بعد طي صفحة رئيس مالي.. من يقود المرحلة الانتقالية؟

إسطنبول – الأناضول: غادر الرئيس المالي إبراهيم أبو بكر كايتا، الحكم عبر انقلاب عسكري دون أن يذرف عليه شعبه الكثير من الدموع.
خرج الآلاف قبل أشهر في مظاهرات عارمة للتنديد بتفشي الفساد في عهد كايتا والتشكيك في نزاهة الانتخابات التي منحته ولاية ثانية.
لكن التحدي الرئيسي في مالي، خلال هذه المرحلة المعقدة، يتمثل في مدى قدرة الماليين على الانتقال إلى نظام أكثر ديمقراطية ونزاهة، أم يتمكن الانقلابيون من احتكار السلطة، وتدوير منظومة الفساد بأوجه جديدة، وعبر انتخابات شكلية للخروج من عزلتهم الدولية؟
«إيكواس» تشترط مرحلة انتقالية «مدنية»
فالضباط الذين أطاحوا بنظام كايتا، 18 أغسطس الماضي، نصبوا قائدهم «عاصيمي غويتا»، رئيسا للبلاد، بعد أن أجبروا الرئيس السابق على الاستقالة «حقنا للدماء»، كما أعلن ذلك بنفسه.
غير أن المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا (إيكواس) اشترطت، في قمة استثنائية، أن تتولى شخصية مدنية قيادة المرحلة الانتقالية، بحيث لا تتجاوز 12 شهرا، يليها انتخابات رئاسية وبرلمانية.
وأسقطت «إيكواس» بذلك شرط عودة كايتا إلى الحكم، بعدما تمسكت به في السابق، مقابل تخفيف العقوبات التي فرضتها على مالي.
المجلس العسكري الحاكم في مالي، اقترح بعد وصول وفد من الإيكواس، بقيادة الرئيس النيجيري السابق غودلاك جوناثان، إلى العاصمة باماكو، «تشكيل هيئة انتقالية برئاسة عسكرية تتولى إدارة البلاد لمدة 3 سنوات».
بوقادوم يتحرك لإنقاذ «اتفاق الجزائر»
أكبر مسؤول دبلوماسي زار باماكو عقب الانقلاب العسكري، كان وزير الخارجية الجزائري صبري بوقادوم، مبعوثا للرئيس عبد المجيد تبون، بحكم أن بلاده لعبت دورا رئيسيا في الوساطة بين المسلحين الطوارق في الشمال وحكومة باماكو.
فالبلدان تربطهما حدود تمتد لأزيد من 1300 كلم، وتنتشر بالقرب من هذه الحدود جماعات إرهابية وعصابات تُهرب كل شيء؛ من السلاح إلى المخدرات وحتى البشر.
ورغم أن الجزائر أدانت بشدة الانقلاب على الرئيس كايتا، إلا أن زيارة بوقادوم إلى باماكو، في 28 أغسطس، لم تحمل نفس لهجة الإدانة السابقة، خاصة بعد تنازل كايتا عن الحكم.
وأوضح بيان للخارجية الجزائرية، أن «الزيارة تندرج في إطار العلاقات التاريخية والأخوية والتضامن الدائم مع مالي، وتعكس دعم الجزائر المطلق للشعب المالي، وتمسكها بالأمن والاستقرار في هذا البلد».
ولم يُشر البيان إلى كايتا، بل ركز على دعم الجزائر «للشعب المالي»، خصوصا وأن مالي تمثل «قلب الساحل الإفريقي»، الذي تعشش فيه دبابير الإرهاب، ومنه تنتشر لتضرب دول الجوار، خاصة النيجر وبوركينا فاسو، وليبيا وحتى كوت دي فوار والجزائر.
لذلك تسعى الجزائر لضمان عودة «سريعة» للوضع الدستوري عبر انتخابات رئاسية، تنهي المرحلة الانتقالية، وتضمن عدم انهيار الدولة، أو سقوطها في يد الجماعات الإرهابية، أو انقسامها في حالة انهيار «اتفاق الجزائر» بين حكومة باماكو والطوارق في الشمال.
