مقامات: مواقع التواصل الاجتماعي وأسئلة الوفرة والقيمة

فاطمة الشيدي

لست من سكان مواقع التواصل الاجتماعي، أولئك الذين يعيشون في كواكبها الدرية حياة كاملة ويحظون بشهرة الحضور والصداقات و”اللايكات” و”الشير” ولكنني لا أستغنى عنها بدوري، وأظنني من زوارها المخلصين، الذين يعبرونها بسلام وهدوء بين الفينة والأخرى لألقي التحية بنص أو خبر أو صورة أو تعليق بتهنئة أو مواساة.
وإن كان لكل منا مكان أثير دائما في القلب مهما تعددت الأمكنة، وإذا كان للذاكرة الشأن الأكبر في صناعة ذلك التعلق والتعالق فأظن أن “الفيسبوك” هو بيتي الأثير، ربما لأنه أول تلك المواقع التي لمستْها أصابعي، وعلّقتُ روحي ونصوصي على جدرانها، فلست من أخوة “تويتر” أو “مجتمع الكراهية” كما وصفه الناقد السعودي محمد العباس في كتابه، حيث الشحناء والبغضاء والنقاشات وسرعة الخبر ومحدودية النص. ولست من أبناء الانستغرام البصري بعالمه المتسع وحضوره الأنيق المشبّع بالروائح والألوان، رغم وجودي بصورة باهتة فيهما، لكنني أعد نفسي فعلا من أصدقاء الفيس بوك حيث الكتابة غير المحدودة، وحيث النصوص المتهاطلة كالمطر العذب، وحيث الموسيقى والجمال الهادئ والسلام الذي ينبعث من كل خيمة وصفحة وجدار.
ومع ذلك السلام الذي يعم المكان أجبر نفسي على تسجيل الخروج كل مرة أدخل فيها لـ”الفيسبوك”، هذا طبعا مع تحديد وقت معين للتجوال والتصفح فيه والانسلال المباشر ما أن ينتهي ذلك الوقت؛ حتى أستطيع أن أحرر زمني المتبقي لصالح أشياء أخرى أكثر أهمية بالنسبة لي وأكثر إلحاحا كالعمل والرياضة وقراءة الكتب والتأمل والصمت ناهيك عن تفاصيل الحياة العادية بحاجاتها واحتياجاتها.
أفعل ذلك كل مرة تقريبا أدخل لهذه المواقع؛ كي لا يبتلع الفيسبوك وأخوته يومي، فأجدني وقد أصبحت متعلقة بهوس وإدمان بها وبساكنيها الذين لا أعرف كيف يمكن بعضهم الحياة داخلها وخارجها في نفس الوقت لأنهم هناك دائما؛ يسجلون حضورا مقيما بطريقة أو بأخرى.
المهم أنه في (الوقت المحدد) الذي أقضيه في مواقع التواصل الاجتماعي “الفيسبوك” تحديدا أحاول أن أستفيد من وجودي بأن أقرأ وأتأمل بمحبة أغلب ما يعرضه علي من نصوص -مشكورا- في صفحته العامة.
وأتأمل – بدهشة العابر- ذلك النزيف الهائل من النصوص الشعرية والسردية وما بينهما من كتابات واعترافات ومقالات.
ولا أعرف لماذا توحي لي الوفرة مباشرة بزعزعة القيمة. أو لماذا تراودني فكرة التلاشي والضياع في مقابل هذا البذخ في الحضور فلا أستطيع أن أمنع نفسي من استحضار فكرة الموت الفكرية التي كثرت في هذا العصر من موت المؤلف إلى موت الناقد وما بينها من نهايات، لأتساءل أيضا؛ هل مات الأدب على مواقع التواصل الاجتماعي؟! هل أجهزت المنابر المتاحة على الأدب العظيم، الرصين، الجارح، الحاد، المغيّر؟ لنجد أن أغلبية ما يكتب اليوم هش ومتشابه، ولا روح له، ولا يروم خلودا ولا تغييرا.
