العملية التسويقية .. علاقة شائكة وتشابكية

أحمد بن سالم الفلاحي

تقع العلاقة التسويقية في بعدها الاجتماعي؛ على وجه الخصوص؛ في كثير من التشابك بين طرفيها «السوق والمتسوق»، وهو تشابك معقد لدرجة كبيرة، وبقدر تعقده من المخاطرة، والمنافسة، والربح والخسارة، والإفلاس؛ في بعض مناخاته.

إلا أنه يظل واقعا يجب التعامل معه بحرفية متناهية الدقة، وكما هو في المثل العماني الذي يقول: «السوق يهبطوه رجال؛ ما يهبطنه فلوس» وفي الفهم الحديث ينصح المختصون في هذا الجانب بضرورة أن تتسلح بأجندة مرقمة للسلع؛ حسب أهميتها؛ قبل أن تدخل معترك التسوق، لأنك بغير هذه الأجندة المرقمة والمحددة، فإنك ستقع في مصيدة السوق، وستخرج منه، وأنت خالي الجيوب، خاصة اليوم في ظل وجود بطاقات الائتمان البنكي، التي تجعلك تتسوق وأنت مغمض العينين، والأذنين، ومخرس اللسان والفكين، ومفلس الكفين، ويبقى الشاهد فقط، هو ما تمتلئ به العربات مما لذ وطاب، وكثر – في الإعلان – الخطاب.
وقبل الدخول في معترك مناقشة هذا الموضوع تفرض بعض الأسئلة سطوتها؛ كمداخلة مفاهيمية لإجلاء بعض الغموض الذي يحيط مناقشة هذا الموضوع الذي؛ ربما؛ لا يثير تساؤلات في خضم ممارسته على الواقع بحكم الصورة النمطية المعتادة، فقد اعتاد الناس أن يقيموا علاقة تشابكية تصالحية؛ في بعض جوانبها، وشائكة في بعض جوانبها الأخرى، وهناك مراوحة بين الطرفين، ويظل الغالب فيها دائما هو السوق، فهو المتربع على المشهد، كيفما تكون حالة المتسوق، ولذلك قيل: «لا تهبط الأسواق إن كنت مفلسا؛ تزداد غما يا قليل الدراهم»: هل وصل أفراد المجتمع إلى مستوى الـ»شراهة» في الاستهلاك، وهي آخر مرحلة من مراحل العلاقة القائمة بين الفرد والسوق؟ أيعقل أن يكون هؤلاء الأفراد قد مروا بالمراحل الأولى من مفهوم التسويق؛ بدءا من الاكتفاء، مرورا بالحاجة والرغبة، وصولا إلى الشراهة؟
وألم تتجذر الثقافة التسويقية؛ بعد طول ممارسة؛ لتبحث لها اليوم عن حلول؛ كالادخار، وشراء الأسهم والسندات، بغية الاستثمار وزيادة الدخل بدلا عن الإنفاق، والإنفاق فقط؟
وكيف ينظر إلى مجموعة المغذيات المعرفية المشددة على التعامل مع مشروعية التسويق بصورة منفتحة؟ وهل يمكن أن يراهن على بعض المفاهيم الروحية والدينية للحد من الوصول إلى مستوى الـ»شراهة» في هذه العلاقة الشائكة؟ وهل ثمت فارق جوهري بين النوعين (الرجل والمرأة) في قضية التعامل مع السلع غير الأساسية للحد من التماهي المطلق مع السوق؟ وختاما؛ هل هناك مرجعية ثقافية يمكن المراهنة عليها لإيجاد علاقة تنظيمية في العملية التسويقية بين طرفيها (السوق والمتسوق)؟
يذكر كبار السن في جلساتهم؛ حتى عهد قريب؛ أنهم لا يستهلكون مادتهم «العينية» أي النقود إلا في حدود ضيقة جدا، ولذلك تمر على هذه المادة الشهور، ولا يكاد يستنفد منها إلا القيل جدا، وهو ما يلبي الحاجة فقط، وهذا الواقع مرده إلى أمرين:
الأمر الأول: أن مجالات الإغراء التي تمثلها السلع، في ذلك الوقت، محدودة جدا، فلا تزيد عن الحاجيات الأساسية التي يحتاجها الإنسان لإشباع حاجياته الأساسية، وتأتي الحاجة إليها بعد أن تستنفد خيرات الأرض التي تعطي بسخاء، وبلا مقابل مادي مقبوض، حيث أن كل فرد في المجتمع يعمل بنفسه، ويكفي نفسه، ويعفي نفسه، وما قل عن ذلك يمكن البحث عنه، للحاجة الملحة بعد ذلك، لا أكثر.
الأمر الثاني: هو حالة الزهد في الحياة، وهي الحالة الموصولة بالجانب الروحي، ولذلك لا يغالب الفرد نفسه، إلى درجة البحث عن الجديد، والمميز، سواء أكان ذلك للملبس، أو لإيجاد خيارات متعددة لمادته الغذائية اليومية، ولذلك تأتي بعض الأمثال لتضيء هذا الجانب كالقول: «ضم قرشك الأبيض ليومك الأسود» و»لا تسرف؛ ولو كنت من البحر تغرف» و»مد لحافك على قد رجولك» وبذلك تأصلت هذه الثقافة نحو النزعة إلى الادخار، أو الزهد في الحياة، أو عدم الاكتراث أصلا بالصورة الاحتفالية المغرية؛ التي تفضي إلى الإسراف؛ والتي تتطلب الكثير من مباهج الحياة، فوق ذلك كله، أن هناك عقدا اجتماعيا يقره الأفراد ضمنيا، ويمارسونه فعليا، وهو أن الفرد في المجتمع حتى ولو كان فقيرا مدقعا إذا لم يستطع أن يشتري لجاره ما اشتراه لنفسه ولبيته من السوق، فإنه لن يشتري، وقلة ما في اليد ليست مبررا لأن يحرم جاره من ما اشتراه لبيته، وأسرته، وهي صورة تكافلية رائعة، وعلى قدر من الأهمية.
