مقامات المشّاء المنفرد بنفسه

فاطمة الشيدي

ربما أصبح أغلبية الناس اليوم يدركون قيمة المشي ويعرفون أن لا دواء للروح والجسد أهم منه، المشي الذي يحرر طاقات الجسد فيجعله حرا كطائر أو فراشة، خفيفا من ثقل الشحوم والدهون معافى من الأمراض والأسقام، كما يحرر النفس من أثقالها فتنفلت من الخيبات والأوهام، والتعب والقلق فترق وتتهذب وتحنو وتنمو وتصبح سلسة طيبة شفيقة رقيقة هادئة هانئة متصالحة مع الداخل والخارج.
ويحرر العقل من الجمود والتكلس، وينبت فيه الأفكار كالعشب بعد المطر أو كالزهور من كل لون وشكل تطل ندية نضرة بهية ما أن يتحرك الجسد وتتصاعد همته، المشي الذي يأخذك نحوك ونحو الوجود ويفتق في ذهنك وقلبك أسرار الحياة عبر التأمل الداخلي والتأمل الخارجي في الطبيعة.
ولذا فليس عجيبا أن يكون معظم الفلاسفة قد اتخذوه منهجا للحياة والتفكير منذ القدم كسقراط وأفلاطون فأرسطو مؤسس مدرسة المشائين وديكارت وكانط وكيركغارد حتى نيتشه الذي كان يمشي ٨ ساعات عند تأليف كتابه “الهم وظله” وقال”امض أقل وقت ممكن في الجلوس ولا تصدق أي فكرة لم تولد من الحركة وفي الحركة وفي الهواء الطلق … فالجلوس في مكان واحد هو الخطيئة الحقيقية في وجه الروح المقدسة” وهذا ما جمعه ونظّر له الفيلسوف المعاصر فردريك غرو صاحب كتاب “المشي فلسفة”.
أما المشاء الأجمل في تاريخ الكتابة والمشي معا فهو جان جاك روسو فيلسوف العقد الاجتماعي والاعترافات الذي يكاد يجمع منظرو الأدب أنه مؤسس أدب الاعتراف أو السيرة الذاتية بالمعنى الدقيق والمنهجي للمفهوم الفني والأدبي الذي مازال ينتشر بقوة ويغذي حاجة الإنسان للاعتراف بشكل ما لتخفيف الثقل الذي ترزح تحته نفسه أمام آخر قد لا يكون متوافرا دائما.
ولأن الكاتب هو لغة فلابد أن يعترف بشكل يختلف عن الثرثرة والشكوى التي يمارسها أغلبية الناس. فهو يحتاج للاعتراف عبر الكتابة، ولذا لابد أن تكون اعترافاته وتأملاته نصا أدبيا رائعا ورائقا ممتلئا بالمعرفة ومكتملا بالجمال.
وهذا تماما ما تجده حين تقرأ “هواجس المتنزه المنفرد بنفسه” لجان جاك لروسو الذي يمكن أن يختصر في عبارته “وهذه الأوراق لن تكون في الحقيقة إلا صحيفة هواجسي المصغرة وسيدور فيها الكلام علي كثيرا، لأن الوحيد المنفرد بنفسه الذي يفكر، لابد أن يهتم بنفسه. ومع ذلك فإن جميع الفكر الغريبة التي قد تخطر لي وأنا أتنزه ستجد لها محلا في كتابي . وسأذكر في هذه الصحيفة جميع ما فكرت فيه كما طرأ على خاطري من دون ارتباك وبالشكل الذي ترتبط فيه أفكار البارحة بأفكار الغداة… هذه الأوراق يمكن أن تعتبر إذن ملحقا لاعترافاتي ولكني لن أسميها بهذا الاسم لأنه لم يبق لي مما أقوله شيء يستحق هذه التسمية”.
إن الكتاب الصادر عن المؤسسة العربية للترجمة بالتعاون مع اللجنة الوطنية اللبنانية لليونسكو بترجمة بولس غانم وتوزيع مركز دراسات الوحدة العربية والذي يقع في ١٩٤ صفحة من القطع المتوسط في ١٠ نزهات تمثل كل نزهة رحلة عميقة مستقلة تمتد من الذات حتى الكون أو من الطبيعة حتى الروح.
إذ يمشي روسو معانقا الطبيعة التي يعشق منتبها للنباتات والأشجار التي يوليها اهتماما خاصا، ومستعيدا عبر ذاكرته وتأملاته ماضيه وعلاقاته وحيواته الخارجية رابطا بينها وبين حاضره في رابط دائم، ومحللا ما يعتمل في نفسه من آلام وأفراح، وهو بذلك يجمع الحسنيين. محاولا الصدق ما يستطيع ومتذكرا ما اضطره للكذب يوما من شرف وكرامة أو رحمة وشفقة “أيها الكذب العظيم الشأن متى تكون الحقيقة في غاية الجمال حتى يستطاع تفضيلها عليك”.
الكتاب في نزهاته العشر رحلة داخلية عذبة تستقي من معين الطبيعة ما يشحذ الروح ويعريها وما يرفعها ويدنيها بلا مبالغات ولا زيف، فعبر المشي يقطع المسافات ويعانق الشجر ويلمس النباتات الصغيرة، وعبر التأمل يجوب أحراش النفس ويلمس مكنوناتها ويشحذ رقتها وآلامها التي تتعاظم من البشر وتزيد مع التعامل مع الناس وتترك ندوبا في النفس ما أن تقترب منها شمعة التأمل حتى تتوهج وتحرق الذات وتعذبها.
“إن التفكير كان لي دائما عملا مضنيا لا بهجة فيه، وفي بعض الأحيان تنتهي بي تخيلاتي إلى التأمل ولكن في أغلب الأوقات تنتهي تأملاتي بالتخيل، وفي أثناء هذا البحران تهيم نفسي وتحوم فوق أجنحة الخيال وفي انجذابات روحية تفوق لذتها جميع الملذات”
المشي هو فتيل الروح المتوهجة بالجمال والحس الرهيف والوعي المتنامي، الفتيل الذي يشتعل بالحركة فيشعل كل النفس في عناقها مع الكون فترسخ تأملاتها تلك في ضمير اللغة وتنسجه بالكتابة لقادم يحب المشي والكتابة معا، فالمجد للمشائين في كل العصور والأزمنة.