هيكلة الجهاز الاداري .. الانطلاقة الفعلية لرؤية عمان 2040

بناء منظومة جديدة متطورة تواكب متطلبات المرحلة وتطبيق اللامركزية للمحافظات

اهتمام كبير بالشباب وتطلعاتهم وتعزيز مشاركتهم في صنع المستقبل

تحسين مخرجات التعليم بما يتوافق مع متطلبات سوق العمل ودعم الابتكارات والمشروعات البحثية

حمود المحرزي –

شهدت السلطنة بعد الخطاب التاريخي الذي ألقاه جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم في فبراير الماضي العديد من التطورات، ترجمة لمضامين الخطاب التي تتفق مع توجهات واهداف رؤية عمان 2040، ومن بينها مراجعة أعمال الشركات الحكومية وإنشاء جهاز للاستثمار تندرج تحت مظلته صناديق الاستثمار وجميع الشركات الحكومية، إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة وهما الموضوعان الاكثر أهمية للعبور نحو المستقبل . وقد أكد ـ حفظه الله ورعاه – في خطابه السامي العزم على إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة، وتحديث منظومة التشريعات والقوانين وآليات وبرامج العمل وإعلاء قيمه ومبادئه وتبني أحدث أساليبه، وتبسيط الإجراءات وحوكمة الأداء والنزاهة والمساءلة والمحاسبة، لضمان المواءمة الكاملة والانسجام التام مع متطلبات رؤية عمان وأهدافها، والعمل على مراجعة أعمال الشركات الحكومية مراجعة شاملة بهدف تطوير أدائها ورفع كفاءتها وتمكينها من الإسهام الفاعل في المنظومة الاقتصادية.

