هل يمكن تدريس هندسة الأفلاج العمانية؟!

محمود الرحبي
ربما لست مؤهّلا بما يكفي للإجابة عن هذا السؤال الدّقيق، ولكني سأتحدث عن الأمر من زاوية القراءة.. قراءة واقع الأفلاج العمّانية التي “حيّرت” منظمة “اليونسكو”، فاختارت خمسة منها لتكون ضمن أهمّ المعالم الأثرية في العالم.
أتذكر أني تلقيت، مرة، دعوة من وزارة الإعلام للعشاء في مطعم في مسقط (قرب مبنى المطار القديم). كان ذلك المطعم جديدا ولكنه بُني على هيئة قلعة. وحتى من الداخل فكأنّك في قلعة عمانية تاريخية. فعمان تعرف كذلك بالقلاع، وقد بُني معظمها، خلال حكم دولة اليعاربة، التي بُنيت في عهدها أيضا أغلبُ الأفلاج، وفلج الخطمي أحدها، بل ربما أحدثها..
بعد العشاء وخلال مغادرتنا، لمحت عن يساري مجسّما لفلج فاقتربت منه، فإذا هو مجسم لفلج الخطمين.. ولأنّي أعرف قصص هذا الفلج العجيب، فقد قمت بالبحث عن وعثاء في الطريق، أو ثلاث قطع خفيفة وقذفت بها في ذلك المجرى الاصطناعي.. ولكنّ الذي حصل أنها سارت كلها في اتجاه واحد. فهذا الفلج مجرد مجسم صوري لفلج الخطمين ولن يحاكي التصميم المعقد للمنشأة الأصلية، إذ بُني فلج الخطمين على هيئة مفترَق لثلاثة طرق عند مصبّه، حتى يتوزّع فيه الماء بالتساوي: بين قسم للناس وقسمان لبيت المال الذي تمتلكه الدولة، يعودان للالتقاء في مجرى واحد. وكل قسم من الماء يجب أن يتدفّق بالتساوي، بحيث أنك في هذه الأيام لو وضعت ثلاث كرات لذهبت كل كرة إلى واحد من تلك الطرق المائية ولظللتَ متعجبا من هذه القدرة الهندسية العجيبة التي كانت تراعي العدالة في التوزيع.. وما من شكّ في أن في الأمر أيضا “رسالة” سياسية؛ رسالة في العدالة، أو خارطة مفروشة على الأرض تدل الجميع على عدالة توزيع ما وهبنا الله من باطن أرضه.
ولعلّ سؤال عنوان هذه الورقة، يفرض سؤالا آخر: لماذا اختارت “يونسكو” خمسة أفلاج فقط من بين كلّ الأفلاج المنتشرة في ربوع السّلطنة؟ والواقع أن الأمر ليس سهلا، فخمسة أفلاج ضمن هذا السّياق رقم غير عادي إطلاقا، لأن الذي اختار هو منظمة عالمية تعتمد في اختياراتها، في العادة، مقاييسَ معقّدة. وثمة بلدان كثيرة حاولت “استعطاف” المنظمة لاختيار آثار لها (حاضرة أو تاريخية) لكنّ الأمر كان يقف عند حدود الابتسام ثمّ الرفض. وهناك أمثلة كثيرة في هذا الباب، لكنْ ما من داع للتفصيل في ذلك.. ولنعد إلى موضوع هذه الورقة.
