صدور النسخة الروسية لرواية “سيدات القمر”

موسكو- “العمانية”: قالت المترجمة الروسية “فيكتوريا زاريتوفيسكايا” إن رواية “سيدات القمر” للكاتبة العمانية جوخة الحارثية، رواية “غير عادية” بالنسبة للقارئ الأجنبي، لأنها تتحدث عن بلد ليس معروفًا بما يكفي له، وتغوص عميقًا في تقاليد المجتمع العُماني وعاداته ومعتقداته. وأضافت “زاريتوفيسكايا” بمناسبة صدور النسخة الروسية للرواية الحائزة جائزةَ “مان بوكر” لعام 2019، إن التأهُّل للمنافسة على هذه الجائزة أمر في غاية الصعوبة، فهو يمرُّ بسلسلة مراحل؛ تبدأ من نيل العمل الأدبي حضورًا ومقروئية على الصعيد الإقليمي بما يسوّغ ترجمته إلى الإنجليزية، ثم عمل المترجم باحترافية للمحافظة على حرارة النص الأصلي، وتحاشي الاختصار غير المدروس، وإبراز الرواية كعمل جديد وجدير بالقراءة في الثقافة التي ينقله إليها. وفي الأخير، وبعد أن يقطع العمل رحلته الشاقة للوصول إلى القائمة القصيرة، تبدأ المواجهة مع الأعمال الأخرى المرشحة للفوز. وكشفت “زاريتوفيسكايا” أن الكاتبة البولندية “أولغا توكارتشوك”، الحائزة جائزة نوبل للآداب لعام 2018، كانت من منافسي الحارثية لنيل الجائزة. وأضافت المترجمة التي كانت عضوًا في لجنة تحكيم الجائزة العالمية للرواية العربية لعام 2020، أن فوز “سيدات القمر” بهذه الجائزة، دفع كبريات دور النشر العالمية لترجمتها، ومنها دار نشر “إكسيمو”، التي تعدّ الأكبر من نوعها في روسيا. وبحسب “زاريتوفيسكايا” التي تعمل أستاذة للّغة العربية في الجامعة الروسية بموسكو، فإن نص الرواية التي استخدمت فيها الكاتبة تقنية تنتمي إلى تيار الوعي الحديث، جاء ” موزاييكيًا، زاخرًا بالأسرار، إذ ينتظرك في كل صفحة منعطف لم تكن تتوقعه”. وتضيف: “في المقابل، فإن هذه الرواية لا تنغلق على عالمها، إذ نرى فيها تأثير العولمة والحداثة التي تطغى على الحياة المعاصرة، وهذه قضية مشتركة يعيشها الإنسان المعاصر في كل مكان، فكان أن وضعت جوخة الحارثية مظاهر العولمة في محكّ روايتها، ومن بين هذه المظاهر ما يسمى صراع الأجيال، الذي نلمسه في اهتزاز اللغة المشتركة بين جيل وآخر في ظل التغيرات الاقتصادية المتلاحقة. كما تطرح الكاتبة سؤال تمسك المجتمع بالجوهر الإنساني في مواجهة ظاهرة العولمة”. وتعبّر “زاريتوفيسكايا” عن أملها كبير في أن تفتح ترجمة رواية “سيدات القمر” بابًا جديدًا للأدب العربي في روسيا، وأن تتحقق قفزة نوعية في هذا المجال، فالأدب المُترجم إلى الروسية منذ زمن الاتحاد السوفياتي، كروايات نجيب محفوظ وكتب طه حسين، لم ينتشر بين القراء لأسباب يمكن ردّها إلى “ضعف التوزيع، والفجوة الثقافية بين أسلوب الرواد العرب والقارئ الروسي، ومستوى الترجمة”. وتشير إلى أن قراءة المشهد الثقافي الروسي الراهن، تتيح للمرء ملاحظة انفتاح ملحوظ نحو ثقافات الشرق الأوسط وآدابها، واستشعار الفضول الذي سيدفع بالقارئ لاقتناء رواية تصطحبه إلى بلد جديد عليه، ناهيك عن أن “سيدات القمر” فازت بجائزة عالمية وصدرت نسختها الروسية عن دار نشر مرموقة. وتذكر “زاريتوفيسكايا” التي ترجمت عددًا من أعمال نجيب محفوظ وعلاء الأسواني، أن إقامتها في السلطنة قرابة خمس سنوات، وتعرفها إلى الثقافة الشعبية العمانية من الداخل، جعل من السهل عليها ترجمة “سيدات القمر” التي تزخر بإشارات من التاريخ والفلكلور والثقافة الشعبية. وتوضح أن الفترة التي قضتها في السلطنة مكّنتها من تلمّس الانسجام المدهش في الرواية، وقربتها من لغة الكاتبة وأسلوبها الذي جمعت به موضوعات متشعبة. وتضيف: “لقد كان طيف من المشهد الشعبي العماني، وقوس من المناخ المجتمعي بكل ألوانه وأصواته، حاضرَين أمامي وأنا أترجم الرواية”. وتؤكد أنها خاضت خلال اشتغالها على الترجمة، “تجربة معرفية جديدة” لا تقل أهمية عن معرفتها التي اكتسبتها من إقامتها في السلطنة، فضلًا عن أن الترجمة فتحت لها أبوابًا معرفية جديدة، إذ أعدّت دراسة عن الشاعر العماني أبي مسلم البهلاني، تناولت فيها حياته وإبداعه، وقد رحبت مجلة “آسيا وإفريقيا” العريقة التي تصدرها الأكاديمية الروسية للعلوم بنشر هذه الدراسة في عددها المقبل. وعن مشاريعها الراهنة، تقول “زاريتوفيسكايا” إنها تعدّ دراسة عن المذهب الإباضي، مضيفة: “لا أظنني سأتخلص من سحر عُمان الذي قادتني إليه جوخة الحارثية.. إن روايتها تمثل اكتشافي الثاني لعُمان الذي أدهشني وفتنني وربطني بهذا البلد، العظيم بتاريخه، والثري بتراثه وتقاليده، والراسخ في حبه للحياة وإيمانه العميق بالتنوع، وهذا بالضبط ما يجعل مستقبل السلطنة مشرعًا على الأمل”.