عـــود عــــلى بــــدء .. عمان نصف قرن من التطور.. بدأت من «الإعلام» وعادت إليها

كتبت: شذى البلوشية –

عادت الطابعات إلى العمل بعد توقف دام طويلا، وسرت في المكان رائحة الورق الذي غاب عن أيدينا قرابة خمسة أشهر، وفي الصباح كانت جريدة « » التي تصدرها «مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان» الوحيدة في منافذ البيع، تشد القارئ بمانشيتها العريض الذي اختارت له اللون الأحمر، وعنوان آخر بالأزرق الداكن « تعود لقارئها ورقيًا». تهافت الناس يقتنون العدد، ووثقت عدسات مصوري الجريدة الكثيرين وهم يتصفحونها، وتلقت صالة التحرير وبدالة الجريدة الكثير من الاتصالات تسأل إن كان ثمة أعداد من الجريدة فقد نفد المعروض في السوق.
كان اليوم يوم ثلاثاء، ولم يدرِ أحد أن هذا اليوم هو آخر يوم «لمؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان» التي تصدر عنها جريدة عمان وجريدة الأوبزيرفر ومجلة نزوى الفصلية، وأن شمس ذلك اليوم لن تغيب قبل أن تلغى المؤسسة وتؤول إصداراتها وموجوداتها إلى وزارة الإعلام وفقًا لمرسوم سلطاني أصدره جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ضمن مراسيم إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة. ورغم أن الأمر كان متوقعًا «جدًا» إلا أن لمحة حزن بدت على الوجوه، حيث كنا نتحلق حول شاشة التلفزيون العملاقة في صدر صالة تحرير جريدة عمان. صحيح أن ارتباطنا الأقوى بالجريدة واسمها الأثير على قلوبنا «عمان» لكن يبقى للمؤسسة واسمها حنين آخر لا يمكن أن ينسلخ من أذهاننا مباشرة.
هذا المشهد جعلني أعود للبحث عن بدايات «جريدة عمان» وبالتحديد إلى نوفمبر من عام 1972 حيث صدر العدد الأول من الجريدة تحت عنوان كبير جدًا «اليوم العيد الوطني الثاني لعمان».