يفرض العصر المتجدد؛ دائما؛ الكثير من الإفرازات، وأغلبها ذاهبة إلى حيث المتعة، وهذه المتعة تؤصل النزعة الاستهلاكية عند الفرد، سواء شعر بذلك، أو لم يشعر، ولقد أضاف البعد المادي المقبوض «النقد» مساحة أخرى للتوغل أكثر في هذا الجانب، وجاءت الوسيلة الإلكترونية لتضيف أبعادا أخرى في ثقافة الاستهلاك؛ على المستوى الفردي، أو الجمعي، وذلك من خلال وجود تسهيلات في الصرف السريع، كاستخدام بطاقات الائتمان سواء داخل البلد أو خارجه، وهو ما يطلق عليه «العولمة الأداتية» هذه النقلة النوعية في الصرف، عززت كثيرا الجانب الاستهلاكي، وأشعرت الفرد بسهولة ضخ استجلاب المبالغ النقدية لشراء السلع، ولو بقيم مرتفعة جدا في أي وقت، وسحبت من ذاكرته مسألة «قلة ما في اليد» ومن هنا تتراكم الديون اليوم على الناس بصورة تصاعدية مخيفة، أدت بأناس كثيرين إلى معابر السجون.
يدخل الإعلان التسويقي بقوة في تنمية الثقافة الاستهلاكية، ويعتبر أكبر مروج لها على مستوى العالم، لا فرق في ذلك بين عالم غني، وعالم أقل غنى، ولذلك تتوغل اليوم بما يسمى بـ»شركات متعددة الجنسيات» في كل مفاصل المجتمعات غربيها وشرقيها على حد سواء، حيث ترى السلع بعلاماتها التجارية العالمية المعروفة، في الدول متدنية الدخل كما تراها في الدول مرتفعة الدخل، وربما لو أجريت إحصائية لنشاط البيع والشراء لهذه السلعة أو تلك لذات العلامات التجارية العالمية، فلربما لن تجد فروقا جوهرية في ارتفاعات نسبة المبيعات بين الدول غنيها وفقيرها على حد سواء، وهذا مرده إلى تغلغل الثقافة الاستهلاكية المبالغ في توظيفها عند كافة شعوب العالم، وخاصة عند الشعوب ذات الحصيلة المعرفية المتواضعة بخطورة الاستهلاك العشوائي غير المنظم.
يتردد اليوم مصطلح الـ»قطيع الاستهلاكي» حسب تعبير الدكتور عبد الغني عماد – والقطيع كما هو معروف هو مجموعة من الناس تجر بعضها بعضا دون تفكير أو تمحيص عن ما هم ذاهبون إليه، المهم أن هناك من يقودهم، ولو أدت تلك القيادة إلى حتفهم وهلاكهم، حيث لا عيون تركز في الخطوة الأمامية، ولا عقل يسترجع سرعة الخطى عن الوقوع في مأزق الهاوية، والـ»قطيع الاستهلاكي» لا يقل خطورة عن أي قطيع اتحد على أمر ما دون تفكير، بل؛ ربما يكون أكثرها ضررا على نفسه؛ للخوف من الوقوع في مطب الحاجة الملحة، والتي؛ غالبا؛ ما تؤدي إلى تنازلات كثيرة، قد تصل إلى الشرف، ولو في حدود ضيقة، فالمهم هنا إشباع الرغبات، والظهور أمام هذا القطيع بالصورة الاحتفالية الزاهية، أما ما يجر من وراء ذلك من مآسي أو خسارات، فذلك لا يهم في لحظة الزحام للوصول إلى غايات الإشباع، وهي مسألة خطيرة جدا، وقد استرعى انتباهي مرة منظرا أقل أن يوصف بأنه «مقززا» حيث فتحت بعض المحلات الكبيرة المعروفة أبوابها معلنة بتوزيع سلعها مجانية للحظة زمنية قصيرة، فما كان من مجموعة المتسوقين الحاضرين في تلك اللحظة إلا دخول المحل، وتجاذب السلع، فيما بينهم، وهناك سقط من سقط، وجرح من جرح، وأدت بعض المواقف إلى التشابك بالأيدي والاقتتال للاستحواذ على سعلة ما، أو أكثر، في صورة تثير الشفقة.
يقول الدكتور. عبدالغني عماد، في كتابه؛ سوسيولوجيا الهوية جدليات الوعي والتفكك وإعادة البناء: «في ثقافة (العولمة الأداتية) يختزل الإنسان في بعده الاقتصادي الباحث عن إشباع حاجيات الجسد من المتعة واللذة والترفيه، فتنحصر قيمته بما يستهلك، بينما يقوم الإعلان بوصفه «صناعة الموافقة وبيع الأحلام» بتعطيل الميل العقلاني والحس النقدي، فتنشأ هويات جديدة مقطوعة الصلة بواقعها وتاريخها ومرجعياتها الثقافية، وتتمركز حول الذات. وتتحول الجماعة إلى قطيع استهلاكي يبتكر نجومه وقيمه المتصلة بالنجاح والربح باعتبارهما البوابتين الرمزيتين لامتلاك روح العصر والانتماء إليه».