مستقبل منطقة الخليج في ظل معطيات السياسة الدولية

عوض بن سعيد باقوير / صحفي ومحلل سياسي –

تعد منطقة الخليج من المناطق الحساسة والاستراتيجية التي اكتوت بنار المواجهات العسكرية خلال عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي نتيجة تقديرات غير موضوعية وصراع على أسعار النفط في أعقاب انتهاء الحرب العراقية الإيرانية المدمرة التي استمرت ثماني سنوات نتج عنها تدمير البنى الأساسية للبلدين واستنزاف قدرتهما الاقتصادية، وعلى ضوء هذه الحرب الكارثية وما نتج عنها تداعت أحداث كارثية أخرى كان أخطرها الاجتياح العسكري العراقي لدولة الكويت وفي تصوري هذا الحدث الخطير والمتهور هو الذي أدى إلى الواقع السياسي المرير الذي تعيشه المنطقة.

منذ اكتشاف النفط في المنطقة بداية عقد الثلاثينات وتدفق الذهب الأسود والمنطقة محل تجاذب القوى الكبرى بريطانيا وبعد انسحابها في بداية عقد السبعينات حلت الولايات المتحدة الأمريكية مكانها ولا تزال ومن هنا زادت الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية لمنطقة الخليج وتطورت دول مجلس التعاون الخليجي بشكل كبير خلال نصف قرن.
ورغم كوارث الحروب خلال الأربعة عقود الماضية حافظت المنطقة الخليجية على استقرارها إلى حد كبير من خلال سياسة متوازنة وموضوعية تقود تلك السياسة الدبلوماسية العمانية التي كان لها تأثير كبير على مجريات الأحداث وتجنيب المنطقة الحروب والصراعات خاصة خلال حالة التوتر بين واشنطن وطهران والذي نتج عنه جهد دبلوماسي عماني جنب المنطقة حربا وشيكة من خلال الاتفاق النووي الإيراني مع القوى الكبرى عام 2015.

المتغيرات الجديدة

تواجه منطقة الخليج تحديات حقيقية داخلية وخارجية، على الصعيد الداخلي في عدد من دول مجلس التعاون الخليجي، هناك التركيبة السكنية التي لها تداعيات سلبية في المستقبل على الوحدة الوطنية كما أن التحديات الاقتصادية أصبحت كبيرة بعد تدني أسعار النفط ودخول هذه السلعة الاستراتيجية في إطار تحديات سياسية مع دول نفطية كبيرة كروسيا والولايات المتحدة، كما أن تفشي فيروس كورونا ضاعف من تلك التحديات وأصبحت دول المجلس تعاني كثيرًا على صعيد عجز الموازنات والسحب من الصناديق السيادية وحتى الاقتراض الخارجي، كما فرضت ضريبة القيمة المضافة في عدد من دول المجلس وتم تأجيلها من البعض كالسلطنة، كما أن سوق العمل وارتفاع نسبة الباحثين عن عمل في الدول الست أصبح من التحديات الحقيقية وإن كان بنسب تختلف من دولة لأخرى.
على الصعيد الخارجي برزت في السنوات الأخيرة توجهات استراتيجية لم تكن ضمن السياسة التقليدية الخليجية، ولعل الباعث على ذلك وجود إدارة الرئيس الأمريكي ترامب وأجندته الخاصة للشرق الأوسط ومساندة الكيان الإسرائيلي بشكل لم يحدث في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية من خلال قرارات غير قانونية تمثلت في جعل مدينة القدس المحتلة عاصمة أبدية لإسرائيل وقرار بضم الجولان السوري المحتل لإسرائيل علاوة على خطة الضم لمزيد من أراضي الضفة الغربية والأغوار كما أن اندلاع الأزمة الخليجية عام 2017 بين عدد من دول مجلس التعاون الخليجي أضاف بعدًا جديدًا لأوضاع المنطقة التي تتجه إلى مسار سلبي على امنها واستقرارها.