فانهيار الوضع الأمني في مالي، كما حدث بليبيا في 2011، من شأنه الانعكاس سلبا على كامل دول الجوار بما فيها الجزائر، لذلك تبذل الأخيرة ما في وسعها حتى لا تتأزم الأوضاع أكثر مما هي عليه.
وتخشى الجزائر أن يؤدي انهيار الوضع الأمني في جارتها الجنوبية إلى موجة نزوح مثلما حدث في سنوات سابقة.
وعبر عن ذلك وزير الخارجية الجزائري خلال مؤتمر صحفي مع نظيره التركي مولود تشاووش أوغلو، بالعاصمة أنقرة، قائلا «أزيد من 40 ألف من سكان مالي يعيشون الآن في المناطق الحدودية (مع الجزائر)، وذلك خوفا من الانقلاب الحاصل».
وزيارة بوقادوم إلى باماكو، تدخل في إطار الاطمئنان على أن الحكام الجدد لمالي مازالوا متمسكين بـ«اتفاق الجزائر للسلم والمصالحة» الموقع في 2015، بين الحكومة المالية والمسلحين الطوارق، خاصة وأن الجزائر ترأس لجنة متابعة تنفيذه.
فرنسا تطوي صفحة أحد أصدقائها
أما فرنسا الحليف العسكري الرئيسي لكايتا، طيلة سبع سنوات من حكمه، فلم تجد حرجا في التخلي عنه بعد أن احترقت أوراقه، ولم يكن شرطها الوحيد، سوى الانتقال إلى الوضع الدستوري «بسرعة».
وعبّر وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، بقوله في تصريح صحفي لقناة «آر تي آل» المحلية، «كان هناك انقلاب ندينه، ولكن كانت هناك أيضًا استقالة إبراهيم أبوبكر كيتا».
لكن باريس اعتبرت الفترة الانتقالية لمدة 3 سنوات التي اقترحها المجلس العسكري المالي في البداية «غير مقبولة»، وتفضل أن لا تتجاوز أشهر.

الانقلابيون يرضخون
ويجد المجلس العسكري المالي نفسه محاصرا بعدة أزمات، ليس أقلها المجموعات الانفصالية في الشمال، والمجموعات الإرهابية التابعة لتنظيمي «داعش» و«القاعدة» التي تجاوزت نهر النيجر إلى المناطق الجنوبية السمراء، ناهيك عن الصراعات القبلية التي راح ضحيتها عدد ليس بالقليل من المدنيين.
ويمثل التواجد العسكري الفرنسي في مالي تهديدا بقدر ما هو ضرورة لدى البعض في مقاومة المجموعات الإرهابية، بينما يراه آخروه وجها من وجوه الاحتلال والهيمنة، وسببا يدفع بعض الشباب للالتحاق بالمجموعات المتطرفة لقتال ما يعتبرونه استعمارا جديدا، وهذا ما يفسر المظاهرات الواسعة التي شهدتها البلاد ضد التواجد الفرنسي.
يضاف إلى ذلك أزمة اقتصادية خانقة، وتصاعد انتشار وباء كورونا في ظل منظومة صحية متهالكة، وازدياد رغبة الشباب في خوض مجازفة الهجرة بطرق غير نظامية نحو أوروبا في ظروف خطيرة ومهددة للحياة.
وهذه الأزمات مجتمعة، لا تتيح للمجلس العسكري مساحة واسعة للمناورة والبقاء في السلطة أطول مدة ممكنة، خاصة في وجود عدد كبير من القوات الأجنبية في البلاد، فرنسية وأوروبية أو إفريقية.
إذ سبق وأن فشل انقلابيو 2012 في إدارة البلاد، واضطروا لتسليم السلطة إلى شخصية مدنية بعد عام واحد فقط.
والثلاثاء، ذكرت وسائل إعلام محلية ودولية، أن المجلس العسكري شرع في سلسلة مشاورات مع الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والدينيين، حول «التهيئة لفترة انتقال مدنية».
ما يعني أن العسكريين، وتحت ضغط دولي وشعبي، بدؤوا يتقبلون فكرة تولي شخصية مدنية قيادة المرحلة الانتقالية ولفترة أقصر من 36 شهرا.