ترامب يوسع الدفع العربي لتطبيع العلاقات مع إسرائيل

روبي جريمر ـ كولم لينش ـ جاك ديتش –
ترجمة أحمد شافعي –

حينما ذهب وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إلى السودان الشهر الماضي، في أول زيارة من مسؤول أمريكي رفيع منذ خمسة عشر عاما، لم يكن البند الرئيسي على جدول أعماله هو السودان أو العقوبات أو الانتقال الديمقراطي في السودان بعد عقود من الدكتاتورية، بل كان إسرائيل، بحسب رواية ثلاثة تكلموا عن الزيارة.
خلال اجتماع خاص ببحث تفاصيل اتفاقية لإخراج السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، إذا ببومبيو فجأة يحث رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك على الاتصال برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو وبدء تطبيع العلاقات بين البلدين. قال بومبيو: إن هذه البادرة سوف تسهل عليه إقناع الكونجرس بحذف السودان من قائمة الإرهاب. وقال أحد المطلعين على الاجتماع: «إن كل حاضري الاجتماع من الجانب السوداني فغروا أفواههم».
رفض حمدوك، برغم اضطراب موقفه حيث يرأس حكومة انتقالية هشة، وأوضح أنه غير مفوض للقيام بمثل هذه الخطوة المهمة – وكان لديه بالفعل، على أي حال، التزام أمريكي مبدئي برفع التصنيف الإرهابي. عاد بومبيو في وقت لاحق ليحاول مرة أخرى مع ضابط كبير بالجيش السوداني، فرفض بدوره، بحسب ما قال مطلعون على الأمر.
كانت زيارة بومبيو للخرطوم واحدة من عدة زيارات إلى عواصم عربية الشهر الماضي بهدف تعزيز الدعم لما أصبح إحدى قصص نجاح إدارة ترامب القليلة الملموسة على مستوى السياسة الخارجية: تطبيع العلاقات بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل. وسوف يتم وضع اللمسات النهائية لهذا التقارب الدبلوماسي في احتفال بالبيت الأبيض يوم الثلاثاء- ولن يكون ذلك هو الوحيد.
فقد كتب الرئيس دونالد ترامب، يوم الجمعة، على تويتر أن البحرين أيضا قد وافقت على إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل، مما يمثل فتحا ثنائيا بعد ربع قرن من تطبيع آخر دولة عربية لعلاقاتها مع إسرائيل. تمثل هذه الخطوة تحولا من المملكة الخليجية التي تستضيف الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية – على موقفها السابق حينما قال الملك البحريني حمد بن عيسى بن سلمان آل خليفة بعد اجتماع مع بومبيو الشهر الماضي: إن بلاده لا تزال تطالب إسرائيل بالانسحاب الكامل من الأراضي الفلسطيني مقابل اعتراف المملكة بإسرائيل.
بالنسبة لإدارة ترامب، أصبحت هذه الاتفاقيات مرتبطة ارتباطا لا ينفصم بحملة إعادة انتخاب الرئيس، وهي تشكل نجاحا ملموسا في السياسة الخارجية بعد تعثر جهود الإدارة الكبيرة الأخرى في السياسة الخارجية – سواء تمثلت هذه الجهود في خطة سلام الشرق الأوسط المنذورة للفشل، أم في تحجيم طموحات كوريا الشمالية النووية، أم في تغيير سلوك الصين الافتراسي، أم في احتواء برنامج إيران النووي.
قال حسين إيبش، الباحث المقيم البارز في معهد دول الخليج العربي، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن يتلقى بعض التمويل من الإمارات: إن «لترامب أن يقول بأن دبلوماسيته الشخصية التجارية قد حققت ما «ليس بوسعكم أيها المحترفون الأغبياء تحقيقه». وهذا صحيح. لقد نجحت دبلوماسيته في هذه الحالة. ولكنها لم تنجح في غيرها».