إيران.. وإسرائيل.. وأمريكا

التوتر بين العاصمتين الإيرانية والأمريكية، هو متغير قديم حديث بدا مع اندلاع الثورة الإسلامية عام ١٩٧٩بقيادة الخميني وفي تصوري أن التوتر بين واشنطن وطهران ليس لأسباب إيديولوجية بقدر ما هو وجود سياسات متضاربة بسبب وجود الكيان الإسرائيلي في المنطقة، ومن هنا فإن المتغير الخاص بالتوتر بين واشنطن وطهران تم استغلاله من قبل إسرائيل لتطرح نفسها كبديل في حال انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية من المشهد في الشرق الأوسط وهي المقاربة التي يدعو لها ترامب بهدف التفرغ للمواجهة مع الخصم الأكبر الصين على سواحل المحيط الهادي وبحر الصين الجنوبي.
فالانسحاب الذي بدأت خطواته من العراق وأفغانستان هو مقدمة لوجود فراغ في المنطقة خلال المرحلة القادمة خاصة إذا تم إعادة انتخاب ترامب لفترة ثانية خلال الانتخابات الأمريكية في الثالث من شهر نوفمبر القادم.
ومن هنا بدا الاستقطاب في المنطقة من خلال تقارب إسرائيلي مع بعض دول المنطقة وتوقيع اتفاقيات سلام، وهو الأمر الذي يجعل إسرائيل تدخل لأول مرة المياه في منطقة الخليج، ومن هنا يمكن الحديث عن مواجهة محتملة بين إيران وإسرائيل وهو الأمر الذي بدأت تتضح ملامحه.

الأمن القومي الخليجي

السياسة الخارجية العمانية كانت ولا تزال تركز على مبدأ الحوار بين دول المنطقة لان الأمن الإقليمي هو أمر متكامل، وإيران تبقى في نهاية المطاف دولة جارة والأمن القومي الخليجي ينبغي أن يتكامل والمنطقة جربت حروبًا قاسيةً لا تزال آثارها باقية خاصة في العراق وإيران، ومن هنا فإن مسألة الاستقطاب التي تدور الآن سوف تضر بأمن منطقة الخليج ولا تخدم مصالحها ومصالح أجيالها وإذا كان الأمر يتعلق بالسلام فإن الجميع يتوق للسلام الشامل والعادل على ضوء المبادرة العربية للسلام التي أقرتها قمة بيروت عام 2002 وعلى ضوء قرارات الشرعية الدولية وضرورة إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية على حدود الرابع من يونيو ١٩٦٧ ومعالجة موضوع ملايين اللاجئين.
إن منطقة الخليج منطقة حساسة وهي مهمة للاقتصاد العالم بوجود شريان بحري مهم وهو مضيق هرمز الذي يمر عبره النفط الى العالم شرقه وغربه وبالتالي فهو ممر حيوي لمصالح العالم وعلى ضوء ذلك فإن هناك خشيةً من تطورات الأمور إلى الأسوأ في ظل عدد من المعطيات، وأهمها عدم إيجاد حل واقعي للازمة الخليجية التي أضرت كثيرًا بمنظومة مجلس التعاون الخليجي، كما أنها خلقت وضعًا سلبيًا لدى شعوب المنطقة.
ومن هنا فإن الخطوة الأساسية لنزع فتيل الأزمة هو حل الأزمة الخليجية من خلال الحوار بين الأشقاء، وهذا بلا شك سوف يمهد لمناقشة الملفات التي تأخذ في الاعتبار قضايا الأمن والاستقرار في منطقة الخليج وهو الأمر الذي قد يفتح آليات جديدة منها وقف حرب اليمن والحوار مع طهران لأن تحقيق هذه الخطوات من شأنه وقف تصعيد التصريحات الملتهبة بين إيران وعدد من دول مجلس التعاون الخليجي.
منطقة الخليج لا تحتمل المزيد من الحروب والصراعات ولكنها بحاجة إلى أسلوب مختلف يحافظ على مقدرات المنطقة، لأن ويلات الحروب سوف تنعكس على الجميع وسوف تخسر دول المنطقة الكثير من مواردها ومقدرات شعوبها، ونحن في السلطنة ومنذ منتصف عقد السبعينات ننادي بالحوار بين دول المنطقة بما فيها إيران والعراق وحدث ذلك عام 1976 من خلال بيان مسقط.
ومن خلال المتابعة لأوضاع المنطقة فإن متغير إسرائيل سوف يكون له انعكاسات خطيرة يتمثل في سياسة الكيان الإسرائيلي التي تحرض دومًا على إشعال الحروب والصراعات وهنا تكمن أهمية الحوار والمحافظة على أحد أهم المناطق الاستراتيجية في العالم.

