الشيف عيسى البلوشي: عندما تتحول الهواية إلى مهنة يكون الإبداع أكثر

يحلم بافتتاح أكاديمية لفنون الطهي

كتبت- وردة بنت حسن اللواتية

كبقية الأطفال في جيله، كان الشيف عيسى البلوشي يحب مشاهدة الرسوم المتحركة على شاشة التلفاز، ولكن كان مختلفا عنهم بإنجذابه لبرامج الطبخ، حيث تبهره المقادير المختلفة بألوانها المتنوعة، وكيف يخلطها الطباخ مع بعض لتظهر في النهاية بشكل مختلف، ومن ثم كان يطبق ما يراه في مطبخ المنزل مسببا (كوارث) كما يقول، ولكن هذا ساعده في تطوير مهاراته، وشجعه على ذلك أن كلا والديه يطبخان بمهارة.
وبعد تخرجه من المدرسة تم قبوله في بعض الكليات، لكنه لظروف خاصة فضل أن يلتحق بكلية تضمن له وظيفة بعد التخرج، لذا توجه إلى المعهد الوطني للضيافة، ومن هناك بدأ أول خطوات مشواره الاحترافي في الطبخ.
ويتابع الشيف عيسى سرد قصته قائلا: لم أتردد في دخول المعهد، ولم أبالِ بكلام الناس، فالبعض كان غير مقتنع بتخصصي، وأن المطبخ هو للنساء فقط، ولكن نظرتي كانت مختلفة عنهم، لأنني فكرت أنه إذا حولت هوايتي في الطبخ إلى مهنة، فإنني سأبدع أكثر، لأنني أعمل في مجال أحبه، إلى جانب أن أغلب الطهاة العالميين هم من الرجال.
لدى الشيف عيسى خبرة 13 عاما في مجال الطبخ، والآن هو رئيس الطهاة في الموج- جولف مسقط، ويقول: لم يكن طريق النجاح سهلا، ولكن بفضل رب العالمين استطعت أن أحقق حلمي بأن أصبح رئيسا للطهاة، فخلال السنوات الماضية عملت في عدة مطاعم وفنادق، وشاركت في دورات داخل وخارج السلطنة، كما أن لدي شهادات معتمدة من معاهد أوروبية، وهذا أكسبني مهارات كثيرة، فالطباخ يجب أن يستمر في التعلم دائما، لأن كل يوم يتم ابتكار أصناف جديدة، وطرق جديدة للطبخ.
وعندما التحقت بالموج مسقط، كنت قائد الفريق بالمطعم، وكان رئيس الطهاة أجنبي، ولكن لإيمان إدارة الموج مسقط بقدرات الكوادر الوطنية، رشحوني للمشاركة في عدة دورات على حسابهم، ومن ثم عينت كرئيس للطهاة، وهذه ثقة أشكرهم عليها كثيرا.

الابتكار مستمر

وسألناه: كيف تبتكر الوصفات الجديدة؟ فكان جوابه: الطاهي يحول مطبخه إلى (مختبر) عندما يجرب الوصفات الجديدة، فبداية يفكر في ذهنه عن المقادير اللازمة ويتخيلها كيف ستكون، ومن ثم يطبق هذا على أرض الواقع، أو يقوم الطاهي بتغيير الوصفات القديمة للخروج بطبق جديد.
وبالنسبة لي فإنني حريص على إدخال مكونات ونكهات من أطباقنا المحلية وأضيفها إلى أطباق مشهورة، فمثلا أضفت نكهة الصبار والمشاكيك إلى لحم الريش، كما استخدم الزعتر وماء الورد في أكلات كثيرة.
ومؤخرا في العيد الوطني، قمت بإعداد حلوى الماكرون بألوان علم السلطنة، مستخدما نكهة اللبان، وماء الورد، والقهوة، وتمر الخلاص، والحلوى العمانية.
إلى جانب أنني أتابع دائما الوصفات العالمية حتى أواكب التطور الذي يحدث في عالم الطبخ، فالناس تمل بسرعة وتحب التغيير في الأكل، وقد ساعدتنا وسائل التواصل الاجتماعي في معرفة الجديد في هذا المجال.
وعن مدى إمكانية المطبخ الخليجي عامة والعماني خاصة أن يصبح مطبخا عالميا، مثل المطبخ الإيطالي والهندي، يشير البلوشي قائلا: من أحد أحلامي هو أن أنقل المطبخ العماني إلى العالمية، فمطبخنا يتميز بأنه عبارة مزيج من الثقافات، فهناك الأكلات المحلية وأخرى من الهند وشرق أفريقيا، ولكن هذا يحتاج إلى دعم كبير حتى نستطيع تحقيق هذا الحلم.
وحول حرصه على توفير أطباق صحية لزبائنه، أكد أن هذا يعد من المتطلبات الضرورية في الوقت الحالي بسبب انتشار الكثير من أنواع الحميات الغذائية، وهناك الكثير من الأطباق المحلية التي نستطيع تحويلها إلى أطباق صحية، فعندما نقارن بين البان كيك والقروص العمانية، نجد أن القروص أفضل، من ناحية نوعية الطحين المستخدم، وإضافة العسل إليها بدل شراب القيقيب المحلي.
مع عصر السرعة والأكلات السريعة، هل تجد أنه ما زال هناك إقبال على المطبخ التقليدي؟ فقال: نعم مازال هناك إقبال جيد، والجيل الجديد يحب الأشكال والتقنيات الجديدة في الطبخ، لذا صرنا نقدم الشواء مثلا بطرق جديدة، كما أن الشواء سابقا كان يتم طبخه في التنور ويستغرق ذلك وقتا طويلا، وكان متوفرا فقط في أيام الأعياد، أما الآن فتوجد أفران خاصة تجهز الشواء خلال 3 ساعات، وأصبح متوفرا في كل الأوقات للمواطنين والسياح.

