مرفأ قراءة… في ذكراه.. حلم نجيب محفوظ بعيد المنال !

إيهاب الملاح

  • 1 –

«وردة جافة مبعثرة الأوراق عثرتُ عليها وراء صف من الكتب، وأنا أعيد ترتيب مكتبتي.. ابتسمت. انحسرت غيابات الماضي السحيق عن نور عابر.. وأفلت من قبضة الزمن حنينٌ عاش دقائق خمس.. وندّ عن الأوراق الجافة عبيرٌ كالهمس..
وتذكرتُ قولَ الصديق الحكيم.. (قوة الذاكرة تنجلي في التذكر كما تنجلي في النسيان)…»
(أصداء السيرة الذاتية.. نجيب محفوظ)

  • 2 –

على مدار ما يقرب من ثمانين سنة، ونجيب محفوظ يملأ الدنيا ويشغل الناس! هو بهذا المعنى متنبي عصرنا الراهن، وهو بمعنى آخر شكسبير الثقافة العربية الذي لم ينقطع حضوره ولا وهجه ولا تأثيره، ولا تلك المساحة الهائلة من قارة الإبداع العربي المعاصر رغم رحيله عن عالمنا منذ ما يقرب من عشرين عاما!
ومع كل مناسبة تتجدد بذكرى ميلاده أو رحيله أو حصوله على نوبل، أجدد أيضًا الدعوات والأمنيات بأن نتشارك جميعا متعة اكتشاف هذه القارة الإبداعية العظمى في ثقافتنا العربية المسماة نجيب محفوظ؛ لا من باب التقديس ولا المغالاة ولا إهمال أي أصوات أخرى، إنما من باب احترام المنجزات الكبرى وتقدير القيمة التي تتجدد وتثبت كل يوم أنها من عيون الإبداع العالمي، ومن كنوز التراث الإنساني..
وما زلت عند رأيي بأن نجيب محفوظ لا يقل قيمةً ولا مكانةً ولا حضورًا في ثقافته، والثقافة الإبداعية العالمية، عن نظرائه في اللغات والثقافات الأخرى؛ هو في الثقافة المصرية والعربية كما “كازانتزاكيس” في الثقافة اليونانية، و”ماركيز” و”يوسا” و”كورتاثار” في أدب أمريكا اللاتينية، و”كاميلو خوسيه ثيلا” في الإسبانية، و”ساراماجو” في البرتغالية.. إلخ
هذا ما أدركه بوضوح كبار نقادنا في ستينيات القرن الماضي؛ وبلوره في عبارة ناصعة الناقد الراحل لويس عوض الذي كتب “ونجيب محفوظ عندي كاتب من أولئك الكتاب القلائل في تاريخ الأدب في الشرق والغرب، كلما قرأته عشت زمنا بين أمجاد الإنسان، وقالت نفسي: ليس فن بعد هذا الفن ولا مرتقى فوق هذه القمم الشاهقة”..
ثم أطلق لويس عوض مقولته المدوية التي صارت مثلًا وشاهدًا شامخًا على قيمة الأثر المحفوظي والنص المحفوظي
«وما عرفت كاتبًا رضي عنه اليمين والوسط واليسار ورضي عنه القديم والحديث، ومن هم بين بين، مثل نجيب محفوظ؛ فنجيب محفوظ قد غدا في بلادنا مؤسسة أدبية أو فنية مستقرة تشبه تلك المؤسسات الكثيرة التي تقرأ عنها، ولعلك لا تعرف ما يجري بداخلها وهي مع ذلك قائمة وشامخة وربما جاءها السياح أو جيء بهم ليتفقدوها فيما يتفقدون من معالم نهضتنا الحديثة.
والأغرب من هذا، أن هذه المؤسسة التي هي نجيب محفوظ ليست بالمؤسسة الحكومية التي تستمد قوتها من الاعتراف الرسمي فحسب، بل هل مؤسسة شعبية أيضًا يتحدث عنها الناس بمحض الاختيار في القهوة، وفي البيت، وفي نوادي المتأدبين، وتجمعات البسطاء…»