هل مات الشعر أمام هذا السيل الهادر من النصوص التي لا تشبهه ولا تمثله، هل قتلته قصيدة النثر بغرائبيتها اللغوية وسورياليتها الفنية؟! هل مات الشاعر ذلك الكبير الكثير الحقيقي المعذَّب المتواضع؛ لتظهر لنا صورة غزيرة ومكرورة لشاعر جديد هذّاء، ومهذار، ومغرور يغدق علينا من أشعاره؟ ، هل تلاشت الرؤية الثاقبة في الأدب تلك التي كانت تحرك الجموع وترفعهم وتنزلهم، وتبعدهم وتدنيهم، وتحفزهم وتثبطهم؛ ليظهر لنا نوع جديد من الأدب لا يعدو أن يكون أغلبه كلام وفير يخلو من القيمة.
إننا أمام حالة أدبية جديدة وواسعة وسريعة تستمد حضورها الكلي من الميديا المتسارعة فلا تمتثل لمعيار ولا تهدف لقيمة، حالة تعضدها النشوة في ضوء الشهرة في مواقع التواصل وتغذيها جماليات الحالة البصرية القائمة على الصورة الجامدة منها والمتحركة لتحقق حالة من الرضا اللحظوي للكاتب والمتلقي على حد سواء مهما بلغت هشاشة النص، حالة تصاعدت معها حذلقة الصغار، وغطرسة الكبار!
هل ضاع في زحام الوفرة المتلقي القارئ الحاذق النبيه الحصيف الذي يبحث عن الكبير فيستند إليه، ويتكأ عليه ويشيد به، الذي يدرك غزارة المعنى وجماليات المبنى. هل لم يعد في استطاعة القارئ الواعي السابر الوصول للحقيقي بسبب كثرة المزيف؟!
هل “اللايكات” و”الشير” وهي وسائل القارئ الإلكتروني لقبول النص؛ تصلح أن تكون معيارا لرأي القارئ ولقيمة النص سيما أن أغلبها مجاملة وقد لا تكون بعد قراءة النص؟!
هل الظهور والشهرة على مواقع التواصل هي التي تحدد القيمة، وبالتالي فالحكم للوفرة وليس للقيمة؟!
هل النقد مازال مهما؟! وهل الناقد الحقيقي مازال موجودا، وهل يجد من يؤمن به وبما يقول ويكتب، وهل هناك من يستمع إليه أو يسعى له أو ينتظر قراءته أو تنظيراته؟!
وماذا عن النشر، لماذا يكتب الكاتب؟ ولمن؟ ولماذا ينشر كتبه، أمام سهولة النشر النصي ومنصاته المتاحة؟ عم يبحث؟ عن الشهرة أمام سطوة الضوء، أم عن القرّاء أمام هذا الزخم الهائل من الكتب، أم يكتب ليعيش فقط من باب التداوي والسلام الداخلي.
أين تكمن المشكلة؟! وهل علينا أن نسأل هذا السؤال؟! بمعنى هل هناك مشكلة فعلا؟! أم أنها طبيعة العصر المعتمدة على التقنية التي عوّمت كل شيء وجعلته فضفاضا مبهرا في حضوره، سريعا في غيابه وتلاشيه ونسيانه؟!
أم هي طبيعة الإنسان الذي يحاول أن يوجد له موضع قدم في هذه الحياة.. ليقول أنا هنا، أنا حي، ليستمر ليوم جديد، وليبعد الموت المتربص خطوة أخرى بأي شيء حتى لو كان نصا رديئا يعرف هو قبل أي أحد أنه سيء ورديء، وربما كان مفبركا أو حتى منتحلا، المهم أن يحصل على دعم الآخر ومشاركته وحضوره لمؤازرته في معضلته الوجودية التي هي الحياة؟!
أسئلة كثيرة تطرق الروح والوعي ولا تجد لها جوابا ولكن يكفي المتأمل طرحها، ويكفي أننا نعلم أن لكل عصر أدبا وأدباء وشعرا وشعراء كثر سيتساقطون ولن يمكث إلا القلة أمام غربال الزمن الذي سترهقه كثيرا هذه الوفرة، ليصفّى القيمة لأجيال قادمة ستختلف لديها مفاهيم الوفرة والقيمة في الأدب وفي غيره من الفنون.