ومع صدور المراسيم السلطانية بشأن إعادة هيكلة الجهاز الإداري يتحقق العزم ببناء منظومة جديدة متطورة تتواكب مع متطلبات الرؤية المستقبلية والدخول لمرحلة مهمة من مراحل العمل الوطني لتحقيق الطموحات العظيمة والأهداف الاقتصادية والاجتماعية لا سيما الاهتمام بالشباب وتعزيز مشاركتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتحقيق اللامركزية في المحافظات، من أجل تحقيق التنمية المستدامة في البنى الأساسية والخدمات الحكومية والمرافق العامة، ووجود جهاز إداري للدولة مرن ومبتكر وصانع للمستقبل، ويتصف بالقدرة على تحديد الأولويات والمواءمة بين الأهداف ومواكبة تغيرات العالم وتطوراته الهائلة والطفرات العلمية الحديثة، كما حددت المراسيم السامية اختصاصات وحدة متابعة تنفيذ رؤية عمان 2040 كجهة منوطة بمتابعة ودعم جميع أهداف الرؤية وضمان نجاح تنفيذها.
ويعد الدمج بين بعض الوزارات والهيئات ذات المسؤوليات والمهام المتقاربة من أبرز ما حققته إعادة هيكلة الجهاز الإداري وهذا سيكون له دور كبير في تبسيط الاجراءات وتقليل التكلفة وصولا إلى حكومة رشيقة قادرة على إنجاز الأعمال وتحقيق التطلعات، حيث تتسم القيادات التي أوكلت إليها المسؤولية بمستوى عالٍ من الإمكانيات، وتحمل مؤهلات علمية عالية، فعلى سبيل المثال يحمل 13 وزيرًا من المعينين مؤهل الدكتوراه و14 وزيرًا مؤهل الماجستير، وعلى مستوى الوكلاء فإن 28 وكيلًا من حملة الدكتوراه، و31 وكيلًا بشهادة الماجستير.
وسيسهم وجود قيادات ممكنة ومتجددة على رأس هيكل تنظيمي في تحسين الفعالية والكفاءة وتجاوز التداخل في الأدوار المؤسسية وتنفيذ السياسات والتنسيق بين المؤسسات، وهذا ما تتطلع اليه رؤية عمان 2040.
الشباب.. ثروة الأمم
وجاءت الهيكلة الجديدة للجهاز الإداري لتؤكد بقوة على دور الشباب والاهتمام بهم، بدءًا من التشكيل الوزاري، حيث إن أكثر من 60% من التشكيل الوزاري ضمن الفئة العمرية الأقل عن 55 عاما.
ويأتي الاهتمام بالشباب من منطلق الحرص الذي يوليه جلالة السلطان المعظم على إشراك هذه الفئة في رسم المستقبل .. فقد جاء ضمن خطابه الأول «الشباب هم ثروة الأمم وموردها الذي لا ينضب، وسواعدها التي تبني، هم حاضر الأمة ومستقبلها، وسوف نحرص على الاستماع إليهم وتلمُّس احتياجاتهم واهتماماتهم وتطلعاتهم، ولا شك أنها ستجد العناية التي تستحقها».
ووفق وثيقة الرؤية المستقبلية فإن الاهتمام بالشباب يشكل ضمانا للمستقبل ويعزز مشاركتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية في صنع المستقبل مع توسيع الاستفادة من قدراتهم ومهاراتهم.
وجاء إنشاء وزارة الثقافة والرياضة والشباب بقيادة شابة ليؤكد الاهتمام بهذه الفئة، وتتضمن اختصاصاتها وضع السياسات والخطط والبرامج فـي مجالات الثقافة والرياضة والشباب، وجمع الآداب العمانية، وتوثيقها، وتطويرها، والعمل على انتشارها محليا وإقليميا ودوليا، وتشجيع المهتمين بها، وإبراز إسهاماتهم، وتطوير قدراتهم، وإجراء البحوث والدراسات والترجمة المتخصصة فـي المجالات الثقافـية، وإقامة المعارض والمهرجانات والفعاليات الثقافـية محليًا ودوليًا، لإبراز الدور الثقافـي العماني، والإسهام فـي التقارب مع شعوب العالم، وجمع موروث الفنون العمانية، وتوثيقها، وتطويرها، والعمل على نشرها محليًا ودوليًا ، وتشجيع الأعمال المسرحية الهادفة.
ومن الاختصاصات التي ستعمل عليها الوزارة تشجيع الإبداع والابتكار، وفتح قنوات التواصل الهادف والحوار البنّاء بين فئة الشباب فـي السلطنة، للنهوض بكل ما من شأنه تعزيز الانتماء للوطن، وقائده، وبحث متطلبات الشباب فـي المرحلتين الراهنة والمستقبلية، وكذلك تعزيز مواهب الشباب، وإبراز إبداعاتهم وتقديم الدعم اللازم لهم من خلال إقامة الأندية العلمية والفنية بما يسهم فـي تحقيق طموحاتهم.
تطبيق اللامركزية للمحافظات
يأتي الاهتمام بالمحافظات كأحد التوجهات الاستراتيجية لرؤية عمان 2040 من أجل تحقيق التنمية المستدامة في البنى الاساسية والخدمات الحكومية والمرافق العامة والبيئة التنظيمية الجاذبة للاستثمارات بما يحقق زيادة سلسلة القيمة المضافة في ربط المحافظات بعضها ببعض، ويضمن مستوى معيشة متقدمًا.
وبمقتضى المراسيم السامية يتحقق تطبيق هدف اللامركزية للمحافظات قبل المستهدف في 2022 حسبما أشير إليه في وثيقة عمان 2040، في أولوية تنمية المحافظات.
ويجسّد نظام المحافظات والشؤون البلدية الاهتمام السامي لجلالة السلطان بمواصلة حركة التنمية في محافظات السلطنة وتعزيز دور المحافظين، حيث ينص على أن تتمتع المحافظة بالشخصية الاعتبارية، والاستقلال المالي والإداري، وتكون لها أهلية تملك الأموال الثابتة والمنقولة وإدارتها والتصرف فـيها ويكون للمحافظة ميزانية مستقلة.
