أطفالنا وفكّ الضجر المفترس!

عبدالرزّاق الربيعي
حينما حاولت تخيل شكل “كوفيد 19” كما يمكن لمخيّلة طفل أن ترسمه، لم أجد صورته متطابقة مع الصور التي ظهرت للعلماء بعد وضع الفيروس على شريحة في مختبر مجهّز بمجهر ذي دقة عالية، فالشكل الكروي المدبّب لا يبدو مخيفا، بل هو أقرب ما يكون للشكل المسلّي، ولو رفعنا عنه الأشواك المدبّبة لصار كرة عاديّة، قابلة للركل بالأرجل! لذا، تخيلته فكّا مفتوحا بأسنان حادة، كالمخالب، هذا الفكّ فرض على الحياة أسلوبا مختلفا، فافترس الكثير من التفاصيل الجميلة، وقيّد حركتنا، وألقى بنا في هوّة عميقة اسمها: الضجر! وإذا كنا، نحن الكبار، اتّبعنا الإجراءات اللازمة للحدّ من تفشّي كورونا، فجعلنا النشاط العقلي، بديلا عن البدني، الذي تراجع بنسب عالية كنتيجة للإقلال من الحركة خارج البيوت، ويوما بعد آخر، انسجمنا مع الوضع الجديد، مكرهين، وتناغمنا معه، لكنّ “أكبادنا التي تمشي على الأرض” لم يكن من السهل عليها كبح جماح نشاطها الحركي، وهو وضع طبيعي، لمرحلتهم العمريّة، لذا كان من اللازم علينا إيجاد وسائل تملأ وقت أطفالنا، فما الذي قدّمناه لهم، لتخفيف وطأة كورونا خلال فترة الإغلاق؟ سؤال وجهه لي الصديق د. سعد التميمي في حوار مرئي بهدف بثّه في مهرجان للأطفال، ولأني لم أكن أمتلك جوابا واضحا، اكتفيت بإجابة نظرية أكثر مما هي عملية وواقعية، لأننا بالفعل لم نلتفت “لأب الرجل “كما يصفه الشاعر الإنجليزي وليام وردورث، إشارة إلى تأثير مرحلة الطفولة في سلوك الإنسان عندما يكبر، فذكرياتها من الصعب أن تفارقه، وتظلّ سلوكيّاته محكومة بتلك التأثيرات، كيف يمكن للطفل الذي رآه الكاتب نجيب محفوظ، عند إحدى إشارات المرور، يبيع الحلوى، ومعها “يبيع حلمه”، كما كتب، أن ينشأ نشأة سويّة، متجرّدة من العقد الطبقيّة؟ هل جلسنا إليهم، وحاورناهم، واقتربنا من عوالمهم، وأوجدنا بيئة قائمة على التوادّ، والتراحم، وأشركناهم في الفعاليات الثقافية، والاجتماعية التي تقام عن بعد؟ ما هي المهارات التي اكتسبوها خلال مرحلة الحجر المنزلي؟ طرحت هذه التساؤلات على أصدقاء لي، وعلمت أنّ عددا منهم، لم ينتظر أن تقوم المؤسسات بذلك، فاعتمد على نفسه، وأعطى أبناءه دروسا ببعض الأمور البسيطة المتعلقة بفنون الكتابة، والرسم، والتعبير، وتعلم المهارات اليدوية، فاستفاد من تلك الفترة، ورغم أن هناك مَنْ شكا من أنّه وجد نفسه موزّعا بين مهامه الوظيفية، ومساعدة أبنائه في التعلّم عن بُعد، وكان الضغط كبيرا على كاهله، وعلى الأجهزة الإلكترونية المنزليّة، مع ذلك حاول مضاعفة الجهود، والتكيّف مع الوضع الجديد المفروض على الجميع لضمان السلامة، وقد حدّثني أستاذ جامعي، قائلا أن الوقت الذي كنّا نشكو من ضيقه، صار ملكا لنا بشكل كامل، لذا استثمره في تعليم أولاده أساسيات فن التجويد التي اكتسبها من دورة نظّمت في المسجد القريب من منزله، وكان الهدف مزدوجا: استذكار ما درس، وتعليم أبنائه، وهناك من نظّم في المنزل مسابقات بين أبنائه في حفظ القرآن الكريم، وقراءة الشعر العربي القديم، وفن الرسم، والتلوين، والبعض فضّل قضاء وقت مع أبنائه في ترتيب المكتبة المنزلية وبناء علاقة مع الكتب. وتبقى هذه الحالات فرديّة، لم تصل إلى أن تكون حالة مجتمعيّة، وعلينا ألّا ننكر أنّ الكثير من أطفالنا عانوا من ضغوطات، ستترك آثارا سلبيّة على تكوينهم النفسي، يقول فريدريك دوغلاس” إنه لمن الأسهل صناعة أطفال أقوياء على إصلاح رجال محطمين”، ومادام الوضع مازال قائما، وما زال أطفالنا في عطلة صيفية، حتى نوفمبر القادم، وهي أطول عطلة أمضوها، خصوصا أنّها مرّت عليهم دون سفر، وخروج للحدائق، والمتنزهات، والاختلاط بزملائهم من الأقارب، والأصدقاء، لذا علينا تدارك ذلك، ووضع البرامج الهادفة، وابتكار أنشطة تقام عن بُعد من شأنها أن تجعلهم يستمتعون، ويستفيدون، وكذلك إشراكهم بدورات تدريبية عن بُعد في اللغة، والفنون، وإدماجهم في فعاليات، وتطوير المهارات، بالنسبة للفتيات، بالخياطة، والتطريز، أمّا الفتيان، ففي زراعة الحديقة المنزلية، وتشذيب الأشجار، والقضاء على النباتات الطفيلية، وهي أعمال بسيطة لكنها مفيدة بدنيّا، ولها انعكاسات نفسية تؤثّر إيجابا على شخصيّاتهم بعد سنوات، عندما يتذكرون أيام الجائحة، وخروجهم بالسلامة، وبمهارات جديدة، بعد أن أفلتوا من الضجر، وفكّه المفترس!