اختارت “يونسكو”، إذن، خمسة أفلاج من بين آلاف الأفلاج العمانية، التي لكثرتها ولتعقيدات بنائها، نُسبت إلى الجنّ مباشرة.. وليس إلى أي جن، إلى جنّ الملك سليمان عليه السّلام. كان، ذات يوم، في طريقه إلى اليمن، وربما للقاء بلقيس، حين توقف لحظة وأمر جنوده بأن يبنوا المئات من هذه الأفلاج، قبل أن يُكمل طريقه. هكذا تحكي الأسطورة أو الملحمة الشّعبية في تفسير خرافيّ (سهل) لهذه المنشآت المعقّدة وكثيرة العدد. وأذكر هنا أنّ في قريتي سرور، مثلا، ثلاثة أفلاج (بوجدي، والأوسط، والحيلي) وكلّ فلج منها يختلف عن الآخر، سواء في منسوب مياهه أو حتى في قوة تدفّقه. وهي قرية ضمن ولاية سمائل الكبيرة، التي تتشكّل من عدد من القرى، في كلّ واحدة منها مجموعة من الأفلاج.. يسري الأمر على كثير من الولايات العمانية. وقد جابت “اليونسكو” كل القرى العمانية قبل أن تختار الأفلاج الخمسة وهي:
فلج دارس بولاية نزوى، وفلج الخطمين في نيابة بركة الموز -ولاية نزوى، وفلج اللمكي في ولاية إزكي، وكلها في الداخلية. ثم فلج الميسر في ولاية الرستاق، جنوب الباطنة، وفلج الجيلة في ولاية صور (جنوب الشرقية).
ونحن في عمان نقول “نخدم” الفلج أو “نبني” الفلج، وهذه الكلمة لها دلالة كبيرة. فالفلج شقّ مائي لا يخرج من الأرض بسهولة، كما يحدث في الكثير من البلدان، بل هو يحتاج إلى خدمة وإلى بناء. سطحي وتحت أرضي، تراعي الوصال بين النقطة الأولى عند خزان المياه الجوفي في المرتفع والنقطة الثانية عند السهل المستفيد من تلك المياه، ناهيك عن التدرج في العمق حسب ارتفاع وانخفاض، مما يساعد على جريان الماء بطريقة سلسة منتظمة. وما يتطلب تحقيق ذلك – قبل البدء في الحفر- من توفر معلومات لأماكن تواجد المياه الجوفية بمستوى يمكن معه شق الفلج بالإضافة إلى توفر الأرض الخصبة في نفس اتجاه قناة الفلج.
ناهيك عن عبقرية أخرى تتعلق بطريقة توزيع خيرات جوف الأرض، وبذلك أحدث العمانيون فقها خاصا بالأفلاج، بغرض تحقيق العدالة وتعميم النفع، وجاء التوزيع حسب ضوابط (مقعدة) اعتمدت على الفلك والنجوم وأوقات شروق الشمس وغروبها، فضلا عن الخبرة الزراعية بطبيعة المزروعات، وما يحتاج إليه كل نوع من المزروعات من الماء. ولا شك في أن التوصل إلى هذه الطريقة، تطلب (ردحا) من الملاحظات والمشاهدات والتجارب والخبرات ودراسة أوضاع النجوم، واستخدام نظريات ومقاييس رياضية وحسابية بالغة الدقة.
وإلى جانب (الخدمة) والتوزيع، هناك عبقرية أخرى تتعلق بمراحل الاستفادة منه، حيث أعطى العمانيون الأولوية للاستعمال المدني قبل الزراعي في الاستفادة من الماء: يتاح أولا للشرب ثم يمر بعدها من خلال المساجد والحصون وحمامات الرجال العامة فحمامات النساء العامة.. إلى أن ينتهي بسقاية المساحات الزراعية.
ولكنْ هل وفينا هذه الهندسة العظيمة التي ترك لنا الأجداد كثروة (مادية وعلمية) لا تقدّر بثمن حقّها من العناية وسعينا إلى إبراز عبقرية مَن “خدموها” أو “بنوها”؟ هل أنشأنا مؤتمرات للأفلاج؟ وهل يوجد في مناهج الهندسة، مثلا، مساقٌ يحاول أن يكتشف الإمكانات الهندسية المذهلة لهذه الأفلاج!؟ .. سؤال لستُ، كما قلت في بداية ورقتي، مؤهّلا للإجابة عنه.