وتختص المحافظة بتنمية واستثمار الموارد والترويج لها من أجل تحقيق التنمية المستدامة، وإيجاد فرص عمل للمواطنين، والعمل على الاستفادة من المقومات السياحية والتراثية المتاحة، وإنشاء وإدارة المرافق البلدية، والعمــل علــى استيفـــاء احتياجـــات المحافظـــة من المرافـــق العامـــة غير البلديـــة، والخدمات الحكومية الأخرى، وتنفـيذ المشاريع الإنمائية، وتذليل الصعوبات التي تواجهها، وذلك بالتنسيق مع الجهات المختصة.
إن اعتماد مبدأ اللامركزية وضم اختصاصات البلديات إلى وزارة الداخلية ومكاتب المحافظين كل ذلك سيلعب دورا ملحوظا في تبسيط الإجراءات وتسريع خطط التنمية فيها، وسيكون للمحافظات القدرة على التخطيط واتخاذ القرارات المناسبة التي تتواءم مع التوجهات المستقبلية للدولة، وتسهم في تنمية مجتمعاتها المحلية وتعزز من تطبيق مبادئ الابتكار والتطوير في بناء المنظومة المحلية في كل محافظة.
التعليم والابتكار وبناء الاقتصاد المعرفي
تحدد الرؤية المستقبلية وجهة الاقتصاد الجديدة بناء على المتغيرات والتطورات العالمية في مجال التقنية والابداع والثورات الصناعية وتعمل على مواكبتها وتوطينها ضمن برامج السلطنة وخططها، في بيئة تقنية معرفية آمنة تكفل تحول الاقتصاد العماني نحو اقتصاد قائم على التقنية والمعرفة والابتكار لتحقيق تنمية شاملة ودائمة وبيئة أعمال جاذبة للجميع وزيادة التصدير للقطاعات ذات المكون التقني والقيمة المضافة العالمية، وللوصول الى هذه الطموحات فقد أكدت «عمان 2040 » على أهمية تطوير التعليم بجميع مستوياته وتحسين مخرجاته، من خلال التركيز على رفع الجودة حتى يكون الخريجون مؤهلين لدخول سوق العمل بقدرات وإمكانيات ومهارات منافسة، تلبي مستوى الإنتاجية والتنافسية المطلوبة لبناء اقتصاد معرفي وتعزز الأمان الوظيفي.
وبإنشاء وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار يدخل قطاع التعليم العالي والبحث والابتكار مرحلة جديدة بمزيد من الاهتمام لتأمين حاجة سوق العمل لمخرجات تتوافق مع متطلباته المستقبلية.
وتتضمن اختصاصات الوزارة اقتراح السياسة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، ومتابعة تنفـيذها، وتشجيع البحث العلمي والابتكار وفق متطلبات التنمية فـي المجتمع، والعمل على توفـير التدريب التقني والمهني، وربطه باحتياجات سوق العمل، وتطوير المناهج التدريبية ، وتشجيع التدريب على رأس العمل.
وستعمل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار على وضع خطة وطنية للبحث العلمي، وتحديد أولوياتها فـي ضوء متطلبات خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ودعم الابتكارات الفردية والمشروعات البحثية، وتشجيع مؤسسات وشركات القطاع الخاص وغيرها على المشاركة فـي مجالات البحث العلمي، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية للبحث العلمي.
وحدة لمتابعة تنفيذ رؤية 2040
تتطلع السلطنة الى مستقبل أكثر ازدهارا لنكون في مصاف الدول المتقدمة، ويتواكب مع ما يشهده العالم من تحولات في كل المجالات، وهذا يتحقق بتفعيل توجهات واهداف رؤية عمان 2040 .
ولضمان تحقيق الاهداف والتوجهات تم إنشاء وحدة لمتابعة تنفيذ رؤية عمان 2040 بموجب المرسوم السلطاني رقم100 /‏‏ 2020 التي يأتي على رأس اختصاصاتها متابعة الخدمات التي تقدم للجمهور للتأكد من جودتها وفق المعايير المعتمدة، ووضع النظم والإجراءات الكفيلة لحصول المتعاملين مع الجهات الحكومية الخدمية على أفضل الخدمات، ومتابعة تنفيذ السياسات الخاصة بتبسيط الإجراءات، وتسهيل الخدمات.
كما ستتولى وحدة متابعة تنفيذ رؤية عمان 2040 تقديم الدعم والمساندة للجهات المعنية، ومتابعتها، لضمان نجاح تنفيذها، إضافة إلى العمل على توفير بيئة محفزة لتنفيذ الرؤية المستقبلية، بما فـي ذلك مشاريع الخطط التنموية والاقتصادية، ووضع الحلول والمعالجات المناسبة لمواجهة العقبات التي تعترضها، وتعزيز التعاون وتطويره مع الجهات الحكومية لتمكينها من التميز، وترسيخ ثقافة الابتكار ومبادئ الجودة الشاملة وفق أفضل الممارسات الإدارية.
وأكدت وحدة متابعة تنفيذ رؤية عمان 2040 أن المراسيم السلطانية الخاصة بالجهاز الاداري للدولة ستحقق عددا من أهداف الرؤية وأبرزها أداء وخدمات حكومية بجودة عالية وقطاع حكومي فعال في مجال التخطيط والتنظيم والمتابعة والتقويم ذو هيكلة قطاعية ويستشرف المستقبل، وقرارات حكومية ذات توازن وموثوقية.