لقد أصبحت إسرائيل مساعدة للدبلوماسية الأمريكية – وليس هذا في المنطقة فحسب – فهي جزء من جهود الإدارة لتعزيز قبولها الانتخابي لدى الإنجيليين الأمريكيين قبل انتخابات حامية الوطيس. وقد تضمنت جهود إدارة ترامب للتوسط في المفاوضات بين صربيا وكوسوفو بندا يقضي بنقل بلجراد سفارتها في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس، كما فعلت الولايات المتحدة، على الرغم من أن تقارير تشير إلى أن الرئيس الصربي ألكسندر فوسيتش لن يتخذ هذه الخطوة إذا اعترفت إسرائيل بكوسوفو. كما أصبح الرئيس البرازيلي جاير بولسونارو حليفا بعيد الاحتمال لمساعي البيت الأبيض للتطبيع الإسرائيلي، إذ أعلن- في بيان أمريكي برازيلي مشترك في مارس- التزامه بـ«التعايش السلمي» بين إسرائيل وفلسطين، فضلا عن التزام من نجل الرئيس بنقل سفارة البلد إلى القدس خلال 2020.
قال نمرود نوفيك، مستشار السياسة الخارجية للرئيس الإسرائيلي السابق شيمون بيريز وزميل منتدى السياسة الإسرائيلية حاليا، وهو منظمة غير ربحية مقرها مدينة نيويورك تروج لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بناء على حل الدولتين: إن «السائق هو الطريق». وإنه «مهما كانت الدوافع، أنا سعيد لأنه يفعل ذلك. إنه أمر رائع لإسرائيل. صحيح أنه مجرد تصديق لما كان يجري بالفعل تحت الطاولة، لكنه إنجاز كبير على المستوى النفسي».
لا يزال العديد من الأسئلة الكبيرة حول الصفقة الإماراتية الإسرائيلية عالقا. فعندما أصدرت الولايات المتحدة وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة لأول مرة بيانا مشتركا حول الصفقة في أغسطس، تضمن ذلك التزاما من إسرائيل بإيقاف ضم الضفة الغربية مقابل تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع أبوظبي، وهي أول حكومة عربية تقيم رسميا علاقات مع إسرائيل منذ أن وقع الأردن على اتفاقية السلام في عام 1994. وكانت أبو ظبي تسعى أيضا إلى الحصول من إسرائيل على التزام أقوى بأنها لن تستأنف ببساطة السعي إلى الضم خلال دورة الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.
وهناك قضايا أخرى. فبموجب بنود الاتفاق، تعهدت الولايات المتحدة بمكافأة الإمارات ببيع طائرات F-35 المقاتلة المتطورة، مما يثير تساؤلات لدى إسرائيل تتعلق بكيفية الحفاظ على تفوقها العسكري التقليدي على جيرانها العرب. كما أن إدارة ترامب كانت تضغط من أجل إدراج بند في البيان الختامي يؤيد خطة الرئيس الأمريكي للشرق الأوسط، وهي تفصيلية يصعب قبولها من إسرائيل، التي أشادت بالخطة علنا لكنها تحفظت على بعض البنود.
وبينما لحقت البحرين بالركب فهذا لا يعني بالضرورة أن الجائزة الكبرى على الإطلاق، أي السعودية، ستكون التالية في الاعتراف بإسرائيل. لقد أشار ترامب، في إعلانه عن خطوة البحرين يوم الجمعة، إلى أن الرياض لن تكون بعيدة عن الركب.
وقال ترامب في تصريحات مقتضبة بالمكتب البيضاوي يوم الجمعة بعد أن نشر البيان المشترك على تويتر: «إننا نعتقد أننا في نهاية المطاف سنضم معظم الدول وسيكون الفلسطينيون في وضع جيد للغاية». وأضاف: إنهم أي «الفلسطينيون» سيرغبون في المشاركة لأن جميع أصدقائهم مشاركون».
وقالت باربرا ليف، وهي دبلوماسية عملت سفيرة لدى دولة الإمارات العربية المتحدة من 2014 إلى 2018: إن فرص اتباع السعوديين للإمارات في الاعتراف بإسرائيل على المدى القريب «ضئيلة إن لم تكن معدومة». وكان الملك سلمان عاهل السعودية قد أشرف على مبادرة السلام العربية التي تعهدت «بعلاقات دبلوماسية وطبيعية كاملة» بين الحكومات العربية وإسرائيل مقابل «اتفاق سلام شامل» مع الفلسطينيين، لكن هذه المبادرة لم تتحقق بعد.
وقال نوفيك: «إن ذلك لن يحدث طالما بقي الملك سلمان في السلطة» وأضاف أن قرار الإمارات بتطبيع العلاقات مع إسرائيل يمثل «خروجا على نقاء مبادرة السلام العربية. فلم يعد التطبيع هو جائزة عملية السلام النهائية. لقد تعجلت الإمارات العربية المتحدة».
في حين يرى خبراء آخرون في الشرق الأوسط عكس ذلك.