ولادة «عمان» الجريدة
كان خبر صدور الجريدة التي اختارت لميلادها يوم العيد الوطني الثاني لعمان خبرًا مهمًا فاق الأخبار التي حملتها صفحاتها الثمان. واختارت الجريدة يوم السبت موعدًا لصدورها الأسبوعي، وكانت تصدر عن المديرية العامة للإعلام والسياحة، وهي مديرية تتبع وزارة الإعلام. ما يعني أن عودة الجريدة لمظلة وزارة الإعلام هو عود للبدايات الأولى التي كانت عليها الجريدة يوم كانت تتبع الوزارة.
استمرت الجريدة تطل على قرائها كل سبت حتى الثامن عشر من نوفمبر عام 1975م حين تحولت إلى جريدة نصف أسبوعية تصدر يومي السبت والثلاثاء، واستمرت على ذلك خمس سنوات متتالية، إلى أن أعلنت عودة ترقيمها من الصفر لتدخل مرحلة جديدة من الإصدار الورقي لجريدة تصدر بشكل يومي، عدا الجمعة، وذلك في الثامن عشر من نوفمبر عام 1980م. وبقيت خلال هذه الفترة تصدر عن وزارة الإعلام.
خطوات مدروسة
ومنذ انطلاق الإصدار اليومي لجريدة عمان، تتابعت بعدها حكايات مختلفة، تبدأ من عشق الصحفي وهوس المحرر، وتنتهي بقارئ يتذوق من ملامسة الورق طعما للخبر الصحفي، ومذاقًا للحوار والتحقيق، ونكهة خاصة للمادة الصحفية على الصحيفة العمانية، وهو ما ساعد على أن تواصل الجريدة ألقها، وتخطو بثبات في تحقيق الكثير من المنجزات، ولعلّ أبرزها الملاحق التي كانت تصدر بالتزامن مع الجريدة، وهي: ملحق الولايات، وملحق عمان الثقافي، وملحق عمان الرياضي، وملحق عمان الاقتصادي، وملحق أسرتي، إضافة إلى الملاحق الاستثنائية التي اقتضى العمل عليها من خلال الأحداث العالمية أبرزها «ملحق الحرب» الصادر في عام 2003م، إبان الحرب الأمريكية على العراق.
مؤسسة مستقلة
واستمر العمل في الجريدة تحت منصة «المديرية العامة للإعلام والسياحة» التابعة لوزارة الإعلام، حتى صدور المرسوم السلطاني رقم 97/‏‏43 بإنشاء مؤسسة عمان للصحافة والأنباء والنشر والإعلان، باستقلال إداري ومالي، وكان لها رئيس مجلس إدارة، لتضع لها مكانةً وحضورًا بين المؤسسات الإعلامية، وتصدر صحيفة عمان باللغة العربية، وصحيفة الأوبزيرفر باللغة الإنجليزية، وتستظل «وكالة الأنباء العمانية» تحت مظلة المؤسسة أيضًا، حتى صدور مرسوم الفصل بين وكالة الأنباء العمانية والمؤسسة.
ولم يقل بهذا الفصل سطوع مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان، بل على العكس، فقد ضمت إلى جانب إصدارها لصحيفتي عمان والأوبزيرفر، مجلة نزوى التي تعنى بالشأن الثقافي العماني والعربي، ووجدت المؤسسة لها مكانا بأفرعها في الولايات، حيث أنشأت مكاتب إقليمية في كل من ظفار ونزوى وصحار وإبراء.
ولادة «شرفات» المشرّفة
وازداد التطور التحريري والتقني في مختلف جوانب العمل المؤسسي، الأمر الذي ساعد على أن يشتد ساعد الملاحق وتكبر فتقرر الانفصال عن العدد الكامل للجريدة، وأصبحت تطبع مستقلة، وبانت ملامح عهد جديد، بتغير واضح في الجريدة شكلًا ومضمونًا، وأعلنت المؤسسة ولادة ملحق «شرفات» الثقافي في السادس من نوفمبر عام 2002م، ليكون الابن الذي صنع فخرًا كبيرًا للمؤسسة بحضوره الملفت، ومواكبته الأحداث المحلية والعربية والعالمية، وكان حديث الشأن الثقافي، وتنافست الأقلام للحصول على مساحة للكتابة في صفحاته.
إعلان رئيس تنفيذي
وصدر مرسوم سلطاني في 2005 بإعلان رئيس تنفيذي لمؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان، وهو ما شكل قوة ومكانة أكبر للعمل الصحفي في المؤسسة، وتوالت على إثر ذلك إصدار الملاحق والمجلات وتعاون المؤسسة مع مختلف الجهات لإصدارات تطبع من خلالها فقد طبعت المجلة الفصلية «الفصول الأربعة»، وتعاونت مع جماعة الترجمة في جامعة السلطان قابوس وأصدرت ملحق «الجسر»، وتعاونت أيضًا مع أسرة القصة القصيرة وأصدرت ملحق «أقاصي»، وتعاونٌ آخر مع الجمعية العمانية للكتاب والأدباء، ونتج عنه إصدار ملحق «ن».
ومع تشكل ملامح الإدارة الجديدة للمؤسسة فقد أنتجت مجموعة من المنجزات بإصدارات متنوعة، وأعداد مميزة من الصحف والملاحق والمجلات، وأعلنت إصدار مجلة نصف شهرية حملت اسم مجلة «حياتي»، صدر عددها الأول في السابع من مايو عام 2006م، إضافة إلى إصدار ملحق في السابع عشر من مايو عام 2007م يعنى بالمادة ذات التنوع والطرافة حاملا اسم «اليوم السادس»، ليتيح للمراسلين في الولايات نشر موادهم المتعلقة بأحداث الولايات.
ملاحق متخصصة
واستمر العمل الصحفي في المؤسسة في النمو والازدهار، وتتالت في عهد الإدارة الجديدة ولادة الملاحق، فقد صدرت منذ 2008م عدد من الملاحق الأسبوعية المتخصصة، حيث يصدر كل سبت ملحق «طب وتغذية»، وكل أحد ملحق «قراءات»، وكل اثنين ملحق «الإنترنت»، وكل ثلاثاء ملحق «الأسرة»، وكل أربعاء ملحق «فنون»، إضافة إلى الملاحق التي تصدرها المؤسسة من إعداد جهات حكومية، كملحق «رؤى» الذي تعده التعليم العالي، وملحق «حياتنا» من إعداد التنمية الاجتماعية، وملحق «نافذة تربوية» من إعداد التربية والتعليم.
وتزايد الإقبال من المعلنين على المؤسسة، وصارت محط رحال الكثير منهم، وأوجدت المؤسسة من خلال ملحق «زاجل» الذي كان يوزع بالمجان مع كل عدد للجريدة، ملاذًا آمنًا للإعلانات التي تضاعف حجمها وتزايد المتهافتون لعرضها عبر صفحات الجريدة، حتى عام 2009م الذي شهد إصدار ملحق «اقتصادي» منفصل عن العدد الرئيسي للجريدة، وملحق آخر «رياضي»، إضافة إلى ملحق «مرايا» الأسبوعي، وملاحق الأعياد الوطنية، والمناسبات والأحداث المميزة التي تقتضي إصدار ملحق خاص بها.
عهد جديد
وتواصل العمل في المؤسسة على إصدار يومي للجريدة بعددها الرئيسي المتألف من 24 صفحة، إلى جانب الملاحق الاقتصادية والرياضية، حتى عصفت جائحة كورونا كوفيد 19 بالورق، فحجبت الطباعة الورقية لأول مرة، ولم يحل هذا الظرف بين استمرار العمل الصحفي والتحريري للجريدة، بل استمرت وصدرت بشكل يومي على هيئة نسخة إلكترونية، تصل إلى قرائها عبر الأجهزة المحمولة، ولم يضعف هذا التحول المفاجئ من أداء محرري الجريدة ومراسليها، بل واكبوا التطور التقني وواصلوا العمل الصحفي الإلكتروني، ومع عودة طباعة الورق من جديد في أغسطس الحالي، صدر مرسوم سلطاني بإلغاء مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان، وتضم إلى وزارة الإعلام، وتتبع «المديرية العامة للصحافة والنشر والإعلان». ورغم تنوع المظلات الإدارية التي تستظل بها جريدة عمان إلا أن الجريدة باقية على عهدها مع القارئ تقدم له الجديد في عالم متحول ومتغير ومتخم بالأحداث.