فكرة جديد للتلفاز

تجربة الشيف عيسى مع التلفاز بدأت قبل عامين في شهر رمضان، حين قدم برنامج على السحور مع المذيع المخضرم خالد الزدجالي، ولكنه لديه فكرة مختلفة جدا يتمنى أن يجد الفرصة لتقديمها على التلفاز.
وأوضح قائلا: الإنترنت الآن يقدم كل وصفات الطبخ، لذا الطريقة التقليدية بالتلفاز في تقديم طريقة إعداد الطبق أجدها غير مجدية الآن، فالطبخ ليس طعام فقط، ولكنه ثقافة أيضا، لذا أود أن أقدم برنامج تلفازي يجمع بين الطبخ والمعلومة، من خلال زيارة المطاعم العالمية، مثلا نذهب إلى مطعم إيطالي، وهناك أتحدث مع الشيف مع تاريخ وثقافة المطبخ الإيطالي، ومع معرفة القيمة الغذائية للأطباق.
وبالنسبة للمطبخ العماني، نذهب إلى الأرياف لمعرفة طرق الطبخ التقليدية والنكهات المختلفة لأطباقنا المحلية، وكذلك نذهب إلى كرفانات الشوي التي انتشرت بكثرة، ونأخذ معلومات عن طعام الشوارع ( street food)، وهكذا.
وأضاف: أيضا استخدم وسائل التواصل الاجتماعي، وبالذات الإنستجرام، ومن خلاله أقدم بين فترة وأخرى أطباق مختلفة، ولكن أيضا أحب أن أقدم فيه نصائح للشباب الراغبين في الالتحاق بهذه المهنة، خاصة أن هناك مخرجات من كلية السياحة ومعهد الضيافة، وللأسف لم يستمروا في هذا المجال.
وأحرص أيضا على تقديم وجبات سهلة يمكن إعدادها بمقادير قليلة ولا تستغرق وقتا طويلا، بحيث تتناسب مع عصر السرعة الذي نعيشه، وأيضا تناسب من يذهب للرحلات الخلوية، وقد تعاونت العام الماضي مع شركة دجاج الصفاء لتقديم مثل هذه الوصفات السهلة.
كما أفرح جدا بخدمة المجتمع من خلال تقديم النصح لشبابنا الراغبين في فتح مطاعم، من خلال تقديم استشارات حول إدارة المطعم، وإعداد أو تطوير قائمة الطعام، وكيفية تطوير المشروع.
وحول مدى تعاونه مع بقية الطباخين العمانيين، أكد أن هذا التعاون موجود، ويقول: لدينا جمعية عمانية للطهاة تأسست في 2009م، ويترأسها الشيف مالك الجهضمي، وأنا عضو تنفيذي فيها، وحوالي 80% من أعضائها من العمانيين.
وهناك تعاون وصداقة بيننا، ونقوم بدعم بعضنا البعض، ونعقد لقاءات ومسابقات للطهي، وصحيح المنافسة بيننا موجودة، ولكنه تنافس محترم لتقديم الأفضل.

أكاديمية الطهي

يحلم كل شيف بأن يكون لديه مطعمه الخاص به، ولكن الشيف عيسى يؤجل هذه الفكرة حاليا، لأنه يقول: «كل شيء في وقته حلو»، ولكني أفكر في إنشاء أكاديمية لفنون الطهي، تكون للمحترفين والهواة، ونقدم فيها دورات قصيرة أو طويلة في مختلف فنون الطهي، وهذا سيساهم في تخريج دفعات جديدة من الطهاة.
وسألناه عن الطهاة المفضلين لديه، فأجاب: طبعا الشيف عيسى اللمكي سفير المطبخ العماني، وهو أحد الأشخاص الداعمين لي، وهنأني على تقديم برنامج على السحور، وعالميا الشيف جوردان رمزي فهو أشهر شيف حاليا ومثير للجدل أيضا بسبب أسلوبه الشديد، وكذلك الشيف اللبناني مارون شديد.
أما بالنسبة لوجبتي المفضلة، فهي تختلف حسب المطبخ، فالمطبخ العماني يحتل المرتبة الأولى، حيث أحب كل الأكلات، خاصة التي تعودنا على مذاقها منذ الصغر.
ويعجبني من المطبخ الآسيوي الرز المقلي والسوشي، ومن الإيطالي البيتزا والباستا، والمطبخ الهندي قريب من المطبخ العماني، ولذا أحب البرياني والكاري، ومن المطبخ الأمريكي الستيك والبرجر.
ويعترف الشيف عيسى البلوشي في ختام حديثه أنه لا يطبخ في البيت بسبب مشاغله الكثيرة، ولكنه أحيانا يطبخ في الإجازات بعض الخفائف أو الحلويات رغم أنه غير متخصص فيها، وأحيانا يفاجئ أسرته بابتكار طبق جديد ليأخذ رأيهم فيه.