فقد كتب آرون ديفيد ميللر المحلل السابق في وزارة الخارجية لشؤون عملية السلام في الشرق الأوسط عبر تويتر قائلا: إن «السعودية أعطت الضوء الأخضر لذلك»، وإن الإجماع العربي على فلسطين- إن كان هناك إجماع- آخذ في التفتت. ستتمسك الدول العربية اسميا بمبادرة السلام لعام 2002 بينما يقوم البعض بترتيباتهم الخاصة مع إسرائيل».
لكن القرارات المتتالية للاعتراف بإسرائيل أثارت غضبًا فوريا من الجانب الفلسطيني الذي شعر بالفعل أنه مستبعد من محادثات السلام الأمريكية في الشرق الأوسط. ووصفت السلطة الفلسطينية يوم الجمعة تطبيع البحرين للعلاقات مع إسرائيل بأنه «خيانة للقدس والمسجد الأقصى والقضية الفلسطينية»، وسحبت سفيرها من المنامة، بعد أن أعلنت في وقت سابق أنها ستسحب مبعوثها من الإمارات.
يقول مراقبون دبلوماسيون: إن الخطوة الأخيرة التي اتخذتها الدولتان الخليجيتان تعكس واقعًا باردًا وصعبًا لدبلوماسية الشرق الأوسط: فالالتزام العربي بالقضية الفلسطينية كان دائمًا ثانويًا بالنسبة لمصالحهم الوطنية. وكتب جيرار أرو سفير فرنسا السابق لدى واشنطن وإسرائيل عبر تويتر: إن «الدول العربية طالما استخدمت القضية الفلسطينية كأداة لتحقيق أهدافها الوطنية». مضيفا «أنهم من الواضح قد توصلوا إلى نتيجة مفادها أن هذه القضية لم يعد لها نفع. فتخلصوا منها».
وبرغم حرص ترامب وإدارته على الترويج للاتفاق بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة باعتباره إنجازا للسلام، لم يخض البلدان حربًا أبدًا- على عكس اتفاقيتي السلام السابقتين لإسرائيل، مع مصر في عام 1979 والأردن في عام 1994.
كتبت إيمي هوثورن نائبة مدير الأبحاث في مركز أبحاث «مشروع ديمقراطية الشرق الأوسط» في واشنطن، عبر تويتر تقول: «لإقرار ما هو واضح، تيمة السلام في الشرق الأوسط التي روج لها ترامب وكوشنر فيما يتعلق بالاتفاق الإماراتي الإسرائيلي تيمة منفصلة عن الواقع إذ لم تخض الدولتان حربا أبدا ولن تثمر الاتفاقية شيئا ينهي حروب الشرق الأوسط».
تثير الصفقة تساؤلات حول مركزية مكانة مصر في دبلوماسية الشرق الأوسط. منذ الاتفاقات السياسية لعام 1979 المعروفة باسم اتفاقيات كامب ديفيد، تمكنت مصر من استثمار وضعها الدبلوماسي الرائد وتحويله إلى نفوذ إقليمي ضخم – ربما حتى الآن.
تساءل نوفيك «ما معني ذلك بالنسبة إلى مكانة مصر في المنطقة؟» وأجاب قائلا: إن «من العناصر التي يقوم عليها كون مصر مركز الثقل هو أنها حلقة الوصل بين إسرائيل والعالم العربي. والآن ينتقل مركز الثقل من مصر إلى الخليج. مصر تخسر رصيدا آخر في استثنائيتها».
لا تزال العديد من الدول الإسلامية تتحلى بالحذر. فلن يحضر قادة البحرين والإمارات حفل التوقيع بواشنطن. والسودان لا يزال يعترض. وعلى الرغم من أن الصفقة بين الإمارات وإسرائيل تاريخية، فهي مجرد بداية لما يمكن أن يكون رقصة دبلوماسية طويلة.
قال إيبيش: «أعتقد أن الكثير من الدول العربية مترددة لأنها تنتظر إلى أن ترى ما سيحدث مع الإمارات. وكلٌّ لديه أسباب وجيهة لمعرفة كيف تسير الأمور مع الإمارات».
* روبي جريمر صحفي متخصص في الشؤون الدبلوماسية والأمن الوطني- كولم لينش كبير الصحفيين في فورين بوليسي- جاك ديتش مراسل فورين بوليسي في البنتاجون وشؤون الأمن الوطني.
** نقلا عن فورين بوليسي في 11 سبتمبر 2020