  • 3 –

في دراسة رائدة كتبها جابر عصفور بعنوان “نقاد نجيب محفوظ” (نشرت في صورتها الأولى عام 1981 بمجلة “فصول” النقدية؛ ثم أعاد نشرها في كتابه «نجيب محفوظ الرمز والقيمة» 2011) رصد العديد من المداخل والمقاربات والمفاهيم النقدية والمناهج التي عالجت نصوص محفوظ، وقدمت تحليلات وتفسيرات متنوعة ومتعددة بتنوع وتعدد النقاد أصحاب هذه المعالجات، ومن أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومن التركيز على المضمون الموضوعي إلى تحليل الشكل الفني وعناصر السرد الروائي.. إلخ.
كان نجيب محفوظ الكاتب والروائي العربي الأكثر معالجة وقراءة ونقدا وتحليلا ودرسا في مصر والعالم العربي وأوروبا وأمريكا؛ أصبح أدبه وأصبحت رواياته مادة لتناولات جمالية واجتماعية وصوفية ووجودية وفلسفية وبنيوية وتفكيكية.. إلخ ما يمكن أن يحصيه ويستقصيه ناقد نشط يقظ دؤوب.
وما زال حتى وقتنا هذا يزداد الطلب على تقديم مزيد من القراءات التفصيلية، وتحليل وتفكيك نصوص محفوظ، كما رصد غير ناقد وباحث في السنوات الأخيرة؛ وإن كان يشوب معظمها الخفة والنقل والاستسهال والبعد عن اقتناص أغوار النص المحفوظي الذي لا يسلم قياده إلا لمن أخلص لقراءته وأنصت لهمسه؛ ومثل هذا الإنصات لن يظهر في كتابات عامة الغرض منها مخاطبة شرائح بعينها من قراء شباب، فكل ما نأمله كنقاد أن يتعرف هؤلاء على الإنتاج ويقرؤونه ويخطون خطوات تؤهلهم للوعي بالذائقة ومحاولة صقلها كمرحلة أولى..

  • 4 –

البعض يسأل (وسيظل يسأل): لماذا الانشغال بنجيب محفوظ حتى الآن؟ أما كفاكم الحديث عنه في حياته وحتى بعد رحيله؟
الإجابة هي: لأن نجيب محفوظ أول كاتب مصري وعربي في العصر الحديث، يُعبِّر من خلال الكتابة الروائية، وباللغة العربية، عن جوهر مصر التاريخي والاجتماعي والثقافي، وعن صراعات الثقافة المصرية والعربية في العصر الحديث والتباساتها الحضارية؛ وعن كل إشكاليات النهوض والتحضر والتمدن، وسؤال العدل الاجتماعي.
فمن يريد أن يعرف مصر، والعالم العربي والإسلامي، يجب أن يقرأ نجيب محفوظ دون خلاف؛ هذا أولًا.
وثانيًا، كان نجيب محفوظ يكتب وهو مغرق في محليته لتكون طريقه بأصالةٍ واقتدار وتمكن إلى العالمية، كان يكتب النماذج الإنسانية التي يقرأها المصري والعربي فيشعر أنه يعرفها، ويعيش معها، ويلتقي بها في الطريق، وفي سائر حياته اليومية، ويقرأها غير المصري وغير العربي فيكتشف أن هناك صلاتٍ بينه وبينها في المشاعر والأفكار والهواجس والمخاوف والآلام، وهو بهذا المعيار كاتب إنساني، عالمي.
وثالثًا، ورغم استيعابه لكل تفاصيل المحلية، فإنه لم يكن يكتب أبدًا بمنطق الكاتب المحلي الذي لا يعرف أبعد من حدود هذه المحلية، كان يعلم أنه لا يقدم منتجًا محليا يتم التعامل معه في دائرة صغيرة ضيقة؛ اسمها مصر ضمن العالم العربي والإسلامي أو الشرق الأوسط بالمصطلح المتداول في الدراسات الأكاديمية الغربية.
لقد كان يكتب وفي ذهنه أنه ليس أقل من “دويستويفسكي” الروسي، أو أقل من “وليم فوكنر” الأمريكي، أو “توماس مان” الألماني، كان على ثقة من أنه لم يكن أقل من أي كاتب عالمي كبير، وكان يعتقد اعتقادًا حقيقيًّا بأنه لم يكن أبدًا أقل من أي كاتب أمريكي أو ألماني أو فرنسي أو روسي أو إفريقي أو آسيوي أو صيني.. إلخ، كان يكتب بهذا المعنى، وبهذا المعنى أيضًا تلقاه العالم واستجاب له وقدره حق قدره.
يقول الناقد الكبير محمد بدوي: “نجيب محفوظ كاتب من الطراز الأول، وهو أيضًا ابن الثقافة العربية الإسلامية التي بدأ العالم منذ حوالي 40 أو 50 سنة يحاول التعرف عليها، فيما هي تلوح للبعض في الخارج ضبابية مشوشة غير واضحة، ناقصة، غير مكتملة.. إلخ.
جاء نجيب محفوظ بمشروعه الكبير لكتابة سردية الهوية المصرية (والعربية) من منظور تعددي؛ هذه الكتابة التي تظهر بأسمى تجلياتها في أعماله ككاتب، وتتجسد في تصرفاته وسلوكياته كإنسان منذور لهذا الإنجاز العظيم”.

  • 5 –

نحن الآن في أغسطس، والناس تبحث عن سبب للاحتفال والبهجة هربًا من الوباء والجائحة ومعاناة البلاء.. عيد محفوظ الشخصي جاء مرارًا، أما عيده الإنساني فلم يتحقق قط، وربما لن يتحقق لأنه حلم بعيد صعب المنال: “أن تمضي الحياة في الحديقة والناي والغناء” هذا هو حلمه وأمله الإنساني الكبير، كما يقول على لسان أدهم في «أولاد حارتنا».. لكن لعله أيضًا حلمنا جميعًا، إن كان ممكنا أن يحلم امرؤ في هذه الأيام.