مسار الانتخابات الأمريكية

مع اقتراب موعد الانتخابات الأمريكية فإن هذا المشهد السياسي سوف يكون الفيصل في مسار التوتر في منطقة الخليج والشرق الأوسط، وهذا سوف يعتمد على نتيجة الانتخابات بين مرشحي الحزبين الديمقراطي جو بايدن والجمهوري دونالد ترامب. السياسة الخارجية الأمريكية سوف تكون على مفترق طرق والكل سوف يترقبها خاصة في منطقة الخليج وحتى على صعيد الشرق الأوسط والعالم فمشروع بايدن يختلف بشكل كبير عن مشروع ترامب الذي سبب ارتباكًا كبيرًا في المشهد السياسي في منطقة الشرق الأوسط وهناك الكثيرون في العالم الذين يرون في هزيمة ترامب شيئًا مفيدًا لتعديل الأوضاع السياسية في المنطقة خاصة على صعيد القضية الفلسطينية وهناك الصين التي تدخل في توتر اقتصادي وسياسي وحتى استراتيجي مع واشنطن وهناك فنزويلا وايران بالطبع، ومن هنا فإن الانتخابات الأمريكية هي فصل مهم في التوجهات الأمريكية للمرحلة القادمة، كما أن منطقة الخليج تترقب تلك الانتخابات، فهناك من يرى أهمية نجاح ترامب، وهناك الطرف المحايد الذي يرى أن الشعب الأمريكي هو الذي سيقرر مصير تلك الانتخابات ووصول ترامب او بايدن إلى البيت الأبيض وعلى ضوء هذه التطورات المتلاحقة تبدو المنطقة وكأنها في سباق الإرادات السياسية والجميع يحشد أوراقه وهذا مظهر ينم عن تسرع واجتهاد غير موضوعي في ظل التوتر الذي يزداد بين طهران واشنطن.
إن منطقة الخليج دخلت في أسلوب استراتيجي يختلف عن السياسة التقليدية التي تواصلت لعقود ومن هنا فإن المشهد الخليجي يمر بإرهاصات ملفتة وبتحولات لا يمكن التكهن بمساراتها إلا بعد نتيجة الانتخابات الأمريكية، كما أن القضية الفلسطينية تمر بتطورات معقدة تحتم إيجاد المصالحة الوطنية خاصة بين حركتي فتح وحماس للمحافظة على المشروع الوطني الفلسطيني في ظل تحديات حقيقية وفي ظل دعم أمريكي لإسرائيل لم يسبق له مثيل. على صعيد الداخل الإسرائيلي فإن هزيمة ترامب في الانتخابات الأمريكية يعني اختفاء نتانياهو عن المشهد السياسي في إسرائيل في ظل الملاحقة من المحكمة في قضايا فساد، ومن هنا فإن المشهد السياسي في منطقة الخليج والعالم يترقب ما تسفر عنه نتيجة تلك الانتخابات الأمريكية والتي سوف تكون فاصلة ليس فقط على الداخل الأمريكي، ولكن على صعيد تطورات المشهد في مناطق العالم المختلفة خاصة منطقة الشرق الأوسط بشكل عام.