونوا أقل منك مروءة، وشهامة، ونبل، وبالتالي متى سنحت الفرصة لأحدنا أن يوظف مجمل سلوكياته الإنسانية السامية، توظيفا تجاريا فليفعل، وبلا تردد، وخاصة القيم الإيجابية منها، لأن القيم السلبية يتم توظيفها توظيفا تجاريا على نطاق واسع في مختلف السياسات، وخاصة في الأنظمة السياسية والاقتصادية، والثقافية أيضا؛ وبلا تردد؛ والواقع يضج بهذا التوظيف، الذي يصل في بعض صوره إلى التدمير، واقتلاع المدن والبشر من جذور تكويناتها ومكوناتها.
هل بمقدورنا أن نصدر قيمنا للآخر، كسلع ذات قيمة من خلال جهدنا الشخصي؟ أقول: نعم وعلى نطاق واسع، فإشاعة المحبة والرضا بين الناس، هو جانب من هذا التصدير، معاملة الناس معاملة حسنة مخضبة بالصدق، والأمانة، والحيادية، هو جانب من هذا التصدير، الثبات على  المواقف النبيلة، والشجاعة؛ هو نوع من التصدير، السير بين الناس بالنميمة، والغش، وممارسة الفحش؛ في القول والعمل هو نوع من التصدير، وإن كان تصديرا سلبيا، لأن في كل هذه الممارسات سوف يتلقى منا الطرف الآخر هذه السلع سيئها وحسنها، جميلها وقبيحها، كرما أو بخلا، ولأن المسألة مرتبطة أيضا بالبخل والكرم، علينا أن نكون كرماء في سلوكياتنا السامية، وخلاء؛ حتى النخاع؛ في سلوكياتنا السيئة «وبضدها تتباين الأشياء».
وما ينطبق على صور التصدير المختلفة، ينطبق على صور الاستيراد المختلفة، ولكن يبقى الاستيراد منتوجا معدا من قبل منتجه، وبالتالي فمحاذير استيراده أكثر خطورة على الواقع، فقد يظن المورد أن البضاعة خير، فإذا هي شر بالمطلق، خاصة إذا كان المصدر تحوم حوله الشكوك، وبضاعته غير مأمونة الجانب، وكما يقال: «إذا رأيت نيوب الليث بارزة؛ فلا تظنن أن الليث مبتسم».
ينظر إلى الإشاعة على أنها من أكثر الممارسات السلوكية تصديرا بين مجموعات الناس، في معظم المجتمعات، ولذا فهي الأكثر توزيعا، واستهلاكا، ومن المواقف القليلة جدا أن يحدث أن الإشاعة سلعة كاسدة لم تحظ بأهمية واضحة في التصدير، مع أن جل الإشاعات لا تستند إلى حقيقة مؤكدة، لغيت المصدر في جميع أحوالها، كما يأتي في المرتبة الثانية في التصدير والاستيراد مجموعة الإساءات المتداولة بين الناس، حيث أن كثيرا من الناس، لا يترددون في تصدير كل ما يسيء إلى الآخرين، أما ما ينفع الناس، ويستر عيوبهم، فتصديره واستيراده قليل، لغايات؛ غير واضحة؛ داخل أجندات النفوس، فسبحان الله على هذا الانكسار في المشروع الإنساني الجميل، أو الخسارة؛ في مفهوم السوق؛ ولعل في ذلك حكمة الله في خلقه، حيث الامتحان، والابتلاء، فتسويق الخلق الطيب ليس يسيرا إلا لمن يسر الله له ذلك، كما أن تسويق الخلق السيئ، ليس صعبا لمن أراد الله له البلاء والابتلاء.